قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) (آل عمران).

 

- سبب النزول:

قال ابن جرير الطبري: "اختلف أهل التأويل في السبب الذي أُنزلت هذه الآية فيه فقال بعضهم: أُُنزلت في قومٍ قالوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنا نحب ربنا فأمر الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: إن كنتم صادقين فيما تقولون، فاتبعوني، فإن علامة صدِقكم فيما قلتم من ذلك".

 

ثم روى بإسناده عن الحسن قال: قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا نحب ربنا فأنزل الله عز وجل: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) الآية فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم علمًا لحبه، وعذاب من خالفه" (1).

 

ثم قال الطبري: "وقال آخرون: بل هذا أمر من الله لنبيَّه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي تقولونه في عيسى من عظيم القول، إنما تقولونه تعظيمًا لله وحبًّا لله فاتبعوا محمد صلى الله عليه وسلم".

 

ثم ذكر بإسناده عن محمد بن جعفر بن الزبير: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) أي كان هذا من قولكم- يعني عيسى حبًّا لله وتعظيمًا له (يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

 

ثم قال الطبري: "وأولى القولين بتأويل الآية قول محمد بن جعفر بن الزبير؛ لأنه لم يجر لغير وفد نجران في هذه السورة ولا قيل هذه الآية ذكر قوم ادعوا أنهم يحبون الله ولا أنهم يعظمونه، فيكون قوله (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) جوابًا لقولهم على ما قاله الحسن، وأما ما رُوي عن الحسن فلا خبر به عندنا يصح ويجوز أن يكون الحسن أراد بالقوم وفد نجران من النصارى".

 

ثم قال: "فتأويل الآية؛ "قل يا محمد للوفد من نصارى نجران: إن كنتم كما تزعمون أنكم تحبون الله، وأنكم تعظمون المسيح وتقولون فيه ما تقولون، حبًّا منكم لربكم، فحققوا قولكم الذي تقولونه إن كنتم صادقين باتباعكم إياي، فإنكم تعلمون أني لله رسول إليكم كما كان عيسى رسولاً إلى من أرسل إليهم فإنه إن اتبعتموني وصدقتموني على ما أتيتكم به من عند الله يغفر لكم ذنوبكم، فيصفح لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عما مضى منها، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم وبغيرهم من خلقه"(2).

 

والعبرة بعموم الخطاب لا بخصوص السبب كما جاء في تفسير المنار(3): "نعم إن أوائل هذه السورة نزلت إذا كان وفد نجران في المدينة ويصح أن تكون مما يحتج به عليهم، ولكن الخطاب فيها عام وحجة على أهل الدعوى في كل زمان ومكان، وما قيمة الدعوى يكذبها العمل وكيف يجتمع الحب مع الجهل بالمحبوب، وعدم العناية بأمره ونهيه:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه      هذا لعمري في القيـاس بديعُ

لو كان حبك صـادقًا لأطعــته   إن المـحب لمن يحب مُطيعُ

 

- الآية بين تكليفين:

أما التكليف السابق لها في قوله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)) (آل عمران)، وهو تحذير شديد وعقاب أليم في موالاة الكافرين من دون المؤمنين، فالموالاة يجب أن تكون في الله ولعبادة الله، وأما التكليف اللاحق فيتعلق بأمر طاعة الله ورسوله والعقاب الشديد لمن تولى عنها.

 

وفي موقع الآية بين التكليفين إشارة إلى أن الاتباع وإن كان هو البرهان عامةً على محبتنا لله، إلا أنه يجب أن يكون أشد وضوحًا في موالاة أهل الإيمان دون الكفر، وفي الطاعة لله ورسوله فيما أمر، أي الطاعة في الواجبات وأما الطاعة في المندوبات فبها تزداد المحبة كما في الحديث القدسي: "ما تقرّب إلىّ عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرّب إلىّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به....." الحديث (4).

