ظللتُ أردد قول الحق سبحانه: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)) (آل عمران)، وأنا أشاهد الجلسة الأولى للبرلمان الذي أفرزته ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، والمسماة بالجلسة الإجرائية، وسألت نفسي مَن كان يصدق أن جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تسمى في العهد البائد بالمحظورة تمكنت في أيام قلائل بعد الثورة من تأسيس حزب أضحى ذا شعبية وجماهيرية عريضة في الأوساط المصرية، واختارت للحزب اسمًا يتماشى مع رؤيتها وأهدافها وأفكارها وأيديولوجيتها ألا وهو الحرية والعدالة، وكل منهما صنو لصاحبه لا ينفك ولا ينفصل عنه، ثم يحصل هذا الحزب على أغلبية مقاعد البرلمان الأول بعد الثورة، ويجلس على قمته واحد من أبناء الجماعة، وواحد من مكتب الإرشاد وهو د. سعد الكتاتني.
ولو سألتَ أيها القارئ الكريم أحدًا من المنتسبين إلى جماعة الإخوان أو من مؤيدي أفكارها؛ بل لو وجِّه السؤال لمرشدي الجماعة الثمانية ابتداءً من الشهيد حسن البنا (1928- 1949م)، أ. حسن الهضيبي (1949– 1973)، أ. عمر التلمساني (1973– 1986)، أ. محمد حامد أبو النصر (1986– 1996م)، أ. مصطفى مشهور (1996– 2002)، أ. مأمون الهضيبي (2002- 2004)، أ. محمد مهدي عاكف (2004- 2009)، د. محمد بديع (2009م- حتى الآن) هل كنتم تتوقعون حدوث هذا أو حصول جماعة الإخوان المسلمين في يوم من الأيام على هذه الأغلبية البرلمانية الكاسحة، فلسوف يجيبونك في إنصاف وحيادية كنا نطمح في ذلك لكننا لم نكن نتوقع حدوثه.
ولم تخل الجلسة الإجرائية من أزمة تسبب فيها عدم التزام البعض باليمين الدستورية، محاولين إضافة نصوص من عندياتهم إلى اليمين، وأرى أن هذا سلوك سلبي لا يدل إلا على أشخاصه وتفكيرهم، ولو أمعنوا النظر في كلمات اليمين وحللوها بموسوعية وإيجابية لرأوا أن ما أضافوه إلى اليمين الدستورية كان تضييقًا وليس توسعة، لكنه شيء متوقع على آية حال، خاصةً مع تزايد الأحداث الخارجية الضاغطة على النواب وإحساسهم بالمسئولية حيال مَن أعطوهم أصواتهم لكنهم عبروا عن هذه المسئولية من منطلق أيديولوجياتهم الخاصة بهم.
وبنظرة شاملة للبرلمان نجد أنهم مدعاة للفخر والاعتزاز؛ حيث جاء معبرًا عن إرادة الشعب ونبضه، ولا يمكن مقارنته بسابقيه من برلمانات العهد البائد، وكان بحقٍّ انعكاسًا لتنوع الشعب المصري بأطيافه وتياراته وانتماءاته، لكن ما يُشهد له أن أداء حزب الأغلبية بدا أكثر انضباطًا والتزامًا ونضجًا وفهمًا عن مختلف التيارات السياسية داخل أروقة المجلس في لحظاته الأولى؛ ما يعني ويؤكد نوعًا من الإحساس بالمسئولية السياسية والتشريعية التي أصبحت ملقاةً على عاتق أعضاء البرلمان عامةً، وأعضاء الحزب خاصةً، من خلال الالتزام بأخلاقيات العمل السياسي والتشريعي من ناحية، وأهمية التواصل مع الآخرين من ناحيةٍ أخرى؛ لتحقيق مصالح الوطن، وهذا يدل على أن الأيام المقبلة ستحمل بين طياتها ملامح للتغيير في المحيطين الداخلي والخارجي؛ ما يساهم في إعادة التوازن والنهوض، واسترجاع الدور الريادي المصري إسلاميًّا وعربيًّا وإفريقيًّا ودوليًّا.
ولقد واجهت البلاد في الآونة الأخيرة أحداثًا واضطرابات هدفت إلى زعزعة أمنها واستقرارها واقتصادها ووحدتها وجِّهت إليها من أعدائها وبعض أبنائها، وإن كان لنا أن نلوم أعداءنا فإننا نلومهم لأنهم يحسدوننا على ما حبانا الله به من وطن كان وما يزال قبلة الأوطان في كلِّ زمان ومكان، أما أبناؤنا فإنهم يجهلون مكانة هذا الوطن الكبير، حتى إن المؤسسات الرسمية في البلاد بدت دون موقف واضح حيال هذه الأحداث إن هي قست وقوت قبضتها لاموها بأنها تنكر حق الاعتصام والتظاهر والمعارضة، وإن هي تساهلت وأرخت قبضتها زالت هيبتها وزالت هيبة الوطن كله.
