كلما أتأمل ذكريات عام جرت في نهره أحداث كثيرة بهرت العالم بأسره كانت مقدمتها مدعاة للفخر والاعتزاز، وجهنا خلالها رسائل متعددة لمن نظروا إلينا تارة بالاستخفاف وأخرى بالاستضعاف وكأننا نقول لهم إن الشعب المصري لا ينقصه إلا اجتماع كلمته وتوحيد إرادته وكان ميدان التحرير في  قلب الأحداث وزاد من مكانته دماء زكية أخضبته وجللت سماءه وأرضه، وكنت ترى في وقت واحد النسيج المصري الشعبي، مسلمه ومسيحيه، يؤدي صلاة الغائب على أرواح الشهداء، لكن ما لبثت الأحوال أن تغيرت والخلافات أن دبت والصفوف أن شقت وعلت المصالح الشخصيه والأهواء الذاتية فوق المصالح العامة والاعتبارات الوطنية، ووجدنا أنفسنا أمام سلسلة من الانقسامات والفرقة بين كل الأطياف يزيد من حدتها مقولة يرفعها الجميع ألا وهي: إن الثورة مستمرة، ولكن ما الهدف النبيل من وراء هذه المقولة؟

 

هل الثورة مستمرة لهدم الدولة وتقويض بنيانها ومقدساتها ومؤسساتها وتشويه تاريخها ومسخ حضارتها أم أنها مستمرة للبناء والإنتاج والتربية والإعداد؟

 

الثورة مستمرة.. نعم، لكن لا بد أن نترك فرصة للحكومة القائمة لتحقيق أهداف الثورة، وليس هذا واجبًا على الحكومة فحسب، بل على كل مواطن مصري غيور على وطنه محب له، كلٌّ بقدر استطاعته وفي حدود إمكانياته ومن خلال موقعه.

 

الثورة مستمرة.. نعم، ويبقى المجلس العسكري هذه الأشهر القليلة لإدارة شئون البلاد والسهر على حمايتها وأمنها.

 

الثورة مستمرة.. نعم، لكن لتصحيح مسارنا ومكانتنا بين دول قريبة وأخرى بعيدة تنتظر وقوع مصر في هوة سحيقة لا تفيق منها إلا بعد أعوام وأعوام.

 

الثورة مستمرة.. لكن لإعادة الأمن والأمان للمواطن المصري في الشارع المصري وفي البيئة المصرية.. لتعويض الاقتصاد ما تكبَّده من خسائر.. لإعادة تثقيف وتأهيل الشباب المصري.. لإصلاح التعليم بكل مراحله ومستوياته لاستنهاض الهمم المصرية؛ لتلحق بركاب النماذج التي سبقتتا في طور التقدم المعرفي والتكنولوجي في محيطنا العربي والإسلامي، أما أن نرفع شعار الثورة مستمرة لنشعل أجواء الحياة السياسية المصرية بصراع حول تسليم السلطة بل والاستعجال في تسليمها وعدم الانتظار حتى انتهاء المدة التي وعد بها المجلس العسكري فأرى أنها فتنة خطيرة إن لم نتداركها سوف تأتي على الأخضر واليابس في هذا الوطن الكبير.

 

وما يؤسف له أن عددًا كبيرًا من هذه الجماهير الغفيرة يردد عبارات وشعارات جوفاء قد لا يفهمها بعضهم أو أكثرهم حول تسليم السلطة؛ ترديدًا لكلام يقوله بعض من سلطت عليهم الآلة الإعلامية أضواءها واجتذبتهم إليها وتعاملت مع الحدث بمنطق استثماري نفعي بحت بل مع الوطن كله بهذا المنطق.

 

ويتناقل البعض منهم هذه الشعارات دون فهم واعٍ لها ولمتطلباتها وأخطارها؛ فهم يقولون بضرورة تسليم السلطة لجهة مدنية على وجه السرعة وغاب عن أذهانهم التي إن لم يعالجوها ويكبحوا جماحها لتحدثن فتقًا في المجتمع المصري كله.. إن الإجابة المقترحة هي لمن تسلم السلطة التي تتولى إدارة شئون البلاد؟، وهل سيكون رجاؤها على قدر من الخبرة والكفاءة الوطنية ومن هي الوجوه المرشحة لتمثيل هذه الجهة ثم الأهم والأخطر في ظل هذه المرحلة العصيبة كم يستغرق كل هذا الجدل والتوافق على هذه الجهة التي ستتولَّى إدارة شئون البلاد أم أن هناك مخططًا جاهزًا لهذه المرحلة في أذهانهم؟!

