تابعتُ بمزيدٍ من الخوف والقلق الأحداث الصادمة، والتطورات المحزنة التي شهدتها مدينة بورسعيد أمس الأربعاء، وانتابني شعور الخوف والقلق على البلاد وأنا أتابع تدحرج كرة نار الفتنة الملتهبة التي تريد جرّ البلاد إلى هاوية الخراب والدرك الأسفل من فتنة عمياء تأكل الأخضر واليابس ولا ينجو من شرها أحد.
ما حدث أكبر مما هو متوقع في مثل هذه الأحداث الدامية التي تُعدُّ الأكثر دمويةً في تاريخ الملاعب المصرية، والحادث صدم مشاعر الجميع، وخاصةً أهالي مدينة النصر والجلاء والصمود بورسعيد الذين هرعوا إلى المشافي ومراكز الإسعاف، متبرعين بدمائهم إنقاذًا للجرحى والمصابين.
دفعةٌ جديدةٌ وكوكبةٌ كريمةٌ من الشهداء تُساق إلى رحاب الله تعالى تاركةً الدم الحر ثمنًا لاستكمال حرية الوطن وكرامة الإنسان، هذه الدماء تشتكي بأي ذنبٍ قُتلت؟ وهل يفلت المجرمون بجريمتهم هذه المرة كما سبق لهم؟
لا أظن أبدًا أن المجرمين سيفلتون هذه المرة؛ لسببين أساسيين:
الأول: أن الغضب الشعبي من حالات الانفلات والتسيب الأمني المتعمد بلغ ذروته، ولم تعد تجدي المسكنات مع الشعب نفعًا، لا سيما أنَّ سوابق دامية سبقت أحداث بورسعيد، وأنَّ حجم التقاعس والتسيب والأخطاء الأمنية تجاوز حد الخطأ إلى نطاق التعمد وحيز المؤامرة، لقد شاهدنا تفاصيل الجريمة ورأينا تخاذل قيادات الداخلية وضباطها وجنودها وتركوا ساحة الملعب وتحولوا إلى متفرجين.
السبب الثاني: أنَّ هذه الأحداث تُعد اختبارًا حقيقيًّا للبرلمان الجديد- برلمان الثورة- وأدركُ جيدًا- كما يدرك كل نواب الشعب المصري- أن الشعب المصري يترقب الإجراءات الحاسمة الحازمة التي ستصدر من المجلس المنتخب بإرادة الشعب، يترقب قرارات تحاسب المقصرين وتقتص من المجرمين، وتواسي المكلومين، وتمسح الأسى عن المصابين، وتحفظ لذوي الشهداء والجرحى حقوقهم التي في ذمة الدولة.
وحسنًا ما فعل رئيس البرلمان الجديد دكتور سعد الكتاتني من دعوة المجلس للانعقاد بجلسة طارئة عاجلة حول هذه الأحداث الدامية، وإنا لمنتظرون لما ستسفر عنه جولة البرلمان المصري.
أدرك جيدًا أن أصابع الاتهام قد توجهت على عجلٍ إلى فلول النظام البائد- سواء القابعون في طره قيد السجن أو المحاكمات أو الذين لم يحن الدور عليهم بعد؛ لتقاعس النيابة العامة عن ملاحقتهم بصورةٍ جدية- كما أشير إلى بعض رموز النظام الهالك الذين خاضوا الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وخرجوا منها خاسرين وصدر عليهم حكم الشعب المصري بالعزل دون انتظار لصدور مرسوم بقانون من المجلس العسكري أو حتى حكم قضائي باتٌّ ونافذ، وغير بعيد منهم أعداء مصر المتربصين بثورة شعبها، الراغبين في وأد الثورة وحرمان الشعب من استكمال الخطوات التاريخية نحو تأسيس الدولة المصرية الحديثة أمل الشعب المصري وحلم الشعب العربي وأمنية كل الأحرار في عالمنا المعاصر.
