الحوار هو أساس التفاعل والتواصل بين الناس، فإذا فُقد الحوار وارتفعت الأصوات وانتصر كل ذي رأي لرأيه غابت الحقيقة واختلطت الأمور، فما أحوجنا في هذه الأيام إلى الحوار البنّاء الذي نصل به إلى الحقيقة لبناء مصر الحديثة دون تشنّج أو تعنّت، ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، فلم يحتكر الحقيقة لنفسه وينفيها عن غيره، وهذا الأمر يحتاج منَّا إلى تغيير سلوكنا، وأن يستمع كل منا للآخر مهما كان الخلاف، يقول الشيخ محمد الغزالي: "إن العواطف الفاترة والأنفاس الباردة لا تحمي حقًّا ولا تصون شرفًا، لا سيما إذا حشا الباطل جنوده بالأوهام، ودفعهم ببأس شديد إلى اقتحام كل زحام".

 

وليسمح لي القارئ الكريم أن أُجمل له بعض الآداب التي يجب أن نتحلى بها أثناء الحوار، ومنها:

1-  التسامح: وهو ما يسمونه الروح الرياضية، فالخلاف في الرأي لا يجب أن يفسد للود قضية، ولقد قيل للإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما: "وجدنا فأرة في مرجل الحمام" وذلك بعد أن اغتسل فقال: "هو طاهر عند أخينا الشافعي؛ لأنه بلغ أكثر من قلتين فلا يحمل الخبث"، وصلى الإمام الشافعي بمسجد الأعظمية في بغداد فلم يقنت لصلاة الفجر، فلما قيل له في ذلك قال: "استحييت من صاحب هذا القبر أن أخالف مذهبه"؛ أي أبا حنيفة رضي الله عنهما.

 

2-  التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات: فالمنافق إذا خاصم فجر والمؤمن يخالف غيره لكن يوقّر الكبير ويرحم الصغير ويعرف للعالم حرمته ويحفظ حقوق الكبار وأصحاب الفضل، ولا يسُب الآخرين ويقلل من شأنهم.

 

3-  الحلم على الخصم ومحبة الخير له: وهو مدعاة للوصول إلى الحقيقة التي هي هدف الجميع فالغضب لا يأتي بخير ولا يحل مشكلاً بل يعقّد الأمور، والإنسان يخالف في الرأي غيره، وليس من مقتضى ذلك أن يخاصمه ويشاجره، بل أن يأخذ بيده برفق إلى درجة يرى بها نور الحق فيسير خلفه ويشتد إليه، فالحكيم من أنقذ غيره بالحلم وفي الحديث: "لا تغضب ولك الجنة".

 

4-  اللين والرفق: قال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)) (النحل)، وقال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: من الآية 159)، وقال عز وجل: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)) (فصلت)، وهكذا فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وشأن العلماء والحكماء إذا اتفقوا أن يكون اتفاقهم حجة قاطعة وإذا اختلفوا أن يكون اختلافهم رحمة واسعة.

 

5- الاحترام المتبادل للأشخاص والأفكار: إن أهم ما يميز الخلاف الرزين أن يكون بين الأفكار لا بين الأشخاص، فالأشخاص المختلفون لهم حرمتهم ومكانتهم، وهم بلا ريب من أهل العلم والفضل، ولا يجوز تجاهلهم لمجرد خلاف شجر بيننا وبينهم أو النيل من كرامتهم، فلا خلاف مطلقًا بين أشخاصنا وأشخاصهم بل بين أفكارنا وأفكارهم.

 

6-  ولقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: "علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق".

 

7-  الرجوع إلى الحق ولو مع الخصم: وهذه من سمات الرجال الأوفياء, وإلا كانت مهاترات وجدلاً فارغًا لا طائل تحته، فبهذا الإخلاص للحقيقة المجردة نعيش للحق وللحق وحده، فقد روي أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه رأى ولده حمادًا يناظر في المسجد فنهاه، فقال له ولده: أما كنت تناظر؟! قال: "بلى, ولكن كُنّا كأن على رءوسنا الطير من أن يخرج الباطل على لسان الخصم، بل كنا نود أن يخرج الحق على لسانه فنتبعه، فإذا كنتم كذلك فنعم".