كانت حياة رسولنا- عليه الصلاة والسلام- ثورة إصلاحية بجميع المقاييس العصرية في كلِّ المجالات؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، ثورةً على الاستبداد والفساد والجهل والتعصب؛ ولذلك كان لا بدَّ لرسولنا من استثمار كل إمكاناته وخصوصياته؛ لإنجاز هذه الرسالة الثورية.

 

لقد اختص المولى سبحانه رسولنا- عليه الصلاة والسلام- بالتكريم وكثيرٍ من المنح والقدرات، مقارنة ببقية الأنبياء الذين يناديهم سبحانه في القرآن بأسمائهم، (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة: من الآية 35)، يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ (هود: من الآية 48)، يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ (طه)، يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ (المائدة: من الآية 113)، ولكنه سبحانه ينادي رسولنا في القرآن بلقبه "يا أيها النبي"، والله سبحانه لم يقسم بأي من الأنبياء إلا برسولنا، (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)) (الحجر)، ولقد بشر عيسى برسولنا (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف: من الآية 6)، ولم يبشر موسى بعيسى عليهما السلام.

 

كما تم تأهيل رسولنا ربانيًّا وروحيًّا وماديًّا، بدايةً بحادثة شقِّ الصدر؛ حيث جاءه جبريل فأخذه وشق صدره، واستخرج من قلبه حظ الشيطان، ثم غسله بماء زمزم، وصولاً للتأسيس القرآني الشامل، كان خلقه القرآن، كل ذلك تكريمًا لقدره ودعمًا لإمكاناته لإصلاح أحوال البشرية في كل المجالات الحياتية.

 

صحيح أن هذه المنح والقدرات الإلهية كانت خاصة برسولنا، لكن الثمرة والفوائد كانت وما زالت عامة لكل البشرية، حتى زواجه بتسع نساء كان بجميع المقاييس ليس لمتعه زوجيه ولا رفاهية شخصيه بل زيجات دعوية؛ لتوسيع محيط رسالة الإسلام؛ ونتيجة ذلك اتفق المؤرخون والباحثون من غير المسلمين على أن رسولنا هو أعظم شخصيه في التاريخ بكلِّ المقاييس.

 

ولذلك فمنتهى المراد في توجيه العباد هو العبرة لكل المصريين، مدنيين وعسكريين، كأفراد وجماعات ومؤسسات وهيئات،أن نقتدي بتفعيل جوهر الرسالة النبوية لإصلاح الأحوال المصرية قبل أن ننشغل بمظهر الاحتفالات الموسمية، استرشادًا بالمدلول الحضاري للآية الكريمة، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، أي أن الواجب شرعًا على كل منَّا استثمار كل المنح الإلهية مثل الإمكانات الشخصية، والمناصب الرسمية، والمجتمعية، والروحية، والمادية، والاجتماعية، والسياسية، والعلمية، وخلافه في اتجاه الآخرة بتفعيل النشاط الخاص والعام المهني والتطوعي؛ لاستهداف التغيير إلى الأفضل.

 

ومن المعلوم أن أي ثوره تستهدف التغيير والإصلاح لا بد أن تقابل دائمًا بالرفض الذي قد يصل إلى الحرب من أصحاب المصالح الذين ستتضرر مصالحهم جراء التغيير، وهو ما حدث من كفار قريش، وعلى رأسهم أبو لهب، خاصة وأن الرسالة النبوية ستؤدي إلى إزالة وإنهاء الطبقية والعنصرية، وستساوى بين الأسياد والعبيد، وبين الفقراء والأغنياء، ولن يكون لأحد فضل إلا بالتقوى والعمل الصالح، بل إن الرسول أعلن الحرب على العنصرية، ورفض التعصب العرقي والقومي، واستعان بسلمان الفارسي وجعله من آل البيت، وقال: "سلمان منا آل البيت".

 

ونحن إذ نحتفل بالمولد النبوي الشريف متواكبًا مع بالذكرى الأولى للثورة المباركة، لا بد أن نسترشد بالرسول؛ حيث كان أول من أرسى ما يسمى حاليًّا بالمواطنة، وبالدولة المدنية الحديثة، ومَنَح الأقليات والمرأة والشباب حقوقًا لم تعرفها أمة من الأمم.

 

ولقد أسس الرسول دولته في المدينة المنورة بعد أن أعلن ما يشبه القرار الجمهوري بالعفو الشامل عن خصومه السياسيين، ورافضي دعوته إلى الإسلام، وقال لمن حاربوه من أهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، كما أنه كان أول من عقد اتفاقية صلح مع اليهود في الحديبية ومع غيرهم من المخالفين، ثم جاء الخلفاء الراشدون من بعده وتمسكوا بهذه المبادئ الحضارية العظيمة التي نستشرف مستقبل ثورتنا على خطاها.

----------------------------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار-hassanelhaiwan@hotmail.com