 

وما يضيرنا إن نحن انتظرنا هذه الأشهر القليلة لنتأكد من صدق المجلس العسكري فيما وعد وتعهد بتسليم السلطة بعد اكتمال البنيان التشريعي والدستوري للبلاد؟ لكنني أرى مقولتين تبدوان لي بين الحين والحين مع تجدد هذه المطالبات والشعارات الجوفاء: أولاهما لهيرودوت مؤرخ مصر القديمة؛ ألا وهي أن مصر بلد المتناقضات، وثانيتهما تأكيد نفس المقولة جاء على لسان تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا وبطلها في الحرب العالمية الثانية لما جاء مصر زائرًا أيام الملك فاروق.

 

ويا للعجب!! فهؤلاء الذين ينادون بالتعجيل والإسراع عاشوا أكثر من ثلاثين عامًا مليئة بالظلم والفساد والقمع لا يستطيعون الانتظار هذه الأشهر القليلة؛ فعلى ما يدل هذا؟ إنه يؤكد ويدل على المقولتين السابقتين، بل الأدهى من ذلك أن هناك فئات تستغل حالة الفوضى التي تخلقها الانقسامات والخلافات لإعاقه مصلحة البلاد ويحسبون أن ما يفعلونه هو حق صراح خالص لهم؛ ليس عليه قيود من أي نوع، وأن الاحتجاج والاعتصام في حقهم أصبح كلأً مباحًا يرعاه كل غضبان.

 

حتي بتنا بين الحين والحين نسمع عن احتجاجات تشل حركة الاقتصاد والعمل والتوازن الاجتماعي والأخلاقي؛ لا لشيء إلا أن هؤلاء وجدوا في الخلافات بيئة تساعد على الانتشار والظهور وتكبيل يد السلطة القائمة.

 

وإزاء هذا أرى أنه ليس من الواجب فحسب على نواب البرلمان تأدية اليمين الدستورية لاحترام الدستور والقانون والمحافظة على مصالح البلاد، بل إنه قسم على كل مصري يحب بلاده التي تسكن أعماقه.

 

وأسائل نفسي: هل تتقدم البلاد بالمليونيات والشعارات الجوفاء أم بالعمل الدءوب والمواظبة عليه والأسس المعرفية القادرة على استيعاب الأحداث والتعامل معها والتأثير فيها؟ يقولون إن الثورة لم تحقق أهدافها فتقول لهم لأن هناك بعض القوى التي تعمل لاستشراء الفساد في البلاد والثورة التي بدأت حميدة لن يستفيد منها مصري إلا بالعمل والاستمرار فيه.

 

ثم ما علاقة الثورة بإغلاق كوبري قصر النيل لأداء صلاة العصر فيه؟ ألا توجد مساجد خالية؟ ألا توجد ساحات قائمة؟ ألا توجد أماكن عامة لإحياء ذكرى 28 يناير إلا فوق هذا الكوبري وتعطيل حركة المرور، بل شلها دونما مراعاة لأي اعتبارات إنسانية اجتماعية سياسية؟ ناهيك عن الوطنية ثم يخرج علينا من يردد كلامًا غير مسئول ياتي على لسان شيخ أزهري، وهو هشام عطية وقس كنسي، وهو فوزي خليل، من كنيسة الدوبارة، حول عدم شرعية المجلس العسكري والانفراد بالسلطة.

 

والكلام اللا معقول الذي ردَّده المهندس ممدوح حمزة، صاحب الخلافات المصلحية الشهيرة بينه وبين إبراهيم سليمان، وزير الإسكان الأسبق، ومطالبته بأن تكون مدة الرئيس المؤقت المقبل عامين حتى إعداد الدستور الجديد؛ فأقول له: عن أي دولة تتحدث؟ إنك تتحدث عن دولة هي محط أنظار العالم كله ومنتهى آماله وطموحاته، بل هي من كانت تسميها دول الاحتلال القديم بالجائزة الكبرى لا تتحدث عن شركة عقارية أو نادٍ للهواة؛ فأي سخف فكري هذا الذي نسمعه؟!  وما هي الفورية التي يلصقونها بأحاديثهم فيما يتعلق بتسليم السلطة وسرعة الانتهاء من المحاكمات؟ ومن الذي يملك كل هذا؟ أوليس هو المجلس العسكري والجهاز القضائي المصون الذي نكنُّ له كل تقدير واحترام والذي يتعامل مع القضايا المعروضة عليه من خلال إجراءات لا يمكن التدخل فيها، ثم حكومة قائمة نحسبها تؤدي عملها بإتقان تولاها رجل مصري ذو خبرة وكفاءة ونفاذ رأي ولا ينقصه إلا الوقت الكافي للاستجابة للمطالب المعقولة التي تصب في نهاية المطاف لخدمة الصالح العام.

