لم أكن أحسب أني سألتقيه للمرة الأخيرة يوم الجمعة الماضي 3 فبراير 2012م، ولم يدر في خلدي أنه سيفارقني هكذا سريعًا، كان متعبًا، وأخبرني أنه سيجري عملية في القلب، وتبادلنا الدعوات إلا أن القدر كان أقرب، وصعدت روحه إلى السماء فجر هذا اليوم الثلاثاء 7 فبراير 2012م.

 

إنه المجاهد المهندس محسن القويعي، أحد مؤسسي دعوة الإخوان في البحيرة في سبعينيات القرن الماضي، والسياسي الحكيم الواعي، والمربي الذي تلتف حوله القلوب، والاجتماعي الذي تتهافت إليه الوفود، وعمدة الإخوان الذي تحوَّل بيته في شارع طور سيناء بمدينة دمنهور إلى منتدى لكل الناس، وهو بالنسبة لي "الأب الروحي" كما أحب أنا أسميه، فكنت أقرب شباب جيلي إليه، ولله الحمد، وتعلمتُ وفقهت على يديه الكثير والكثير رحمه الله.

 

تحدثت معه في المرة الأخيرة عن الوطن والجماعة والمستقبل، فوجدته كما هو، مفعمًا بروح الأمل والإخلاص والبشر، يتحدث عن رؤيته لمستقبل أفضل لمصر وللإخوان المسلمين ولكل الوطنيين الشرفاء المخلصين لهذا الوطن المفدى؛ ذلك المستقبل الذي طالما علمنا أنه لا يأتي إلا للمجتهد المثابر الواعي بما يدور حوله الذي يعلي كلمة الحق على ما سواها.

 

كان منارة لنشر الفكر الإسلامي الوسطي، الذي دعا إليه الإمام المجدد الشهيد حسن البنا، وكانت منتدياته لشباب الإخوان وجلساته معهم، بوصلة مسير، وخارطة طريق، وكان لا يمل ولا يكل في توجيه النصح للجميع بالتميز والتخصص كل في مجاله من أجل النهوض من هذه الكبوة.

 

عملنا الثورة وتحدي النظام البائد قبل أن يدعو لها في 25 يناير 2011م، وكان يأتي لنا أيام المرحلة الجامعية في لقاءات خاصة، يشد من أزرنا، ويدعم صمودنا في مواجهة جبروت الحرس الجامعي وأمن الدولة وقتها، ويعلمنا أن الطريق صعب، وأن النصر حليف المصلحين ولو بعد حين، وشاء الله عز وجل أن يريه قبل موته نصرًا مبينًا على النظام الذي طالما تحداه في ميادين محافظة البحيرة بالكلمة والنضال السياسي.

 

كان من الحريصين على كلمة الحق، والقابضين على جمر نارها، رغم المغريات التي قدمت إليه، والنصائح التي جاءت إليه من هنا ومن هناك، إلا أنه كان قدوة حسنة، يتجسَّدها الشباب الإخوان وشيوخهم في نضالهم ضد الباطل والفساد.

 

تولَّى رئاسة المجلس المحلي لمدينة دمنهور في التسعينيات عندما اكتسح الإخوان الانتخابات المحلية، ولكنه لم يبق كثيرًا في هذه المسئولية؛ لأن النظام البائد يكره الديمقراطية والشرفاء، وابتلي كثيرًا، في عمله، وزج به غدرًا في محكمة عسكرية مع إخوانه، فدخل السجن وخرج شامخًا ممسكًا بلواء الحق والحرية والمبادئ.

 

لقد فقدت دعوتنا الأبية رجلاً مخلصًا من رجالاتها العظماء، وهو مصاب صعب وجلل، لا يعوضه شيء إلا بمواصلة شباب الإخوان وشيوخهم الطريق المستقيم الذي خطه النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، غير عابئين بالحملات الحاقدة مسترشدين بمنهاج النبوة وسيرة الخلفاء والتابعين الأوفياء وحياة أمثال المهندس المجاهد محسن القويعي رحمه الله حتى نلقي الله عز وجل وهو عنا راضٍ.

 

أما العبد لله، فمصابه أصعب، بعد فقد "المعلم" و"العمدة" ولا يعرف عندما تخط قدماه مدينة دمنهور مرة أخرى، ماذا يفعل وماذا يقول وكيف يتلقى العزاء، ولكن يكفيه أن يرضى بقدر الله وقضائه وأن يسير قابضًا على جمر الطريق المستقيم كما تعلمه على يد المجاهد الراحل حيث يلقاه يوم القيامة في جنات الخلد والفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء بإذن الله وعونه ولا يقول إلا ما يرضي الله: (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)، وإنا لفقدك أيها المجاهد لمحزونون.