شاهدت قديمًا "فيلمًا" أمريكيًّا من أفلام "الأكشن" وكان البطل عميلاً للمخابرات الأمريكية، وقد أوكل إليه رئيسه مهمة كشف عصابة خطيرة تهرب مخدرات وأسلحة للبلاد بغية إثارة القلاقل وعمل اضطرابات، وبعد صراع طويل مع أفراد العصابة ومطاردات حبست أنفاسنا يكتشف البطل في نهاية الفيلم أن أفراد العصابة هؤلاء مجموعة من المساكين قد تم إرهابهم وخطف ذويهم ووضعهم في معتقلات سرية، وقد ضغطوا عليهم للتهريب حتى يطلقوا سراح أقاربهم، ويكتشف البطل أيضًا أن رئيس العصابة والرجل الخفي هو نفسه رئيسه في جهاز المخابرات السرية، وهو الذي كان يتسبب في إفشال المهمة كلما أوشكت على النجاح، وهكذا يجد البطل في نهاية الفيلم أن الصورة كانت مقلوبة تمامًا، وأن أعداءه هم أصدقاؤه والعكس بالعكس.
واليوم لو بحث ضابط مبتدئ عن هذا اللهو الخفي والذي يتسبب في كل ما تعانيه مصر من اضطراب وتشرذم وانقسام فسيضع إصبعه مباشرة على المجرم، والذي هو عبارة عن سلسلة متصلة ومترابطة يجمعها مصلحة واحدة ويحدد توجهها مصير مشترك، هذه السلسلة هي خماسية النكد والخراب: الموساد- الفلول- سجناء بورتو طره- أمن الدولة المنهار- بعض ضباط المجلس العسكري.
أما هؤلاء المرتزقة من البلطجية والمخمورين وأدعياء الثورة فما هم إلا أدوات في أيدي الخماسي السابق
"الموساد" والذي شكل شبكة علاقات تمتد من جهاز أمن الدولة ورجال الأعمال أصحاب المصالح في العهد البائد ورموز إعلامية مغرضة، وقد ذكر نائب رئيس الموساد جانبًا من المؤامرة في كلمته في حفل خروجه على المعاش عندما قال.. "لقد وضعنا في مصر ما يكفل تدميرها لخمسين سنة قادمة.
"الفلول" من النظام السابق من رجال أعمال وتجارة أثروا في العهد البائد، فمثلاً موقعة الجمل الأولى عام 2011م انظر من موَّلها ودفع بالغوغاء والسذج لهذه المواجهة الدامية، وموقعة بورسعيد عندما تكتشف لجنة تقصي الحقائق- والتي شكلها مجلس الشعب الطيب والذي لم ير من الجبل إلا قمته فقط- أن أربعة رجال من فلول النظام السابق مثل الحسيني أبو قمر عضو مجلس الشعب عن الحزب الوطني ببورسعيد، وجمال عمر صاحب محلات العروسة وقريب سوزان مبارك وغيرهما قد استأجروا "أتوبيسات" حملت بلطجية وقتلة من الدقهلية ودمياط وأدخلتهم إستاد بورسعيد، ووزعتهم بين جمهور المصري، وعلى الجانب الآخر يأتي طارق بك (وهو اسمه الحركي) لضابط المهمات القذرة بجهاز مباحث أمن الدولة ليدفع ببعض بلطجيته وسط جماهير الأهلي ويرفعوا راية مسيئة عن شعب بورسعيد.. فهل منطقي أن جمهورًا زائرًا وأقلية ترفع مثل هذه الراية الاستفزازية في وسط جمهور هادر غاضب متحفز؟؟ وهل من المنطق أن يندفع جمهور فرح وفائز على خصمه اللدود أن يعمل القتل والذبح بمثل هذه الهمجية الحقود والغيظ المتلمظ؟؟
لو تمكن المحققون من القبض على الشابين اللذين رفعا الراية وسألوا عمن كتب العبارات المستفزة سيصلون لطارق بك.. ولكن كيف عرفت أنا طارق بك؟ لو عدنا للمظاهرات والتي قام بها أمناء الشرطة حول الداخلية من عدة أشهر واستمعنا للأمين الذي كان يعمل مع طارق بك، وكيف كان يوكل إليه المهمات القذرة من حرق السيارات واختطاف المعارضين والضرب والتعذيب، ولو سأل عاقل نفسه اليوم أين اختفى جهاز مباحث أمن الدولة، والذي كان يعمل على مدار اليوم ويمسك بمفاصل الدولة سيقول ساذج لقد تحول لجهاز الأمن الوطني، والسؤال الذي لن يجيب عليه أحد ما هي وظيفة جهاز الأمن الوطني اليوم بالضبط؟ وكيف يقضي ضباطه أوقاتهم؟ وما هي المهمات الموكلة لهم؟ لو أجابنا أحد بصدق فسنعرف السر فيما يحدث في برِّ مصر اليوم.
الكثير من المعلومات متوافرة لدى التحريات العسكرية والمخابرات والتي تعرف دبة النملة، ولكن المشكلة أن بعض ضباط المجلس العسكري الحاكم متورط بشكل أو بآخر في جرائم أو بامتيازات مالية وبمركز وسلطة، ومن الخطر بمكان سحب هذه الامتيازات وتجريدهم منها.
هذه الخماسية النكدة من الموساد والفلول وسجناء المزرعة وأمن الدولة وبعض العسكر هم اللهو الخفي، والذي يجثم على صدر مصر، والحل.. ما هو الحل؟؟ مجلس الشعب المنتخب هو النقطة الشرعية الوحيدة الآن بعد الثورة، ويجب أن ندعمها ونؤازرها، بل وننفث الخبث عنها من بعض أعضائها المغرضين، والذين يتمنون هدمها من الداخل بعد أن أفرزت الانتخابات الحرة تشكيلاً ليس على هواهم هم ومن يؤازرهم.
لا بد من تدعيم مؤسسات الدولة بإنهاء انتخابات مجلس الشورى وبعده مباشرة الإعداد لانتخاب رئيس جمهورية بإرادة شعبية حقيقية، وبعد ذلك لا بد من عودة العسكر لثكناتهم والعمل على كتابة دستور توافقي ومتماسك يصلح لنا ولمن يأتي بعدنا، وأرى أن نتحمل بصبر وأناة لكل ما يستجد من جرائم وفتن واضطرابات، ونحن نخوض غمار بناء الدولة، وألا تشدنا الرغبة في حساب المخطئين والقبض على المفسدين والتنكيل بالخارجين والمتآمرين عن هذه الغاية الكبرى، وهي بناء مؤسسات الدولة، وتسكين أفرادها في أماكنهم المناسبة.
أما تشكيل حكومة وطنية ثورية وإعادة هيكلة أجهزة الأمن والاستخبارات وترتيب البيت الإعلامي والبدء في وضع الحلول الاقتصادية الناجعة، فلن يتأتى قبل استلام زمام الدولة، والهيمنة على مقدراتها؛ لأنهم قديمًا قالوا في الأمثال (لا رأي لمن لا طاعة له).