 

فالآية تتحدث عن الاتباع الواجب الذي عقابه كما قال تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) (آل عمران) ويخطئ بعض الدعاة في الاحتجاج بالآية على بعض من ترك السنن أو بعضها... فالآية تتكلم عن الاتباع والطاعة الواجبة التي يترتب عليها إثم وأما السنن والمندوبات فيناسبها أسلوب الترغيب؛ لأن السنة كما يقول الأصوليون هي ما يُثاب على فعله ولا يأثم بتركه.

 

وأحب أن أذكر في مسألة الولاء بأمر مهم وهو التفريق بين الولاء والمعاملة، يقول الشهيد سيد قطب: "والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى مَن لا يحاربه في دينه، ولو كان على غير دينه ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى، الولاء ارتباط وتناصر وتواد وهذا لا يكون- في قلب يؤمن بالله حقًّا- إلا للمؤمنين الذين يرتبطون معه في الله، ويخضعون معه لمنهجه في الحياة ويتحاكمون إلى كتابه في طاعة واتباع واستسلام"(5).

 

- اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو البرهان:

يقول الشهيد سيد قطب: "إن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هيامًا بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة.. وإن الإيمان ليس كلماتٍ تُقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تُقام، ولكنه طاعة لله والرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية الأولى: "هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادّعى محبة الله وهو ليس على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

 

ويقول في الآية الثانية: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا) (آل عمران:32) أي تخالفوا عن أمره (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) (آل عمران)، فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب مَن اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته"(6).

 

ويقول الإمام ابن القيم: "ومن تأمَّل في السيَر والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام.. علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس مجرد المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد، والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا" (7).

 

ومن هنا نعلم أنه من أتى الله بدون اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم فهو سفر اليدين، وليس لديه برهان يؤيد زعمه في محبة الله فلنتق الله ولنتبع نبيه وبقدر الاتباع يكون قوة البرهان.

 

- بعض ما ورد في اتباعه صلى الله عليه وسلم:

أما الاتباع والطاعة المطلقة والتحذير من مخالفته فقد ورد ذلك في صور عديدة:
1- الآيات التي وردت صريحة في عموم الطاعة كثيرة جدًّا فقد ورد الأمر بطاعة الرسول في سورة (آل عمران32، 132) (النساء 59)، (والمائدة 92)، (الأنفال 1، 20، 46)، (النور 54، 56)، (محمد 32) وغيرها من السور.

 

2- الآيات في فضل طاعته قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)) (النساء)، وقوله: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (69)) (النساء)، وقوله: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (52)) (النور)، وقوله: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)) (الأحزاب) وقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)) (التوبة).

 

3- وفي التحذير عن مخالفته قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)) (المائدة)، وقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا) (الأنفال: 46)، وقوله: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)) (محمد).

 

ومن الأحاديث النبوية: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى؟ قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" أخرجه البخاري (8).

 

وفي حديث جابر رضي الله عنهما قال: جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان.. ثم قالوا: اضربوا له مثلاً فقالوا: "مثله كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأْدُبة وبعث داعيًا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومَن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ثم قالوا: فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمَن أطاع محمد صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ومَن عصى محمد صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله" رواه البخاري(9).

 

- كيف نحقق الاتباع:

1- معرفة ما جاء به من الوحي (القرآن والسنة) وسبيل المعرفة لا يكون إلا إذا كان للمسلم منهج في التعليم على يد عالم يوثق في علمه، والعمل بما علمنا.

 

2- الاحتكام إلى قوله كما قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) (النساء).

 

3- دراسة سيرته واتباع منهجه واقتفاء أثره.

 

4- العناية بمعرفة أحواله من عبادات ومعاملات وأخلاق....الخ، ونحو ذلك ليتحقق الاقتداء به كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21).

 

5- أن نقدم محبته وطاعته على حب الدنيا وما فيها، كما جاء في الحديث الصحيح "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"(10).

 

6- نحذر عن مخالفة أمره أو ترك سنته، ولنحذر من قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)) (النور).