والأوطان لها مكانة في الأنفس لا تعدلها مكانة، ولقد أشار الله إلى مكانة الأوطان في نفوس المهاجرين، كما قال سبحانه: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8)) (الحشر) وها هو المولى سبحانه يبيِّن مكانة الأوطان في قلب كليمه موسى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) (القصص: من الآية 29) بل جعل الله مفارقة الأوطان عقوبة للمفسدين في الأرض فقال سبحانه: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)) (المائدة)، وها هو سيد العالمين سيدنا محمد يؤكد حبه وشوقه إلى وطنه الأول مكة، فيقف قبالتها يبث أشواقه وحبه لما أخرجه أهلها منها: قائلاً: "والله إنكِ لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليَّ ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ ما خرجت"، فالوطن مكان ليس كالأمكنة، كما أن الشباب زمان ليس كالأزمنة، وكما تغنى القائل بشبابه قائلاً:
ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب
تغنى القائل بوطنه وحبه له فقال:
وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه بالخلد نفسي
وكان الأقدمون يسمون بيوتهم أوطانًا فيقول لبيد بن ربيعة
ولي وطن آليت ألا أبيعه وألا أرى غيري له الدهر مالكًا
هذا عن الأوطان عامةً أما وطننا الحبيب مصر فحدِّث عنها ولا حرج، فلقد ورد اسمها في النصوص المسمارية والعبرية والآشورية، وكانت تسمى قديمًا (كيم)، ومعناها الأرض السوداء أي الخصبة، وأول مَن دعا لها بالخصب والنماء هو أبو الإنسانية آدم عليه السلام، وذكر ابن عباس أن شيخ الأنبياء نوح دعا لابن ابنه بيصر بن حام، وهو والد مصر الذي سُميت على اسمه الدولة المصرية دعا له فقال: "اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته، وأسكنه الأرض المباركة الطيبة التي هي أم البلاد".
ولو لم يكن لها من فضل إلا ثناء المولى عليها في كتابه لكفاها، فلقد ذكرها الله في كتابه في أربعة وعشرين موضعًا، أربعة منها صراحةً، وبقيتها جاءت على سبيل التلميح.
قال الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) (يونس: من الآية 87)، وقال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) (يوسف: من الآية 21)، وقال الله تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف: من الآية 99)، قال الله تعالى على لسان فرعون: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف: من الآية 51).
وذكر ابن عباس أنها سُميت بالأرض كلها في عشرة مواضع في القرآن:
1- قال الله تعالى على لسان يوسف (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) (يوسف).
2- قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) (يوسف: من الآية 56).
3- قال الله تعالى على لسان ابن نبي الله يعقوب (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (يوسف: من الآية 80).
4- قال الله تعالى: (إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ(19)) (القصص).
5- قال الله تعالى: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ(26)) (غافر).
6- قال الله تعالى: (يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ) (غافر: من الآية 29).
7- قال الله تعالى: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) (الأعراف: من الآية 127).
8- قال الله تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ) (الأعراف: من الآية 129).
9- قال الله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) (القصص: من الآية 4).
10- قال الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)) (القصص: من الآية 5).
وزكاها رسول الله في سنته لما قال لأصحابه موصيًا إياهم: "ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لكم فيهم ذمةً ورحمًا" (رواه مسلم).
ومن نسائها أُهديت لرسول الله مارية القبطية وأختها سيرين، فتزوَّج رسول الله مارية، وجعل صداقها عتقها، وتزوَّج شاعره حسان بن ثابت من أختها.
وجاء في التوراة: "مصر خزائن الأرض كلها مَن أرادها بسوءٍ قصمه الله تعالى"، وذكر ابن إياس المؤرخ أنه قد زارها من الأنبياء والصديقين والصديقات ما يزيد على الثلاثين (إدريس- إبراهيم- إسماعيل- يعقوب- يوسف- الأسباط- موسى- هارون- داود- سليمان- عيسى) عليهم الصلاة والسلام، ومن الصديقين (لقمان الحكيم- ذو القرنين- يوشع بن نون- مؤمن آل فرعون)، ومن الصديقات (مريم عليها السلام- أم نبي الله موسى عليه السلام- امرأة فرعون- ماشطة بنت فرعون).
وجاء على لسان عمرو بن العاص قوله: "ولاية مصر ولاية جامعة تعدل الخلافة"، وقال فيها أبو موسى الأشعري: "أهل مصر هم الجند ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤنته"، وقال فيها عبد الله بن عمرو بن العاص: "أهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يدًا، وأفضلهم عنصرًا، وأقربهم رحمًا للعرب عامةً ولقريش خاصة"، وذكر ابن خلدون: "مصر حاضرة الدنيا، وبستان العالم، وإيوان الخلافة، وكرسي الملك، مَن لم يزرها لم يعرف عزة الإسلام"، وقال المقريزي في كتاب الخطط: "مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه الله"، وقال فيها الملك عبد العزيز آل سعود لأولاده: "إنه يمكن الحكم على صحة العرب بصحة مصر، فإذا كانت مصر عليلة فالعالم العربي كله عليل".
وتغنَّى بها الشعراء قديمًا فها هو زين الدين الوردي يؤكد أنها أم البلاد وشعبها خير العباد فيقول:
ديار مصر هي الدنيا وساكنها وهم الأنام فقابلها بتفضيل
يا مَن يباهي ببغداد ودجلتها فمصر مقدمة والفيض للنيل
وها هو ناصر الدين يؤكد مكانتها فيقول:
لعمرك ما مصر بمصر وإنما هي جنة الدنيا لمَن يتبصـر
فأولادها الولدان والحور عينها وروضتها الفردوس والنيل كوثر
لكنني دومًا أردد القول الذي جعلت صدره عنوانًا لمقالتي ألا وهو:
مصر هي الكنانة ما هانت على أحد الله يحرسها عطفًا ويرعاها
ندعوك يا رب أن تحمي مرابعها فالشمس عين لها والليل نجواها
------------
* باحث في القانون الدولي- عضو هيئة كبار العلماء بالجمعيات الشرعية.