في معركة موقعة الجمل التي كانت يوم الثاني من شهر فبراير عام 2011، والتي بدأت حوالي الساعة الثانية ظهرًا لتنتهي حوالي الرابعة صباحًا، ثم تبدأ المعركة في اليوم الثاني، وتستمر حتى الليل، ففي اليوم الأول اعتلى المأجورون من أنصار الطاغية حسني مبارك سطح إحدى العمارات العالية وأخذوا يلقون علينا ما على السطح من أطباقٍ للدش أو فازاتٍ للورد أو مولوتوف أو غير ذلك، وكان السؤال كيف نصل لتلك العمارة؟.

 

وظلَّ الكر والفر بيننا وبينهم ساعاتٍ طوال نتقدم عليهم حينًا ونتراجع حينًا، حتى وجدتني ومعي مجموعة من الشباب أمام باب العمارة، وأراد الشباب الصعود إلى أعلى العمارة لكي يقبضوا على هؤلاء المأجورين.. فقلنا نحن لا نعرف بعض.. لا بد من كلمة سر، فجاءت بتلقائية فقلنا (بدر)، فوقفتُ على سلم مدخل العمارة أقول لكل صاعد كلمة السر (بدر).

 

وبالرجوع لأحداث الثورة وتطوراتها نجد شبهًا كبيرًا بينها وبين غزوة (بدر الكبرى) من ناحية بداية الحدث والهدف منه والنتيجة التي تحققت؛ حيث لم تخطر على بال القائمين.

 

بدأت غزوة بدر الكبرى بهذا النداء النبوي: "هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها".. وقال- صلى الله عليه وسلم-: "من كان ظهره حاضرًا- أي جواده موجودًا- فليركب معنا" (السيرة الحلبية.. باب غزوة بدر الكبرى.. علي بن برهان الدين الحلبي).

 

فكان الهدف هو أخذ القافلة عوضًا عن جزء مما أخذه المشركون من المسلمين.. فتجمَّع من الجيش الإسلامي بالبقيع ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، خرج بهم النبي- صلى الله عليه وسلم- ولكنَّ العيرَ أفلتت ولم يبق إلا النفير، ولو لم يقل أبو جهل كلمته التي قالها في كبرياء وغطرسة:- والله، لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرتنا وجمعنا، ويرانا من غشينا من أهل الحجاز، فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعنا فيقاتلنا بعد.. لو لم يقل أبو جهل كلمته تلك ما كانت الغزوة ولعاد المسلمون إلى المدينة وحفظ كفار مكة قوتهم ومكانتهم.

 

وقد عبَّر القرآن الكريم عما كان يجول في نفوس الصحابة الكرام؛ حيث كانوا يرغبون في العير لا النفير فقال تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)) (الأنفال).

 

ولكن لشيءٍ أراده الله كانت المعركة التي كانت فتحًا للإسلام والمسلمين وانتهى القتال وهُزِم المشركون بعد مقتل سبعين رجلاً من صناديدهم وأسر سبعين آخرين، وقُتل فرعون هذه الأمة أبو جهل عليه لعنة الله، وانتصر المسلمون بعد استشهاد أربعة عشر رجلاً- ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

 

وهكذا كانت ثورة الخامس والعشرين من عام 2011؛ حيث كانت مظاهرة تجمع القليل من المصريين وكان هدفها المطالبة ببعض الإصلاحات والحقوق، ولولا استكبار أبو جهل النظام ما كانت الثورة ولعاد المتظاهرون إلى ديارهم وهم يشعرون أنهم قد حققوا أهدافهم، وانتهى الأمر.

 

ولكن أبو جهل ظنَّ أنه وجنوده يستطيعون قهر هؤلاء القلة فنزلوا أرض المعركة وقتلوا مَن قتلوا وأسروا من أسروا، فتحرَّكت بقية الشعب وتحولت تلك المظاهرة- بفضل الله- إلى ثورة شعبية لم تر مصر قبل ذلك وشارك فيها ملايين المصريين.

 

وخلال ثماني عشرة يومًا سقط فرعون مصر الحالي وولي عهده وأعوانه هامان وقارون وجنودهما ليلقوا في سجون مصر ليتجرعوا من الكأس الذي أذاقوه لكثيرٍ من المصريين الأبرياء، وأهلك الله النظام واستنشق أهل مصر رحيق الحرية التي حُرموا منها سنوات طوالاً.

 

وكما انتهت معركة بدر التي اجتمعت فيها كل عوامل النصر الظاهرية في جانب المشركين، وكل الهزيمة الظاهرية في جانب المؤمنين.. أيضًا انتهت ثورة الخامس والعشرين التي اجتمعت فيها كل عوامل النصر الظاهرية في جانب النظام، وكل الهزيمة الظاهرية في جانب الثوار بسقوط النظام، ليعلم الناس أن أسباب النصر والهزيمة في حقيقتها لا في ظواهرها، فليست كثرة العدد، ولا ضخامة الاستعداد، ولا قوة الدعاية هي السبب الحقيقي في النصر، إنما أسباب النصر صلاح العقيدة، وقوة الإيمان بها، وطول الصبر عليها، وصدق الجهاد في سبيلها، وإن بلغت القلة صاحبة الحق ما بلغت من الضعف، وبلغت الكثرة الظالمة ما بلغت من القوة.

 

وحتى لا يظن أحد ظنًّا خاطئًا فأنا هنا لا أقارن بين النظام وأعوانه وكفار مكة- أعوذ بالله من ذلك- فالكل مصري سواء المسلم أو غير المسلم.

 

نعم انتهت الثورة كحشودٍ أيامًا طوالاً بالميادين تطالب بإسقاط النظام، لتستمر كثورة لبناء النظام الحر الديمقراطي، ولتطهير البلاد من المفسدين والفاسدين وبناء ما خرَّبوه وتحصيل ما نهبوه ورد العزة والكرامة لأبناء الشعب الذي أهانوه ومحاكمة قتلت الثوار، وأن يحكمنا مدنيون لا عسكريون، على أن تظل الميادين مفتوحةً دائمًا لكي تجدد الثورة شبابها وعزتها إذا حدث تقصير في تحقيق مطالبها وأهدافها، وأيضًا تظل الميادين مفتوحةً دائمًا لتجمع الملايين إذا حاد أي حاكمٍ أو أعوانه عن أهداف تلك الثورة في أي وقتٍ كان.

 

فالحمد لله الذي صدقنا وعدة حيث قال: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)) (القصص).

 

فقد منَّ الله علينا كمصريين ومكننا في الأرض.. فعلينا جميعًا مهما اختلفت وجهات نظرنا ووسائلنا أن نعلم أن الله تعالى ينظر إلينا كيف نعمل؟ وماذا نعمل؟ قال تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: من الآية 129).

----------

* Okasha_office@yahoo.com