 

- عقبات على طريق الاتباع:

- الشيطان: الذي لا ينام وهو مشغول بإضلال بني آدم، والذي قال الله في أمره: (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)) (النساء).

 

- النفس الأمارة بالسوء: "كما قال تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوء) ( يوسف:53).

 

- مكر شياطين الإنس: قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)) (سبأ).

 

 فالثلاثة (الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وشياطين الإنس)، لهم أساليب وصور كثيرة في عدم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أفاض في ذلك ابن القيم في "إغاثة اللهفان" وابن الجوزي "في تلبيس إبليس" و"ذم الهوى"... ود. سيد نوح في "آفات على الطريق".

 

* من أساليبهم في إضلال بني آدم:

- تزيين الشهوات الحرام: قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) (آل عمران: من الآية 14) وقوله (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ (1)) .

 

- اتباع الهوى: قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) (القصص: من الآية 50).

 

- حب الدنيا والركون إليها: قال تعالى (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (8)) (يونس).

 

- الإعجاب بالنفس: قال تعالى (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا) (التوبة: من الآية 25).

 

- الغرور: قال تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (120)) (النساء).

 

- التكبر: قال صلى الله عليه وسلم "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (11).

 

- الإفراط والتفريط: قال تعالى: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتَُمِنَ السَّاخِرِينَ (56)) (الزمر).

 

وقوله تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)) (المنافقون)، وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)) (المؤمنون).

 

- صحبة أهل السوء: قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29)) (الفرقان).

 

والوسائل كثيرة ومتنوعة فتراجع في الكتب التي تقدم ذكرها ليحذرها الداعية ويحذر منها.

 

علامات محبة الله لعبده:

من أكرمه الله باتباع نبيه لا شك أن الله يحبه كما في الآية، وأثر هذه المحبة يظهر على العبد في الدنيا والآخرة:

- فأما الآخرة: فقد ذكرت الآية ثلاثة آثار:

1- محبة الله في قوله (يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).

2- المغفرة في قوله (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).

3- الرحمة في قوله (وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

 

- وأما في الدنيا: فعلامات محبة الله كثيرة منها:

1- أن ينعم عليه بالإيمان به كما في قوله: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات: من الآية  17).

 

2- أن يبصره أمر دينه كما في الحديث "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (12).

 

3- الاستقامة على طاعته كما في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31))  (فصلت).

 

4- المسارعة في فعل الخيرات وترك المنكرات كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)) (المؤمنون)، وقوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) (الأنبياء: من الآية 73).

 

5- أن يتذوق حلاوة الإيمان: كما في الحديث "ثلاث من كن فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان...."(13).

 

6- أن يكون صابرًا عند الابتلاء قال تعالى: (........... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)) (البقرة).

 

وقول النبي صلى الله عليه وسلم "أشد الناس بلاءً الأنبياء".

 

7- أن يكون واثقًا في الله ونصره: قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)) (آل عمران)، وقوله تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)) (الشعراء).

 

8- تجده بائعًا نفسه وماله لله قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ..... ) (التوبة: من الآية 101).

 

9- يرزقه حسن الخاتمة: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له فإن العامل يعمل زمانًا من عمره أو بُرهة من دهره بعمل لو مات عليه، دخل الجنة، ثم يتحول فيعلم عملاً سيئًا، وأن العبد ليعمل البُرهة من دهره بعمل سيئ، لو مات عليه، دخل النار ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً" (14)، وقال تعالي: (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء (27)) (إبراهيم).

 

من الأسرار والمعاني في كلمات الآيتين

 

- قوله قل": وردت في القرآن الكريم (332) مرة، وأكثر سورة وردت فيها الأنعام (44) مرة، ثم سورة آل عمران (23) مرة، ولم ترد آية تشترط محبة الله باتباع رسوله في المصحف إلا في هذا الموضع.

