حقيقة لقد أشعلت كلمات د. أكرم الشاعر مشاعر المصريين عندما وقف وسط البرلمان متحدثًا عن شهداء الثورة والمصابين.
ولعل أحدًا يتساءل: ما الجديد في هذه الدموع؟ فكم من دموع سالت دماء، وكم من صيحات علت هواء، دون أن تجد آذانًا مصغية، أو قلوبًا تحوي تلك الآهات.
أقول: لقد هزَّت كلمات الشاعر قلوب من استمع إليها، وتعاطف معه الجميع؛ لأنه نبض مشاعر أسر الشهداء، ولسان حالهم، ولِمَ لا؟ وهو فرد منهم أصابه ما أصابهم.
ولعل المتأمل إلى قسَمَات وجه الشاعر، ونبرات صوته، وكلماته الرقراقة، يدرك منذ اللحظة الأولى أنه في أثناء هذا الكلام تكلّم بلسان الوالد، لا بلسان البرلماني؛ فلذلك خرجت كلماته من القلب إلى القلب، فتفاعل معه الحاضرون والمستمعون والمشاهدون، بل تفاعل معه كل من حلّل موقفه في أثناء انعقاد الجلسة، أو بعد الانتهاء منها.
وكان الشاعر وهو يتحدث يرى أمامه دماء الشهداء والمصابين تُحمَّله رسالة:
انهض يا شاعر، وكفكف دموعك؛ فقد مضى زمن البكاء، فنحن الشهداء، إن غبنا عن مشهد الأرض، فلن ينسانا أهل السماء.
انهض يا شاعر، فها همُ المصابون ينادون: كفكف دموعك يا شاعر، فنحن قادمون، إنْ قُطعت لنا أيادٍ أو فُقدِت لنا عيون، إنْ كُسِرَت لنا عظام، أو أُصيبت منّا بطون، إنْ عظُم المُصاب، فنحن على العهد باقون.
ولقد أدمى الشاعر قلوبنا يوم أنْ حيت القلوب، وأنار بصيرتنا يوم أن أبصرنا الدروب، ولم يعد هناك أحد يكمكم الأفواه، بل لم يعد هناك صوت العواء، وأُخمدت نيران السفهاء؛ لتعلو كلمة الحق في الأرض والسماء.
ومن شدة الموقف وتأثيره على نواب البرلمان أننا وجدناهم بفطرتهم النقية وقفوا محيين كلمات الشاعر، ولسان حالهم يقول: كفكف دموعك يا شاعر، فنحن مع كل الشهداء والمصابين، سنعيد البسمة إلى شفاه المصريين، فلقد ضحّوا بأرواحهم؛ لنكون برلمانيين، فلسنا لدمائهم بائعين، بل بعون الله حامين.
فأبدًا لن يغمض لنا جَفن؛ حتى نرى قصاصًا من الطغاة الظالمين
أبدًا لن يصمت شعب عشق الحرية؛ فهدى في الظلام التائهين
كفكف دموعك يا شاعر، فلتعلمنَّ بعد حين
أنّ الله لن ينسى دماء لوّثتها يد الظالمين.
فمهما حرقوا ملفات، أو هرّبوا الملايين
فلن يهدأ لنا بال، أو يقر لنا أنين
حتى تُشفى صدورنا لدماء الشهداء والمصابين.
قم يا شهيد، شارك في ثورتك، لا يهمك آلام السنين، فكم دعونا الله تعالى أن ينصر ثورتنا المجيدة، وكانت دماؤكم مهرًا لهذا العرس العظيم، فهنيئًا لكم، وهنيئًا لمصرنا الحبيبة، وهنيئًا لأسر الشهداء والمصابين أن قدموا فلذات أكبادهم؛ لتحيا مصرنا، وتعلو هامتها بين الأمم، وحُقّ لنا أن نقول: كفكف دموعك يا شاعر.