لا ينكر أحد بحال أن ميادين التحرير في كلِّ أرجاء مصر كانت السبب الرئيس في إزالة حكم الطاغية مبارك وزمرته، كما لا يقر عاقل أن الذين قاموا بالثورة كانوا فصيلاً بعينه في المجتمع، إذ إن الثورة كانت ثورة شعب بأسره، ولم تكن الثورة وليدة يوم فحسب؛ بل كانت وليدة سنوات عجاف كانت النار تستعر ببطء حتى التحم الشعب وقال كلمته، ووفق الله مصر وحمى دماء أبنائها، قضى من قضى وأفضى إلى ما قدم، وما زال على الساحة مخلصون لا يتوانون لحظة واحدة ولا يبخلون بقطرة دم من أجل أن يكتمل العرس وتتم الثورة ما بدأته.

 

في هذا الخضم الهائل من الأحداث كانت الانتخابات البرلمانية التي أعطت تفويضًا لنواب الشعب للحديث باسمهم في انتخابات شهد الجميع بنزاهتها، تعرى فيها من يظنون أنهم يمتلكون الشارع، ووفق الله فيها من التحموا بالشعب، فشعبنا أنضج مما نتخيل، ولا يمكن لأحد أن يراهن عليه وعلى حنكته وفطنته، تباطأت الأحكام، وتعطلت المسيرة ربما عن قصد أو ربما بسبب المطالب الفئوية المستمرة، غاب الأمن، وفي كلِّ مرة كانت ميادين مصر تقول كلمتها فتدفع المتباطئين نحو الإسراع.

 

المهم أنه لا يمكن لأحد أن يستأثر وحده بالثورة، ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه صاحب الثورة، وبعدما قال الشعب كلمته انقلب السحر على الساحر، وظهر الذين يدعون الديمقراطية بصورتهم البشعة؛ لأنهم ظنوا كما كان يظن غيرهم أن الديمقراطية تعني أن تكون في صفهم، ما شهدناه بعد مرور عام من الثورة من تطاول أقزام وحفنة مأجورة على فصيل محترم شهد له الخصوم قبل الأصحاب بإخلاصه وتفانيه من أجل هذا الوطن، ما شهدناه يعد مسبة في جبين أولئك الذين يتمسحون بالثورة، فبعدما عراهم الشعب وكشف عورهم لم يجدوا سوى البلطجة سبيلاً ليخمدوا صوت الشعب، أولئك الذين كانوا يرفعون الأحذية كانوا يرفعونها على رءوسهم قبل غيرهم، وكانوا يكشفون سوأتهم، فمن يقبل بالديمقراطية عليه أن يقبل بالآخر وإن خالفه، أما أن نتحول إلى وحوش في البرية، يطارد أحدنا الآخر دونما دراية أو وعي فهؤلاء مخربون.

 

لا ينكر أحد أنه لدى الإخوان من أبنائه المخلصين ما يمكنهم من ردع هؤلاء المرتزقة لكنه الحرص على وحدة الصف والنأي بالجماعة عن تمزيق شمل المجتمع، ليس أمام هؤلاء إلا أن يتغنوا بشرعية الميدان، ولا أعرف كيف يستمد الميدان شرعيته من أمثال هؤلاء؟ إن الشرعية الوحيدة هي شريعة الشعب، يوم خرج الشعب على المخلوع قلنا لقد سقطت شرعته؛ لأن الشعب قد خرج عن بكرة أبيه، ولا يمكنني أن أنكر أن الثوار الحقيقيين لا يمكن أن تتدنس أيديهم بالاعتداء على رفقاء دربهم، إن الذين يريدون مصر بحرًا من الدماء يريدون أن يعطلوا مراكب السير ومواكب التحرير، إن الثوار الحقيقيين ينأون بأنفسهم عن هذا الهراء، وعليهم أن يتحدوا ليكشفوا ذلك المخطط الذي دبر عن قصد لتمزيق وحدة مصر.

 

إن التزامنا بخارطة نقل السلطة لا يعني المهادنة بقدر ما يعني الحفاظ على هيبة الدولة وحمايتها من السقوط، إننا في حاجة إلى ثورة على العقول التي لا تعي ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر، ولنترك للشعب الواعي الكلمة؛ لأنه الوحيد صاحب القرار، كما أنه بمصر ما يزيد على الثمانين مليونًا ولا يمكن أن يمثلهم أولئك الذين خرجوا ليقولوا لكل حسن لا، وتبقى كلمة للثائرين الصادقين ولمن حموا الثورة يوم هجم عليها المخلوع بكلِّ ضراوة هذه ضريبة الحرية، وهذه ضريبة الديمقراطية فلتقبلوها بنفس راضية حتى يزيح الله الغمة، ويتضح الغث من السمين، حمى الله مصر وثوارها المخلصين من كل كيد ومكر.