 

 يقول الشعراوى: "ولنا أن نعرف أن كل "قل" إنما جاءت في القرآن كدليل على أن ما بعدها هو بلاغ من الرسول عن ربه بلاغ للأمر وللمأمور به. إن البعض ممن في قلوبهم زيغ يقولون: كان من الممكن أن يقول الرسول (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) لهؤلاء نقول: لو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لكان قد أدى "المأمور به" ولم يؤد الأمر بتمامه لماذا؟ لأن الأمر في "قل"، والمأمور به (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ) وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل بلاغ عن الله بدأ بـ"قل" إنما يبلغ "الأمر"، ويبلغ "المأمور به" مما يدل على أنه مبلغ عن الله في كل ما بلغه من الله" (15)

 

- قوله كنتم: وما بعدها جاءت بصيغة الجمع كما هو أسلوب القرآن في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ) وقوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)) (المؤمنون)، وقوله: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)  وفي ذلك إشارة إلى أن الأصل في الاتباع أن يتمثل في جماعة مؤمنة تقوم علي الحق، وتسود به المجتمع المسلم، وقد منَّ الله علي نبيه بهذه الجماعة المتبعة له في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)) (الأنفال) وقوله: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) (الفتح: من الآية 9)، فهناك واجبات تسقط بالاتباع الفردي، وواجبات لن تسقط إلا بالاتباع الجماعي.

 

- قوله تحبون الله: فيها إشارة إلى المحبة الجماعية أي تتوفر في أفراد جماعة فبمجموعها تقوى وتستحق أن تتنزل عليها الرحمة، ولو تأملنا أعظم الرحمات على هذه الأمة نجدها على العبادات الجماعية التي يظهر فيها الحب لله، كيوم عرفه ومناسك الحج، وصيام رمضان، وصلاة الجماعة، والجهاد... ونحو ذلك فالعبادة الجماعية تجبر تقصير العاصي كما في الحديث "هم القوم لا يشقى جليسهم" (16) وقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم لقوم اجتمعوا علي درس علم "ما أجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة "(17) وتأمل "يتلون" و"يتدارسونه" ففيه إشارة إلى التلاوة والمدارسة الجماعية وليس المقصود كل فرد على حدة في الجماعة بل مشاركة بينهم ويؤكدها بقوله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم، كما أن كلمة "تحبون" جاءت على صيغة المضارعة لبيان أن الحب لله لا بد أن يتصف بالاستمرار إلى أن نلقي الله.

 

- قوله فاتبعوني: وفيها أن الاتباع قاصر عليه صلى الله عليه وسلم فيها الأمر بالإتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، والفاء تدل على أنه على الفور والياء على اختصاصه الإتباع.

 

- قوله يحببـــكم: فالجزاء من جنس العمل، وعلي قدر إتباعكم للنبي صلى الله عليه وسلم ستجدون محبة الله لكم، وما أعظمه من تكريم يوم أن يحب الله عبده، كما ورد في الحديث "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض"
(18).

 

وفيه أيضًا وجوب استمرارية المحبة لأنها جاءت بصيغة المضارعة المشروطة بالإتباع.
- وقوله ويغفر لكم ذنوبكم: ذلك فضل من الله لعبده، لأنكم إن صدقتم في إتباع نبيكم، نلتم حب ربكم، وزادكم الرب مع الحب مغفرة الذنوب و"الرحمة".

 

 وتأمل أيضًا المضارعة في قوله: "ويغفر" التي يبينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم (19).

 

- وقوله والله غفور رحيم: المغفرة فضل من الله بتكفير الذنوب، والرحمة بها قبول الأعمال ودخول الجنة، وكما في الحديث "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل ما عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن النار" (20).

 

- وقوله قل: مرة ثانية في الآية التي بعدها تأكيدًا أنه مأمور ببلاغها.

 

- قوله أطيعوا الله والرسول: لبيان أن طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، لأن اتباع الرسول وطاعته هي طاعة لله يقول الشعراوي: "الأمر بالطاعة، جاء في القرآن على ثلاثة ألوان:

فمرة: "أطيعوا الله والرسول" كما في الآية، ونلاحظ أنه لم يكرر الطاعة، بل جعل الأمر واحدًا، هو "أطيعوا" فإذا سألنا من المطاع؟ تكون الإجابة الله والرسول معًا.

