لم يكن بكاء النائب أكرم الشاعر وهو يصرخ في البرلمان سوى رمز لدموع مئات الأُسر التي فقدت أبناءها وفقدت من يعولهم، غير أنهم لا يجيدون التعبير، أو ربما تهمَّش دورهم؛ لأن أصواتهم لا تصل، لقد جاءت الدموعُ هادرةً، وجاء الأداء المفعمُ بالصدق آسرًا للقلوب، تفاعلت معها العيون خلف الشاشات، وهي ترقب برلمانًا بدأ أول المشوار بالتعبير عن الوفاء لدماء الشهداء التي منحتهم هذه الفرصة ليكونوا نوابًا حقيقيين، لقد جاءت الكلمات صرخة في وجه المحاكمات التي مضى عليها عام، ولم نر فيمن أراقوا الدماء بيانًا شافيًّا، جاءت الدموع لتنوب عن الملايين الذين مازالت تسح قلوبهم قبل عيونهم وكلهم أمل أن تكون ذكرى الثورة انطلاقة جديدة، وأن تكون دماء الشهداء الزكية التي روت شجرة الحرية ليعيش كل مصري حرًّا أبيًّا مرفوع الرأس، شامخًا كالجبال، ذكرتنا جلسة الوفاء ويوم الثورة بملحمة الحب التي جمعت المصريين على قلب رجل واحد، ذابت الفوارق، والتحم الشعب وقال كلمة سيدوي أثرها في التاريخ عبر سنوات قادمة.

 

كانت اللجان الشعبية هي الدرع الواقية حين غابت الشرطة عن المشهد بفعل فاعل، تفاعل الصغير والكبير، وتكونت لدى الناس قناعات أنه لا يمكن بحال أن يكون للحياة طعم في ظل الاستبداد الذي سيطر على كل شيء، إننا في حاجة إلى دموع تغسل خطايانا، توقظ هممنا، تدفعنا نحو العمل دفعًا، ترغمنا على أن نغير سلوكياتنا، تعيد ولاءنا الصادق للوطن، وتبرز حبنا الجارف الذي جبلنا عليه، نحتاج أن نكون أوفياء بصدق ووفاؤنا يعني ثباتنا حتى تعود الحقوق إلى أصحابها.

 

هناك أخفياء لا يعلمهم أحد كانوا يومًا وقودًا لهذه الثورة، منهم من أقعدته الإصابة، ومنهم من غيبه عن الساحة أنه لا يجيد الظهور، هؤلاء في حاجة إلى أن يكرَّموا، نحتاج أن نحترم القانون، وأن نساعد على أن يحترمه الجميع؛ لأن أي خرق له سيغرق الجميع، نحتاج أن ننمي الرقابة الذاتية، والتي تجعل من كل واحد فينا رقيبًا على نفسه، يحاسبها إن أخطأت ولا يتجاوز، ساعتها فقط سنكون قد وفَّيْنا، رحم الله شهداء الحرية فوق كل أرض وتحت كل سماء.