إن ما شهدته مصر يوم الأربعاء الحزين هو مأساة حقيقية بكلِّ المقاييس، أصابع الاتهام فيها تشير إلى أطراف متعددة بدءًا بمن قاموا باستغلال مشجعي الأندية هؤلاء الذين هم في عمر الزهور، وشحنوا مشاعرهم، وألهبوا حماسهم.
وانتهاءً بمن سيثبت تورطهم في هذه الأحداث على أيدي لجان التحقيق، ومما يؤسف له أن كل هذا كان من أجل انتصارات واهنة أو فوز زائف، أو ما أشبه، وما أهزلها من مكاسب لم نعهد مثلها من قبل.
وأتساءل مستفهمًا أو مستنكرًا: لمصلحة من يتم استغلال البيئة الرياضية الخصبة والتي من المفترض أنها تعمل على سمو الروح والارتقاء بالأخلاق، لا من أجل شيء ولكن لتنفيذ أجندات خاصة لبعض الأشخاص، ويدفع ثمن هذا شباب في مقتبل العمر ما ذنبهم؟ وأي جريرة فعلوها؟، وأي إثم اقترفوه حتى تسيل دماؤهم، وتكْلم الصدور وتحرق القلوب حزنًا عليهم لا عند ذويهم فحسب بل في قلب السواد الأعظم والشعب المصري في كلِّ حدب وصوب.
وأعود لأذكر أن ما حدث هو إخلال بالمقاييس العقلية والمنطقية السليمة مما لا يدع مجالاً للشك أن هناك فئة تسعى لإحداث اضطرابات وقلاقل باستغلال بعض النشاطات والمناسبات، بقصد تنفيذ مخططات جاهزة؛ لجعل مصر تجثو على ركبها ولا تقوم لها قائمة والنيل من اقتصادها وأرواح أبنائها وإفزاع شعبها.
وكلما شعرنا أننا على مقربة من تخطي كبوات الفتنة التي أعاقت الاقتصاد والبلاد والعباد طيلة عام بعد الثورة حتى أصبحنا على مقربة من الانطلاق برؤى طموحة نحو المستقبل الجاد والفعال، وإعادة هيكلة المؤسسات ومقدرات الدولة إذ بنا نجد أنفسنا في هوة سحيقة مظلمة، المستفيدون منها قلة قليلة، والمتضررون منها هم البقية الباقية من هذا الشعب العظيم، ولم يخل المجلس العسكري ووزارة الداخلية من الاتهام المباشر وتحمل المسئولية الكاملة حيال بعض الأحداث.
ونقول لهم أو ما كان من الأفضل أن نجلس قليلاً ونفكر بهدوء في المستفيد الحقيقي من هذه الأحداث، هناك تقصير لا شك في ذلك لكن هل يعقل أن يكون هناك تواطؤ أو شبهة اشتراك وتقع هذه الأحداث الدامية تحت سمع وبصر المؤسستين الأمنية والعسكرية وهما يعلمان تمام العلم أن أصابع الاتهام في كل حادثة كبيرة أو صغيرة سوف يتم توجهيها إليهم؟ وهل هم قليلو الخبرة والكفاءة أو بعيدين كل البعد عن إدارة الوطن والتعامل مع ثقافته؟ أم هم في سبات عميق حتى يتم كل هذا تحت مرآهم؟.
ثم تتعالى الأصوات المطالبة بالقصاص والاستعجال في تسليم السلطة أو ما كان من الأفضل على المجلس العسكري هذا إذا سلمنا بأن هناك شبهة تواطؤ أن يقوم بتسليم السلطة في هدوء وقناعة بدلاً من الفوضى والدماء.
إن الأمر يا سادة أكبر من كل هذا، وبدلاً من الانسياق خلف من سلطت عليهم الفضائيات أدواتها، واتخذوا منها منابر وأصبحوا هم أئمة وقادة في أذهان تابعيهم، يجب علينا ألا نتعجل في الخروج على الرأي العام بهذه الأحكام التي ليس لها من نتيجة إلا شق عصا الوطن وتمزيق وحدته.
