نداء إلى القلوب التي قست، والنفوس التي طغت، والعقول التي في بحار المعصية غرقت، صيحة إلى كل قلب ما زال يرتع في بيداء الذنوب، ويقبع خلف جدران الإثم، أما آن لك أن تتوب، أما آن لك أن تعود إلى ربك،، أما آن لك أن تدق أبوابه، وأن تعتصم على عتبات بابه، ألك رحيم غيره؟!، أم لك رب سواه؟، ألا تذكر حين ضاقت بك الدنيا ففرَّج عنك؟، ألا تذكر حين انقطعت بك السبل فأدركتك رحمته؟، فلم الهجران إذن؟ ولم الشرود عن جنابه؟.

 

أصرخ بتلك الصيحة وأمام عيني مشهد عشته كما يعيشه كثير منا، هذا اليوم كلما اختطفتني الدنيا قوَّمتُ قلبي به، وطرقت باب قلبه بيده، فانتبه من غفلة الراقدين أحاول أن ألحق بركب الصالحين.

 

جلست إلى صديقي ذات مرة فوجدته شارد الذهن، أحضرته من غيابه وقلت: مالك؟ فيم تفكر؟، قال: لا أدرى غير أني شردت بذهني في يوم موتي؛ فقلت: يا رب أسألك برحمتك ألا يشغلنى شيء عن لا إله إلا الله عند الموت، ثم رأيت على قسمات وجهه السكينة ثم قال: ياه يا حسين هل ممكن أقول لا إله إلا الله وأنا أموت ولا أنشغل بعملي وزوجتي وأولادي، قلت: الله رحيم، ومن عاش على شيء مات عليه، وكفاك كلامًا في الموت فإنني هربت إليك من مشاكلي لأبتسم، فجلسنا نتذكر أيامًا مضت من عمرنا ونضحك، ومرت بنا الأيام ما جاوزت إلا شهرًا ودخل صاحبي في مرضٍ شديد كنت، أذهب معه عند الأطباء وأنظر إليه وهو يُطبب ودموعي تسيل، لم أكن أتوقع له إلا الشفاء لكن الرحمة بمن حولنا تستدعي منا الحنان عليهم والدعاء لهم.

 

كان عند الطبيب ينظر إليّ ويقول لي: "أنا أشعر بتعب شديد"، وأنا أحاول أن أصرف حزنه ببعض البشريات والبسمات، فيقول: دعك من ذلك نفسي أسمع صوتك في القرآن، وما أن أستجيب لطلبه وأبدأ في التلاوة إلا وأرى الدموع تنهال على وجنتيه، ويقول لي راح الألم أكمل لا تتوقف، مرت بنا الأيام وانشغلت عنه أيامًا في سفر وكنت أتصل به أطمئن عليه فيقول: "حرام عليك نفسي أسمعك"، وعدته أن أنزل إليه خلال أيام وكنت صادقًا والله يعلم، وليلة اليوم الأخير الذي سأنزل فيه اتصل بي أحد إخواني وبشرني بأن صاحبي قد عاد إلى البيت، ففرحت بذلك جدًّا، وقلت له أخبره أنني سأرجع غدًّا من سفري.

 

ومرت الساعات وقبل الفجر جاءني اتصال مفاجئ ليقول: تعال إلينا في المستشفى فإنه قد اشتدَّ ألمه ويريدك، أخذت أبحث عن وسيلة انتقال ما وجدت، أذَّن الفجر، صليتُ ونزلتُ إلى الشارع وما أن خرجت حتى قال لى زميل كان يبيت معي ليلتي تلك: حسين ما أخبار قريبك المريض؟، قلت: لا أعرف، فجأةً رن هاتفي، سبحان الله!! هذا طبيب صديق لنا ما اتصلت به أبدًا فلِمَ يتصل هو؟!، قال لي: حسين ارجع إلى القرية مات فلان، صدمتُ.. ما استطعت أن أتمالك أعصابي.

 

أخبرني زميلي بأنه يعرف من قبل أذان الفجر، قلت مَن أخبرك؟ قال: لا أحد غير أنه شعور بعدما قصصت عليَّ من أحاديثه وحبه لدينه وكلمته، نفسي أقول لا إله إلا الله، خرجتُ من بيت صاحبي وأنا في بكاءٍ رهيب وكل ما يحزنني أنه كان يريد أن يستمع القرآن مني قبل موته، وما تم له ذلك، أخذتُ أركض في طريقى خشية ألا أدرك تشييع جنازته، وما أن وصلت حتى رأيته بين يدي من يغسلونه يقلبونه يمنةً ويسرةً ولا قدرةَ له ولا قوة، أدخلوني عليه شخصت عيناي إليه، ودموعي تنهال على وجهي، وشعرت ببرودةٍ شديدةٍ في جسدي، احتضنني أحد الإخوة وأخذ يُذكرني بالله وأنا صامت لا أتحدث.

 

كل الناس كانوا ينتظرون مجيئي لعلمهم بحبنا لبعضنا البعض، وقفتُ على غسله وتذكرت كل لحظة قضيتها معه، فجأةً تذكرت كلمته هل أستطيع أن أقول "لا إله إلا الله" عند الموت، فجاءني الطبيب الذي اتصل بي فجرًا ومسح دموعي بأنامله وهو يقول: والله لقد كان يقول "لا إله إلا الله"، وأنا ما استطعت أن أعد له كم مرة قالها من كثرة ما قالها، فهوِّن عليك، ثم أخرجوه إلى المسجد ونظرت إلى أمه فقالت لي: "كان نفسه يسمعك قبل ما يموت"، فلا يدفن قبل أن يسمعك، فجلست أمام رأسه أتلو من سورة يس وشيعته إلى قبره وعدت إلى البيت، منتظرًا قضائي فقد قالوا إن رحل رفيق الرجل فقد اقترب رحيله.

 

والآن تمر عليّ الأيام بأفراحها وأتراحها، تتقاذفني الدنيا بأمواجها ويبقى هو لي ذكرى تعود بي إلى الله كلما طغى قلبي، فيا أخي تلك قصتي مع قلبي، أردت أن أذكرك فقط بموقف واحد حين تقلبك أيد المغسلين ولا طاقة لك، لن ينفعك إلا وثبة إلى الله وثبتها، وخطوة إليه مشيتها، وركعة في الليل صليتها، وآية بقلبٍ خاشع سمعتها، فأنارت قلبك، وشرحت صدرك.

 

أخي من عاش مهمومًا بالإيمان مات مؤمنًا، ومن عاش للإسلام مات مسلمًا، ومن ارتضى سبل الشيطان له طريقًا مات عاصيًا، هيا ارجع إلى ربك قبل انقطاع الأمل، واقتراب الأجل، فلا تدري متى ينقطع من الدنيا ذكرك؟ ومتى ينقضي منها عمرك؟.

 

استحضر قلبك من غفلته، وأتعب جسمك في طاعة الله، قبل أن يفقد قوته، واحذر التقصير فلن ينفعك بين يدي ربك قرابةً ولا وسيطًا، ولن ينفعك إلا ما سبق في عمرك من طاعة مولاك، واصرخ معي ونادِ على قلبك وقل، متى يا قلب تستقيم!!!!