 

ثم ما هذا الذي تقوله الإعلامية (بثينة كامل) وهجومها على الإسلام لا كتيار وصل بأصوات الناخبين وإرادتهم الحرة في انتخابات نزيهة لم تشهدها الساحة السياسية المصرية من قبل وإنما هجوم على الدين كله ودعواها برفض الشعارات الإسلامية، زاعمة أنها تشق الوطن إلى صفين.

 

وأقول لها: إن الإسلام عانى ولا يزال يعاني من أبنائه قبل أعدائه، بل إنني سأسوق لها شهادات موثقة، تؤكد أن مصر الإسلامية هي الحضن الأكبر لكل الأطياف الموجودة فيها عاملتهم أفضل ما تكون المعاملة ورعتهم أفضل ما تكون الرعاية ولم يقل أحد كما تقولين ومصر الإسلامية لم تعرف مصطلح الأقليات الذي ظهر في السياسة الأوروبية وفي القانون الدولي خلال القرن الـ19 بمناسبة تدخل الدول الكبري في شئون الإمبراطورية العثمانية بحجة حماية ورعاية المسيحيين.

 

ولما شكت امرأة مسيحية عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، أنه أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها بدعوى أن المسجد يضيق بالناس وقد عرض عليها ثمنًا كبيرًا فلم ترض فهدمه وأدخله في المسجد، مع أنه عمل تتيحه القوانين المعاصرة، لكن عمر أمر بهدم البناء من المسجد، وأن تعاد إليها دارها وكانت مصر أيتها الإعلامية إسلامية.

 

بل إن (توماس أرنولد) في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" ذكر أن عبد الملك بن مروان اختار عالمًا مسيحيًّا، وهو إثناسيوس مؤدبًا لأخيه عبد العزيز ورافقه عندما عيّن واليًا علي مصر وكانت مصر أيتها الإعلامية إسلامية.

 

وجاء في دائرة المعارف اليهودية أن الخليفة العباسى المنتصر أمر ببناء معبد عزرا لليهود في الفسطاط قرب القاهرة الحالية، وكانت مصر أيتها الإعلامية إسلامية.

 

وذكر (جورج يونج) في كتابه (مصر في القرن الـ19) أن الكتاتيب التي يديرها محفظو القرآن كانت مفتوحة للأقباط ليتعلموا القراءة والكتابة وكانت مصر أيتها الإعلامية إسلامية.

 

وجاء في صحيفة (الوطن القبطية) أنه كان للأقباط رواق بالأزهر يتلقون فيه العلوم المنطقية والشرعية، وممن درسوا بالأزهر أولاد العسال وهم من كبار مثقفي القبط وميخائيل عيد السيد، صاحب صحيفة "الوطن"، ووهبي تادرس، الشاعر الذي كان يحفظ القرآن وأكثر من الاقتباس منه  وفرنسيس العتر؛ الذي كان يحضر دروس محمد عبده 1902، وكانت مصر أيتها الإعلامية إسلامية.

 

وخلاصة القول إننا نهيب بالعقلاء من ثوار مصر أن يتوصلوا إلى صيغة توافقية فيما بينهم تحافظ على الثورة ووهجها من ناحية وعودة الحياة الطبيعية إلى مصرنا الحبيبة وكفانا تبادلاً للاتهامات ومزايدة على بعضنا بعضًا وإهدارًا لمجهودات بذلت ودماء نزفت حتى تتخلص البلاد من بقايا طغيان وظلم وفساد ظل جاثمًا على صدورها طيلة الأعوام الثلاثين الماضية، وأقول لمن يتعجلون تسليم السلطة:

إن يك صدر هذا اليوم قد ولى            فإن غدًا لناظره قريب
--------------

* باحث بالقانون الدولي وعضو هيئة كبار العلماء بالجمعيات الشرعية.