ولنعلم جيدًا أن الأحكام المتسرعة تكون بعيدة عن الموضوعية الحقة، ولا بد من أدله دامغة لا إصدار أحكام صحيحة حيال الأحداث.
ومن يملك كل هذا؟ أليس هو الجهاز القضائي برجاله الأكفاء المخلصين الذين نثق بهم ونطمئن إلى رجاحة عقولهم أم هؤلاء الصبية الصغار فكرًا وعمرًا الذين يخرجون علينا بأحكام وإدانات ما سمعنا بها في آبائنا الأولين، ومن عجب أنه ينساق إليهم من كنا نعتقد رجاحة في عقولهم واتزان في أفكارهم.
إنها فتنة كبرى لو تحققت لتُحْدِثَن شرخًا في المجتمع المصري بين الأفراد بعضهم البعض من ناحية وبين المؤسستين الأمنية والعسكرية من ناحية أخرى.
أما من يريدون إقالة الوزارة فأقول لهم كفانا يا ساده تحميلاً للأمور ما لا تحتمل، وهل تقال الوزارة من أجل أحداث لم يتم الانتهاء من التحقيق فيها ولم تتوصل جهات التحقيق المنوط بها هذا العمل بنتائج مؤكدة عن الفاعل الحقيقي؟ أم ننتظر قليلاً حتى نكون على بينة من أمورنا وأفعالنا، وكفانا تراشقًا بالألفاظ وتبادلاً للاتهامات، أم أننا كلنا أصبحنا قضاة وفقهاء قانونيين، وكأننا جلوس على منصة القضاة، ونسينا مبدأ هامًّا أرساه فقهاء الأصول ألا وهو (للحوار آداب وللفتيا أصول وللاختصاص حرمة)، ومن ناحية أخرى فأنا أحمل مسئولي الأندية الذين يحتضنون هذا الكم الهائل من شباب الألتراس ويمدونهم بما يلزم لمؤازرة النادي في صولاته وجولاته ويتمادون في تأجيج النفوس وإشعال الفتن والغضب في قلوبهم المسئولية كاملة.
وغاب عنهم أن دورهم الحقيقي هو في القيام بدور تكميلي مع المؤسسات الدينية والتربوية والتعليمية القائمة في المجتمع حتى تكتمل منظومة المجتمع الأخلاقية التي نتغياها في شبابنا والتي بها يكون صلاح مجتمعنا.
أما ما يحدث منهم من أجل تحقيق انتصارات واهية فتكون محصلته أن الخاسر الحقيقي في النهاية هو هذا الوطن الذي يحتضن الجميع.
كما أن لي ملاحظة على جلسة البرلمان التي أعقبت الأحداث الأخيرة والتي كال فيها بعض النواب الاتهامات لوزير الداخلية بحجة إصراره على العمل بقانون الطوارئ بدعوى السيطرة على الانفلات الأمني والقبض على البلطجية والخارجين على القانون، فأقول لهم يا سادة وما جنيناه من إلغاء قانون الطوارئ سوى أننا تركنا الساحة خلاء لمعتادي البلطجة والإجرام وسفك الدماء يمشون جهارًا نهارًا دون رادع من قانون أو أمن، ناهيك عن الرادع الداخلي والديني، والذي من المفترض أن يكون قابعًا في الضمائر لكنه منعدم عند هؤلاء، وما جنيناه من غل يد الشرطة وتكبيلها في هذه الأوقات سوى التمادي في طلبات تخرج علينا بضرورة إخلاء وزارة الداخلية على الفور، وهل هذا ما تريدونه يا سادة؟.
وليس معنى ذلك أنني مع الاستخدام المفرط للقوة والتعسف في استخدام الحق، ولكنني مع ترشيد استخدام القوة والتعامل مع كل حالة بقدرها، فالضرورة كما نعلم تقدر بقدرها، ويظل القانون فيصلاً في كل حالة نواجهها، ونحتكم إليه في كل موقف نتعرض له، أما أن نترك الأمور تسير على هوى البعض ممن يقدمون الفوضى على القانون والعشوائية على النظام فهذا كلام لا يقبله عقل سليم، ناهيك عن السقيم بل هو خبط عشواء.
