كان الشعب المصري في أغلبه قبل يناير 2011 ينظر إلى فئة الشباب في مجملها باعتبارهم أسوأ من أنجبت مصر من أجيال، ولم تكن هذه النظرة عنصرية أو مفتعلة على الإطلاق ولكنها كانت بكل تأكيد نظرة موضوعية تنبع من واقع هذا الجيل الذي شاعت فيهم وبينهم كل قيم وظواهر ومظاهر الانحطاط الأخلاقي والسلوكي بدءًا من عقوق الآباء والتمرد على قيم المجتمع وعاداته واحتقار كل مفردات الهوية، وعلى رأسها لغتنا العربية والتحول إلى مسوخ منسوخة من فضلات ونفايات الحضارة الغربية والانغماس في مستنقعات السكر والعربدة والمخدرات والعلاقات الآثمة التي كان أطهرها هو شيوع خطيئة الزواج العرفي وغيره من صور الزواج المبتدعة بين الطلبة الجامعيين بل ومن هم دونهم سنـًّا!!.

 

وقد كان النظام البائد وعلى رأسه أسرة الملك الجمهوري مبارك وذويه وحاشيته هم أسعد بني آدم بحال شبابنا، بل إن هذا النظام كان يعمد إلى ترسيخ هذا النمط غير المنضبط لكي يشيع بين مختلف فئات الشعب العمرية وطبقاته الاجتماعية لصرفها عن الاهتمام بالقضايا الوطنية الحقيقية، فرأيناه يغض الطرف عما أصاب منظومة القيم الأخلاقية من عطب وخلل بل ويجتهد في توسيع مساحات الحريات الماجنة وتهيئتها كتربة حصرية لنبت اجتماعي يجل التوافه ويستحل المحرمات ويهين الجلال ويستهين بالحلال!!

 

ثم كانت مشيئة الله في يناير 2011 التي منحت الشعب المصري بأكمله فرصة عظيمة لتطهير ظاهر الحياة المصرية وباطنها، وهي يقينـًا إن كانت فرصة عظيمة للشعب المصري في مجمله فقد كانت الفرصة الأعظم لشباب هذا الشعب الذي بات يفقد يوميًّا جزءًا من مكتسباته التي وهبه الله إياها بموجب منحة يناير 2011 والتي إن فقدها لعادت صورته إلى ما قبل هذه المنحة، لذا فإنني أتوجه إلى أولي الألباب من شبابنا بما يلي:-

 

1- عدم الانسياق لأهواء النفوس التي استحل بها بعض الشباب تزييف حقيقة الثورة الشعبية التي ولدت في الثامن والعشرين من يناير إثر سلسلة من التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات التي كان آخرها تظاهرة 25 يناير..

 

2- عدم اختزال الثورة الشعبية بامتياز في فئة أو مكان، فالثورة ثورة شعب وليست ثورة شباب، كما أنها ليست ثورة ميدان التحرير ولكنها ثورة مصر من أقصاها إلى أقصاها..

 

3- أن شرعية الثورة ليست أصلاً لما سواها من شرعيات كما يدعي البعض، فالشرعية الأساس هي شرعية الشعب، إذ لولا الشعب ما كانت الثورة وشرعيتها ولولاه ما كانت الانتخابات البرلمانية وشرعيتها..

 

4- أن الثورة الشعبية بكل موضوعية وحياد لم تكن لتنجح وتحقق هدفها الأكبر بتنحي مبارك عن الحكم لولا موقف الجيش وعلى رأسه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إذ أن استبعاد هذا الموقف من المعادلة إنما يعني شيئًا واحدًا ألا وهو أن مبارك كان أعظم حكام مصر لتنحيه عن الحكم نزولاً على رغبة الشعب وهو تصور مستبعد تاريخًّا وواقعيًّا ومنطقيًّا.

 

5- أن الثورة هي الفوضى بعينها في غيبة القانون المنوط به تحديد الحقوق والواجبات وإقامة العدل، وأن الديمقراطية هي الحيوانية ذاتها في غيبة الفضائل التي تسمو بأقوال وأفعال المحسوبين على البشر..

 

6- أن الغالبية العظمى من أجهزة الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها جهاز الشرطة هي بحاجة ملحة إلى عمليات تطهير حقيقية، ولكن إنجاز هذا المطلب ينبغي أن يتم في إطار خطة ممتدة من الإحلال والتجديد يتحتم معها أن تكون المدخلات أطهر وأكفأ من المخرجات وهو أمر بالغ الصعوبة في غيبة ما يقطع بأن الصغار أطهر وأكفأ من الكبار، كما أن السعي إلى إنجاز هذا المطلب لا يبرر على الإطلاق حالة الهياج التي تنتاب المتظاهرين بمجرد رؤيتهم لقوات الأمن وأفراده؛ بحيث إذا غابوا قلنا تقصير وانفلات أمني وإذا تواجدوا دفعناهم بعدائيتنا إلى الغيبة مرة أخرى.

 

7- أن سلمية التظاهرات والاعتصامات ومشروعيتها تستند إلى مجموعة من المعايير والضوابط القانونية في كل دول العالم، والتي إن غابت لما كانت التظاهرات والاعتصامات سلمية ولا مشروعة، إذ ما هي السلمية والمشروعية في القيام بالتظاهرات وقتما شئنا والتوجه بها أينما شئنا دون احترام أو مراعاة لحقوق المجتمع وممتلكاته الخاصة والعامة وحساسية بعض مؤسساته، ثم ما هي السلمية والمشروعية في رفع الشعارات واللافتات التي تنال من هيبة الدولة ومسئوليها ومؤسساتها، ثم ما هي السلمية والمشروعية في أن نتصادم مع الأجهزة الأمنية والعسكرية المسئولة قانونيًّا عن حماية المجتمع ومؤسساته وما يسفر عنه ذلك من ضحايا ومصابين ينقسم المجتمع حيالهم بين من يراهم شهداء ومصابي ثورة وبين من يراهم منفلتون وجبت مواجهتهم وردعهم.

 

إن كلمتي الأخيرة التي أتوجه بها إلى هواة الاعتصامات والتظاهرات من الشباب والشابات، أن يتقوا الله في مصر وفي أنفسهم، وأن يكفوا عن السحب من رصيدهم في منحة يناير، فالشعب المصري وفي مقدمته مجالسه النيابية وقواته المسلحة ومجلسها الأعلى ليسوا أعداءً لهم ولكنهم أعداء لأعداء مصر، إنهم جميعًا ليسوا أعداءً للثورة ولكنهم قد يصيروا يومًا أعداءً لبعض الثوار الذين ينبغي عليهم إدراك أنهم بصدد فرصة أخيرة تتطلب منهم ومنا جميعًا الإيمان بحتمية التطهر قبل المطالبة بحتمية التطهير.. وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها.

---------

* maged.daif@hotmail.com