كنا وما زلنا نؤكد حرمة الدم المصري؛ فالدم المصري مليون خط أحمر، وليس من طبيعة شعبنا المصري العنف الدموي، ولم ننزلق من قبل ولم تجر البلاد إلى حرب أهلية أو معارك طائفية، كما حدث في بلدان مجاورة طحنتها الحرب الأهلية والطائفية والسياسية وبقيت مصر سالمة من تلك الكارثة الحارقة، وبقي شعبها مضرب المثل في التسامح والتعايش السلمي الآمن، أما ما حدث بالأمس فهو تطور غريب على الطبيعة المصرية وعنف مستورد لم نعهده كشعب، سواء مسلمين أو مسيحيين، وأنا أطلق نداء تحذير وانتباه لمحاصرة هذا الوافد اللعين، وأخشى أن يكون مقدمة لمنزلق خطير يجرف البلاد والعباد إلى ما لا يُحمد عُقباه.
قطرة الدم المصري أغلى ما تملكه مصر، ولا يمكن التفريط فيه أو التسامح مع من سولت نفسه أن يسفكها، سواء كان دم مواطن مصري في أي مكان أو كان دم جندي مصري في أي موقع، وسواء أكان الجاني أجنبيًّا أو من بني مصر، فالدماء التي سالت منذ ساعات دماء مصرية غالية كنا ندخرها لحماية الوطن ولنهضة مصرنا التي تسكن قلوبنا، لا أحد في مصر يقبل ما حدث.
كنا وما زلنا نؤكد أن مصر مستهدفة وعليها تدور الدوائر وتحاك المؤامرات.. ما نكاد نطوي صفحة ونمضي خطوةً للأمام على طريق بناء مصر الحديثة، ونخرج من النفق المظلم الذي عاشت مصر فيه حينًا من الدهر حتى تُفاجئنا جولة جديدة من تطورات الأحداث التي تربك المواقف لدى الجميع وتوقعهم في حيرة من أمرهم، وكأني بصوت الرئيس المخلوع وهو يهدد الشعب المصري بالفوضى وعدم الاستقرار والشعار الذي أطلقه: "أنا أو الفوضى"، كلما اقتربنا من استحقاقات بناء المؤسسات الدستورية حدثت موجات من الانفلات والخروج المتعمد عن القانون والعرف والمألوف والمفترض، لم يبق إلا أيام قليلة وتستكمل مصر استحقاقات السلطة التشريعية وتتشكل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وتشرع البلاد في إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية، وكأنَّ هذه الأحداث تستهدف الفوضى في البلاد وصرف الشعب عن استكمال تحقيق أهداف ثورته، وإعاقة مشروع نهضة مصر.
نحن- باعتبارنا شعبًا مصريًّا- قادرون على حل جميع مشاكلنا وقضايانا التي ورثناها من النظام البائد الفاسد المستبد.
أحداث الأمس لها خلفيات ومقدمات قديمة معلومة سلفًا، وكان نظام مبارك يستخدمها بين الحين والآخر من أجل بسط الهيمنة والسيطرة الأمنية على مصر البلاد والشعب والمؤسسات، وتقديري للموقف الراهن أن البلاد في حاجة ماسة إلى فرصة التقاط الأنفاس وترتيب البيت وإعداد البلاد وتأسيس نظام جديد كفيل بحل مثل هذه القضايا المهمة التي تهم ملايين المصريين، بل نأمل أن النظام الجديد- نظام مصر الثورة- لا يسمح بنشوء مثل هذه القضايا في المستقبل.
دولة القانون والمؤسسات هي الحل، وهي الخروج من هذه الأزمات والواقية من نيران الفتن.. نعم يزداد يقيني يومًا بعد يوم أن حل المعضلات والخروج الآمن من الأوضاع الراهنة يتمثل في مضي الشعب المصري على طريق بناء دولته وتأسيس حياة جديدة بمؤسسات شعبية نيابية منتخبة وحكومة وطنية تُعبِّر عن إرادته وتنهض بأعباء خدمته، ودستور عصري يليق بمصر التاريخ والحاضر والمستقبل، ويلبي طموحات الشعب المصري وتضحيات أبنائه الكرام.
