أليس فاجعًا أن نعيش كأننا نموت، حياة بطعم الموت، لنا عيون ولكنها لا تبصر، وإن أبصرت فإلى خلف، ولنا قلوب بيد أنها أقسى من قلوب الضباع؛ ناهيك عن أنها مستعارة، وعقول لا تنتمي إلى صنع محلي بل كقطع الغيار المستوردة، ولنا شخصية سوى أنها بارعة في الهزال ضالعة في المسخ هزيلة عجفاء لا تهتز لها أرض، أو ترتعش لأجنحتها سماء!.
وفي هذا الخضم الهائل المائج لا ننضوي إلا على إعلام ممسوخ، ومقدمي برامج كعرائس الحلوى، كل ما لديهم لسان طويل، وذراع قصير، براعة في النقد لا تبارى، وهمة في الهدم لا في البناء، شغلهم الشاغل تتبع العثرات، واصطياد الهفوات، والجري وراء الشائعات، أصبحنا بين عشية وضحاها ضحايا لإعلامنا الذي تفتقت أذهان القائمين عليه عن تحليل المواقف حتى محللي الكرة اكتظت بهم القنوات.
أصبحنا جميعًا نحلل كل شيء في الكرة، ونؤجج النار بالكرة، وتسيل الدماء بفعل الكرة، ثم ننتقل الهُوينى إلى السياسة، لكننا نسينا الاقتصاد الذي هو على شفا جرف هار، والبطالة القنبلة الموقوتة التي تختفي وراءها كل جريمة، والأمراض التي تركت أثرها في كل بيت، تتبعنا العورات والمواقف دون أن نشد على يد المجتهد ونأخذ بيد المخطئ، ونلتمس للعاملين الأعذار، ونحسن الظن بهم، نهمس في صمت الوجود فلا نفيق إلا على سراب، نصغي فإذا الأرض تبوح لنا بأنينها، ولمس أشواكها الذي يجري في دمائنا، كلما تنفسنا هواء الاستقرار النقي تفجعنا مناظر الدماء، كلما كونَّا رأيًا واسترحنا له تُحيرنا المواقف ويطيش بعقولنا ما نراه وما نسمعه.
لا يمكن لذي قلب أن يقبل ما رأى من تناثر الدماء وسقوط القتلى على ثرى مصر بين حفنة تنتمي إلى مصر اسمًا، باعوا ضمائرهم، وباعوا أنفسهم، واستباحوا دماء المصريين دون رحمة أو شفقة لتنفيذ مؤامرة خبيثة لإسقاط مصر، يحاولون إشعال فتيل النار، ونشر الفوضى على جثث الأبرياء، وعلى آلام الآباء الذين فقدوا أبناءهم، وظني أن الأمر أكبر من أن يكون حماسة في تشجيع الكرة، ظني أن المؤامرة استغلت- عن قصد وعمد- عشق الجمهور البورسعيدي للكرة لتكون المعركة على أرضه، وليحملها البورسعيديون وليمزقوا صف المصريين.
لقد تألمنا مع من تألموا، وصرخنا مع من صرخوا، ونادينا مع نادوا ببتر كل يد امتدت إلى استقرار مصر، القصاص من كلِّ من قتل بدم بارد ليكون عبرة لمن تسول له نفسه أن يعبث بأمن هذا الوطن الذي يدفع ضريبته الشعب بأسره من راحته ومن أبنائه، واهمين أن يسقطوا الدولة، مسلسل الجرائم المتتابع والمتشابه يؤكد نظرية المؤامرة، ولا يمكن أن يعفي من المسئولية القائمين على إدارة شئون البلاد، لقد نادينا كثيرًا أن أريحونا واكشفوا المستور أو أريحوا أنفسكم وعودوا من حيث أتيتم.
لا يمكن لنا أن نتحمل ما نراه كل يوم وألسنة اللهب تستعر لتحرق الأخضر واليابس، ودماء المصريين تسيل في غير ما رحمة أو شفقة، لا يمكن لنا أن نقف مكتوفي الأيدي حتى نفقد ولاءنا وانتماءاتنا، أرونا إخلاصًا في المواقف، وشفافية في المحاكمات، أشعروا الشعب أنكم أنجزتم بحق.
لم نسمع عن قاتل اقتصت منه يد العدالة، ولم نسمع عن سارق بُترت يده التي سرق بها الوطن عبر سنوات طويلة، كل ما نسمعه عن مؤامرات أغلب الظن أنها دائمًا ضد مجهول، أجيبوا على سؤال واحد: لماذا انتظرتم حتى تناثرت الدماء والأشلاء؟.
من يدفع الثمن؟ كم تساوي دموع أم فقدت وحيدها، ودموع أب فقد سنده في الحياة، ودموع ابن فقد أباه؟ هل تكفي التعويضات؟ هل يعوض المال زوجة فقدت أنيسها وسندها، وأمًّا فقدت فلذة كبدها، وأبناءً فقدوا حنان آبائهم؟.
إن كنوز الدنيا لا تساوي دمعة يتيم، واستكانة أرملة، وصراخ رضيع يخرج إلى النور فلا يتفوه بكلمة أبي، ارحموا الوطن، وكونوا صرحاء حتى ترسو السفينة على شاطئ آمن، حفظ الله الوطن من كلِّ سوء ومكروه.