أبدأ هذا المقال بكلمات عالمنا الجليل المغفور له بإذن الله الشيخ الشعراوي حينما ذكر: (الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد ثم نصح الثائر بقوله اهدأ ولا تسلط سيفك على الكل)، هذا هو الثائر المطلوب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ وطن ثار أبناؤه على الفساد؛ لأنه ما ثار إلا عن حق وفهم لما يريد وليس من قبيل الدخول في هرج ومرج، وإدخال حالة من البلبلة والتخبط، وهو على هذا أي الثائر يحتاج إلى تجاوز مرحلة الثورة سريعًا، ليصل إلى مرحلة إعادة البناء التي يأخذ فيها بيد الآخرين إلى طريق الأمان والآمال، وهذا هو التحدي الحقيقي للثوار، وما نشاهده الآن بعيدًا كل البعد عن مفهوم الكلمات السابقة؛ حيث نلاحظ أن البعض بدلاً من التفرغ للبناء وأقصد بالبناء بناء مؤسسات الدولة من مجالس نيابية ورئاسة وحكومة تُعبِّر عن الثورة وتظهر وجهها الحقيقي ثم بناء اقتصاد البلاد والعمل على نهضته والخروج من كبوته الحالية، قد اتجهت بوصلته إلى أفعالٍ تتناقض مع ما سبق.
ومما يجعلنا في حيرةٍ من أمرنا أننا نلاحظ دعوات كثيرة ومتكررة تصطدم مع ما قرره الشعب المصري في الاستفتاء والانتخابات مثل مناداة البعض بالاعتداد بشرعية الميدان فقط دون البرلمان، وأن البرلمان منتخب من أقلية لا وزنَ لها، والدعوة للخروج إلى جميع الميادين، وعدم التقوقع في التحرير فقط، وما تبع ذلك من الخروج الكثير والمتكرر لأمورٍ لا تستحق الخروج، وكأنَّ العلاقةَ بين البعض وبين ميدان التحرير أصبحت علاقة زواج كاثوليكي لا رجعة معه ولا طلاق فيه.
وعندما أقارن بين هذا الموقف وبين رؤية الإخوان وبعض القوى الثورية الأخرى حينما قرروا عدم النزول للميدان إلا إذا تعلَّق الأمر بأحد شيئين الدستور أو الانتخابات، عدا ذلك فالجميع قد تفرَّغ للبناء المؤسسي والاقتصادي وتقديم أقصى ما يمكن أن يقدم لشعب مصر العظيم عندها أحسَّ بالفارق، وهو ما انحاز إليه الشعب في اختياراته الحرة النزيهة.
وإذا كان البعض يدَّعي أنه لولا الخروج المتكرر والاعتصام ما استجاب المجلس العسكري لمطالب الثوار، وهذا أمر ليس صحيحًا على إطلاقه لأن خريطة طريق تسليم السلطة واضحة المعالم ومحددت التوقيتات وبحساب المصالح والمفاسد فإن الصبر لشهور محدودة ومعدودة دون أن تتأثر البلاد بما لمسناه من حرائق وإزهاق لأرواح (نسأل الله عز وجل أن يتقبلها في الشهداء)، وتراجع اقتصادي وتشويه لثوب ثورتنا الأبيض الناصع في الخارج أولى من عكس ذلك؛ ولذا أتمنى من الجميع ضبط النفس والتحلي بالصبر حتى لا يتحول الانقسام الذي رأيناه الجمعة الماضي إلى مواجهة أن لم تقض على ثورتنا فربما تؤخرها لسنوات.
بقيت نقطة أخيرة أرى من واجبي ذكرها بصفتي كنت شاهدًا على ما حدث في التحرير الجمعة الماضية، وهي تحية إكبار وعرفان لشباب وأفراد جماعة الإخوان المسلمين على صبرهم ورباطة جأشهم وعدم مقابلتهم الإساءة بمثلها، وهذا إن دلَّ فإنما يدل على الأثر التربوي العميق وقوة تماسك الصف؛ ولذا فإنني أستبشر بهذا الصف خيرًا إن شاء الله.
----------------
*
soradwan@hotmail.com