إن إرساء دولة القانون وخضوع الكافة له يعصم البلاد من الوقوع في براثن أطماع الأعداء المتربصين بنا وبثورتنا، وأرى أن الشروع في إجراء التحقيقات الفورية النزيهة الشاملة في الأحداث التي جرت وإظهارها، وبيان ما انتهت إليه من حقائق وتبصير الشعب بها ومحاسبة كل من تسبب فيها وأخطأ مهما كان موقعه أو منصبه، فليست مصر لعبةً في أيدي العابثين، وهنا يبرز الدور التاريخي لمجلس الشعب الذي نشأ من رحم الشعب، ولا أعتقد أن الشعب المصري سيقبل أنصاف الحقائق أو أرباع الحقوق، بل الحقيقة كاملةً والحق كاملاً، الشعب يريد قرارات حاسمة من مجلسه، وهنا فقط سيكتسب البرلمان مزيدًا من ثقة الشعب وكثيرًا من الاعتزاز على قدر الإنجاز.
أضم صوتي لكل المخلصين من أبناء الوطن نطالب بسرعة التحقيقات ومحاسبة الجناة، وبيان الحقائق وكشف المستور؛ ليس فقط في أحداث بور سعيد بل في كل ما سبقها؛ في ماسبيرو وشارع محمد محمود ومجلس الوزراء.
الرد الحقيقي الفعال على هذه الأحداث يتمثل في أمور ثلاثة، الأول: تأكيد الجميع إعلاء دولة القانون وتحقيق العدالة الناجزة في هذا الشأن دون إبطاء أو تسويف أو تأجيل، غير مقبول ترك النار تشتعل في النفوس والشحن متزايد، في ظلِّ ضعف صوت الحكمة ومكابح الرشد ومرجعيات العقل.
الأمر الثاني: تأكيد الجميع أن مصر ستكمل مسيرتها نحو تأسيس دولتها الحديثة، وأنَّ بقية مراحل الاستحقاقات النيابية ستتم في مواعيدها، ولا تغيير فيها، وإصرار الشعب على استكمال هذه المرحلة الأهم في تاريخ مصر حتى تتكون سلطة مدنية منتخبة من الشعب انتخابًا حرًّا نزيهًا تتسلم أمور البلاد من المجلس العسكري.
الأمر الثالث: كشف كل الخطط التآمرية وكل المتآمرين، وسرعة إنجاز التحقيقات، وتقديم الجناة الحقيقيين، وترك فكرة اللهو الخفي والطرف الثالث المجهول دائمًا، وهذا واجب مشترك بين جهات التحقيق القضائية ولجان تقصي الحقائق البرلمانية السياسية حتى يطمئن الشعب ويهدأ.
أرجو أن تكون هذه الأحداث المحزنة خاتمة لمرحلة التردد والضباب التي أحاطت بمصر كلها، وأتمنى أن تُطوى تلك الصفحة، وأن يشرق الشعب المصري من جديد، ويُطل على العالم متماسكًا كما هو حاله في وقت الشدة والأزمات، متمسكًا بوحدته الوطنية وجبهته الداخلية، نابذًا من بين صفوفه نوازع الفتنة ومحدثيها.
وقى الله مصرنا شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
عظيم الرحمة للشهداء، والعزاء من القلب لذويهم وأهليهم، وكلنا أهليهم، والشفاء العاجل لكل جرحانا، والقصاص من المجرمين بالتحريض أو التآمر أو التنفيذ أو التقاعس عن أداء الواجبات الوطنية.
--------------
* المحامي بالنقض والدستورية العليا والنائب السابق.