وأؤكد على صحة كلامي مما سمعناه وقرأناه في الآونة الأخيرة من أحداث سطو واختطاف وقطع للطرقات، كل هذا نتيجة متوقعة لخلو الساحة والشارع من رجل الأمن الذي اهتزت ثقته في ذاته وفي نفسه وفي مقدرته على الوجود في مكانه، وأي جرم فعله السياح حتى يتم احتجازهم واختطافهم؟
هل للضغط على الحكومة لتنفيذ مطالب البعض أيًّا كانت هذه المطالب؟ وهل تتم الاستجابة إليها بهذه الطريقة؟ وهل من المنطق أن نستعين بوسائل غير مشروعة حتى نحصل على حق نصبو إليه أو نتطلع إليه.
حتى متى نستغل الظروف ونسيء المفاهيم؟ وأين هيبة الدولة من كل هذا؟ ولماذا يتركز كل الغضب في محيط وزارة الداخلية وبعض مديريات الأمن وبعض أقسام الشرطة وبعض السجون.
أولاً يدعونا هذا للوقوف والتساؤل والتحليل، فمعلوم أن التظاهر هو حق مكفول وهو تعبير عن خلجات إنسانية وانفعالات داخلية إزاء بعض الأحداث والأزمات، ولكن إذا تحول إلى عنف فيسمى عدوانًا، ولا يصح بحال أن نسميه تظاهرًا أو اعتراضًا.
وحتى نكون واضحين في تحليلنا فإن هذه الأعمال بعيدة عن الثورة والثوار، فالثوار هم المواطنون الشرفاء الذين لهم حق التظاهر والمطالبة وإيقاظ الوعي طالما تمَّ هذا بأساليب ووسائل مشروعة أما خفافيش الظلام فليس لهم من هدف سوى إسقاط الدولة وهيبتها والعبث بمقدراتها وآلياتها ومؤسساتها بل ومقدساتها، أما وجوه الثورة المضيئة فقاموا بجهود لا نستطيع إنكارها في محاولة إيقاف نار الفتنة في محيط وزارة الداخلية، وكذا في الإسكندرية وأيضًا في السويس، وهو شيء يحمد للثورة وشبابها، ويعيد لها أمجادها وأيامها البيضاء.
أما من يراهنون بذلك على مزيد من الدماء والأرواح فنقول لهم: لن تظل مصر رهنًا للكر والفر، ولن تصلوا إلى مرادكم ومبتغاكم، وسيبقي الشعب المصري الأصيل حصنًا حصينًا لدولته يدافع عنها ويحمي مقدساتها ومؤسساتها، ويذود عن هيبتها التي إن سقطت سقط الوطن كله.
وتبقى كلمة أقولها للعقلاء والشرفاء والمفكرين والحكماء والأدباء والعلماء من محبي الوطن، ومن يستشعرون الخطر المحدق بالبلاد والعباد أن يتدخلوا جميعًا لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نترك الأمور في يد من تولوها حتى الانتهاء من أعمال التحقيق فيها وتظهر الحقائق من خلال نتائج هذه التحقيقات، ونضرب على أيدي مَن يحاولون الهدم والإفساد؛ حتى نثبت لأبنائنا وأحفادنا أننا أبناء مصر الأوفياء، أهل وكفء للدفاع عنها، وكفانا من فضل ونعمه أننا مشينا على أرضها وتنسمنا أريجها وسيضمنا ترابها، وسنردد دومًا كلمات الزعيم الشاب مصطفى كامل: (لو لم أكن مصريًّا لوددت أن أكون مصريًّا).
وسنعيد في سمع الزمان وعين المكان قول القائل:
لعمرك ما مصر بمصر وإنما هي جنة الدنيا لمن يتبصر
فأولادها الولدان والحور عينها وروضتها المقياس والنيل كوثر