وماذا يفعل معنا القدر إذا كنا لا نعي الدرس إلا بسقوط المزيد من أبناء الوطن ورؤية الدماء تحيط بنا من كل جانب؟!

 

حسنًا فلنبدأ معًا في إدراك ما أرادت مباراة الموت أن تبعثه لنا من بين الجثث والدم.

 

منذ فترة ليست بالقصيرة ونحن نتابع ونرى بأعيننا كيف تحولت مباريات الكرة وخاصة التي تتنافس فيها الأندية ذات الشعبية إلى ميادين للإرهاب اللفظي والحركي بين مشجعي هذه الأندية، وخروج الأمر عن الروح الرياضية إلى التعصب الأعمى، وبدأت روابط المشجعين في استقطاب أعداد كبيرة من المراهقين، والذين تكمن عقولهم في داخل غرائزهم بحكم طبيعة المرحلة السنية التي يمرون بها.

 

وشاعت ثقافة الكراهية والعنف اللفظي بين الجميع حتى تطور الأمر وأصبحت هذه الروابط وكأنها دول وجزر داخل الدولة لا تخضع لقانون غير قانونها، تهدد الجميع وترهب كل من تسول له نفسه الوقوف أمام تهورها وتعصبها الأعمى، وللأسف ساعدها في غيها إعلام رياضي فاسد ينفق من وقته عشرات ومئات الساعات لتذكية روح الفرقة ودغدغة مشاعر هؤلاء المراهقين، فماذا كنا ننتظر بعد هذا إلا الموت والبكاء والحزن؟ إنها المقدمات المنطقية لهذه النتيجة المفجعة.

 

- أعلم تمامًا مسئولية أي جهاز أمن عن حماية أرواح أبناء الشعب والحفاظ على سلامتهم من أي خطر، هذا واجبه ومهمته المقدسة لا شك أبدًا في هذه الحقيقة، ولكن لماذا نتهم العَرض ونترك أسّ المرض؟!

 

إذا كانت الشرطة لم تؤدِ واجبها فهذه نتيجة طبيعية لرفض أبناء المجتمع لما تقوم به من عمل، فقد رأينا شهداءها يسقطون وهم يلاحقون الخارجين على القانون ولا أحد يذكرهم، ورأيناهم ونحن نلقي بالمسئولية الكاملة على أعتاقهم دون مساعدة منا، بل تهديد بالمحاكمات وإهانة وسب لهم وأحيانًا رميهم بالحجارة والمولوتوف، وسبحان الله لا يلام من يفعل هذه الجريمة؟ واللوم دائمًا في انتظار أبناء الشرطة وهم يؤدون واجبهم تجاه انفلات أمني وقطع طرق وانتهاك لحرمات الشوارع، والمطلوب من جهاز الأمن وقف كل هذا ونحن لم نعط له ما يحتاجه من صلاحيات وتأييد لخطوات مؤلمة سيتخذها من أجل تحقيق الأمن المفقود، كما تفعل كل المجتمعات التي تمر بما نمر به فالضابط ورجل الأمن يشعر أنه فقد حماية المجتمع له فترك عمله ورضي أن يتهم بالتهاون على أن يتهم بالعنف، فالتهاون بالنسبة له أهون من التورط في العنف والقسوة مع أبناء الشعب.

 

- أيضًا وكالعادة لم نأخذ اعترافات بعض التيارات بأنها تسعى لهدم الدولة وإسقاط مؤسساتها، لم نأخذ هذه الاعترافات مأخذ الجد بل هاجمنا من رفع الدعاوى القضائية عليهم ونسينا أن مصر بلد كبير ولن تُترك لتمر بثورتها على خير وإلا تحولت لقوة إقليمية وعادت لها زعامتها وما يمثله ذلك من خطورة على المتربصين بها، فتهاونُنَا كمجتمع أولاً وكسلطة ثانيًا مع هذه التيارات المخربة والتي تقوم بتنفيذ مخطط الفوضى والهدم لمصر، وتركنا لهم يسممون أفكار الشباب صغار السن في روابط الموت المسماة الألتراس، وتركنا لهم وهم يوظفون المجرمين والحثالة التي تكون في كل مجتمع ويغرقونهم في المخدرات ويدفعون لهم المال الحرام المرصود لهذا الغرض ويحثونهم على العنف والتخريب، وللأسف انخدع كثيرون بهذا المخطط بحسن نية اعتقادًا منهم أنه المد الثوري والتطهير الذي يتبع كل ثورة، ونسوا أن هؤلاء الشياطين لا تعنيهم ثورة ولا تطهير إنما الذي يعنيهم هو الخراب والفساد، وهذه هي أيديولوجيتهم التي كفرت بها شعوب كثيرة ذاقت الأمرين من ويلات حكمهم الإرهابي.

 

- للأمانة لا يجب أن نبرئ هذا الإعلام الفاجر الذي قتل القتيل ويمشي الآن في جنازته، هذا الإعلام الذي أحدث خللاً هائلاً في الشبكة الإدراكية للعقل المصري، فأظهر له البلطجي المجرم على أنه ثوري مناضل، والخيانة والعمالة على أنها وجهة نظر سياسية، والذي يدعو للاستقرار على أنه من أتباع الفلول، والذي يدعو لإعادة البناء على أنه يريد نصيبًا من الكعكة، حتى أصبح الحق باطلاً والباطل حقًّا وتبع نفس السلوك كثير من النخب السياسية التي انقلبت على الديمقراطية التي صدعوا رءوسنا بها ويكفرون بها الآن ما دامت لم تأتِ بهم، ومعهم في هذا كثير ممن كنا نظنهم يومًا مفكرين ومثقفين، فتحدث الفتنة فتنكشف ضحالة التفكير وتفاهة الحجة.

 

- رسائل كثيرة ومؤلمة بعثتها لنا رائحة الموت من بورسعيد فهل ترانا استقبلناها أم ما زلنا في غيبوبتنا نبحث عن شماعات نعلق عليها أخطاءنا القاتلة.. والله من وراء القصد.