منذ أيام التقيتُ أحد الشباب الواعد لمستقبل مصرنا الغالية وهو ينتمي إلى أحد الأحزاب الحديثة التي وُلدت من رحم الثورة ومن قلب الميدان، وتجاذبنا أطراف الحديث حول المرحلة الراهنة وسبل الخروج منها، فبادرني وهو ممتلئ ثقة بهذه العبارة: "لا بد من العودة إلى المربع صفر" فاستفسرت منه، ماذا تقصد بالمربع صفر؟ قال: نعود جميعًا إلى يوم 12 فبراير 2011م، قلت له: وضِّح لي أكثر وليكن المعنى أكثر تحديدًا؟، وسألته: هل هذا يعني ترك كل المكتسبات وما تم بناؤه ونعود كما كنا؟، قال: لا، بل نعود إلى لحظة الصفاء والوفاق، إلى الصف الواحد، نعود إلى المربع صفر، مربع الاصطفاف جنبًا إلى جنب، نترك الاتهامات والتخوين والانقسام والانشقاق ونعود كما كنا، نهتف سويًّا ونتحرك سويًّا وننصرف سويًّا، نأكل ونشرب سويًّا، ونتقاسم مكان النوم والغطاء ليلاً من البرد.

 

أسعدني كثيرًا هذا الطرح، وفكرت قليلاً فيه، فقلت: إن هذا المطلب ملحٌ وضروري ولكي يتحقق يتوجب على الجميع أن يعيد النظر مرات ومرات إلى رفقاء درب الثورة، ويتأمل الموازين التي يزنهم بها، لقد انشق صف الثوار يوم أن اختلت عندهم موازين القياس والتقييم، فكان القياس في غير محله، وبالتالي حكمت على الرفقاء بما لا يستطيعون فعله، وحملت آخرين ما لا طاقة لهم به، ومن هنا تمَّ توزيع الاتهامات على الجميع، وكان الفرز والكلام كله أمام الجمهور والرأي العام؛ ما ساعد على فقد الثقة وتلقف الإعلام كل ذلك، ونفخ فيه وأجج نار الفرقة ووسع الهوة.

 

إن معايير القياس وموازينها تختلف من فصيل لآخر، كل حسب منهجه وطبيعة تكوينه وأهدافه وآليات تحقيقها، ومنطلقاته التي ينطلق منها، فعلى سبيل المثال: هناك فصائل ثورية (ثورية المنطلق والتوجه والتفكير وآليات العمل) هذه الفصائل في الغالب تكون بسيطة التكوين، لا تعتمد على التنظيمات المعقدة، ولا تتقيد بقيود الإدارة والبيروقراطية، هذه الفصائل هدفها وهمها الأكبر الثورة على الفساد والظلم، ولا تهتم كثيرًا بالمؤسسات ولا بالعمل المؤسسي، ولا تحصر أداءها في القيم المجتمعية ولا تتمحور حولها، كما أنها ليست فصائل إصلاحية وبالتالي غير معنية بالتدرج في الإصلاح وليس لها صبر على ذلك.

 

وهناك على الجانب الآخر فصائل دعوية إصلاحية تتمسك بالقيم المجتمعية، وتنطلق من منطلق ديني وعقائدي يحكم حركتها ويضبط سلوكها، تعتمد في غالبيتها على التنظيم الممنهج أو العمل المؤسسي (كالأزهر) أو التنظيم القوي المترابط المحكم الأداء باللوائح والقوانين (كالإخوان)، وبعضها ينطلق من الرابط القيمي المجتمعي ويجعل التوافق الفكري (تشددًا أو ترخصًا) هو الإطار الجامع لها في حركتها بدون تنظيم منضبط بلوائح كالصوفية والسلفية.

 

وهناك مؤسسات تعمل بنظم إدارية بحتة تحكمها القوانين الإدارية المنظمة لعمل الدولة كلُّ حسب موقعه (كالبرلمان ومجلس الشورى والحكومة والشرطة والجيش والمجلس العسكري وما شابهه من مجالس ومجلس الوزراء).

 

هذا التنوع يثري الحياة السياسية والاجتماعية إذا وضع في إطاره الصحيح، إطار التكامل والتعاضد لا التنازع والتعارض، ومنشأ ذلك هو معرفة طبيعة كل فصيل، وكذلك حسن التصور للآخر، وكما يقولون (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)، بمعنى أنه لا يمكن تقييم جماعة الإخوان ثوريًّا؛ لأنها جماعة غير ثورية، ولها منهج إصلاحي دعوي تربوي، وبالتالي كل ما يصدر عنها من مواقف وبيانات تخضع لهذا المنهج وأدبياته وأبجدياته، ومن هنا كان على الثوار أن يطلبوا من الإخوان ما يحقق مطالب الثورة وما لا يستطيعه الثوار، وفي نفس الوقت يتناسب مع طبيعة تكوينها، فيستفيدون من قوة تنظيمها وانتشارها وثقلها المجتمعي ورسوخ كوادرها، وتنوع تخصصهم، وثقة الشارع فيهم واطمئنانهم إليهم، كما يجب أن يتفهم الإخوان الطبيعة الثورية للحركات الثورية وقدرتهم على تحمل الصعاب وجرأتهم للوقوف في وجه الطغاة، وبالتالي يستخدمونهم كوسيلة ضغط قوية لتحقيق المطالب.

 

في المقابل نجد الأحزاب السياسية ومن طبيعتها التفاوض والتنافس للوصول إلى السلطة وعمل التوازنات السياسية، وبالتالي لا يطلب منها العمل الثوري ولا يطلب منها الالتزام الدعوي ولا المنهج القيمي المجتمعي، وهذا ليس تقليلاً ولا انتقاصًا من قيم المجتمع التي يجب أن تسود، لكن أتحدث هنا عن الالتزام المنهجي.

 

ومن ثم يجب أن ندرك الطبيعة الثورية للثوار ودورهم في التغيير، فلا يتهموا بالبلطجة أو أنهم خارجون عن القانون.

 

هذه المفاهيم يجب أن تتضح في أذهان كل شركاء الوطن ويلزموا أنفسهم بها قبل أن يطلبوها من الغير، فإذا صحت الرؤية صح التصور والعمل، وعندها يمكن أن نعود إلى المربع صفر.