 

والثانية: "قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول".

 

والثالثة:  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: من الآية 59).

 

إنها الطاعة بألوان التكليف وأنواعها: فمرة أن يكون الأمر من الله والرسول يؤكده بقوله وسلوكه. ومرة يأتي من الله إجمالاً ومن الرسول تفصيله، ومرة يعطيه الحق أن يصدر التشريعات اللازمة كما في قوله (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر: من الآية 7)، وأما طاعة أولي الأمر مندمجة في طاعة الله والرسول"(21).

 

- وقوله: تولوا: فيها قصد الرغبة عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الجزاء إن الله لا يحبه.

 

مواقف مشرفة لإتباع النبي صلى الله عليه وسلم

1- من مواقف أبي بكر الصديق "لما جاءت فاطمة رضي الله عنها تطلب سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله عز وجل إذا أطعم نبيًّا ُطعمةٍ، ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده"، فرأيت أن أرده للمسلمين" فقالت "أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم" وقال في رواية "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، وإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ (22)، وموقفه في قتال المرتدين مشهور وفيه "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"(23).

 

2- ومن مواقف عمر رضي الله عنه، أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" (24).

 

3- وعن سعيد بن المسيب قال: رأيت عثمان قاعدًا في المقاعد، فدعا بطعام مما مسته النار فأكله، ثم قام إلى الصلاة فصلي، ثم قال عثمان: "قعدت مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلت طعام رسول الله وصليت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (25).

 

4- وعن ميسرة بن يعقوب قل: رأيت عليًّا يشرب قائمًا، قال فقلت له تشرب قائمًا؟ فقال إن أشرب قائمًا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائمًا، وإن أشرب قاعدًا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قاعدًا (26).

 

5- وقد اشتهر عبد الله بن عمر بمحافظته الشديدة على إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتبع الرسول في كل شيء، وكان كثيرًا ما يقول "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"، فعن مجاهد قال كنا مع ابن عمر في سفر، فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لم فعلت؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت، وكان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، ويخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك (27).

 

6- وعن سالم عن عبد الله عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تمنعوا إماء الله أن يصلين في المسجد"، فقال ابن له: إنا لنمنعهن. قال: فغضب غضبًا شديدًا وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول "إنا لنمنعهن"، وفي رواية فانتهره عبد الله وقال: أفٍ لك، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: "لا أفعل" (28).

 

 7- وعن سعيد بن جبير عن عبد الله بن مُغّفَّل أنه كان جالسًا إلى جنبه ابن أخ له، فَخَذَفَ، فنهاه، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها وقال: إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكي عدوًّا، وإنها تكسر السَّن وتفقأ العين قال: فعاد ابن أخيه يخذف فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها، ثم عدت تخذف إذا لا أكلمك أبدًا" (29) .

 

8- ولنختم بهذا الموقف المشرف لعبادة بن الصامت النقيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كِسَرَ الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة" فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة، فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة، فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال من مساكنته، فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، قبح الله أرضًا لست فيها وأمثالك، وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه، وأحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر (30).

 

----------------

الهوامش:

(1) ضعيف كما قال الطبري نفسه

(2) تفسير الطبري (06/322/325) بتحقيق أحمد شاكر

(3) تفسير المنار (3/284)

(4) صحيح البخاري (6502) عن أبي هريرة.

(5) ظلال القرآن (1/387)

(6) تفسير ابن كثير (1/358)

(7) ظلال القرآن (1/387)

(8) صحيح البخاري (7280) وأحمد (2/361)

(9) صحيح البخاري (7281)

(10) صحيح البخاري (15) ومسلم (44)

(11) صحيح مسلم (147)

(12) متفق عليه، صحيح البخاري (71)، ومسلم (1037)

(13) صحيح البخاري (16) ومسلم (43)

(14) رواه أحمد في المسند (3/120) إسناده صحيح.

(15) تفسير الشعراوي (3/1427)

(16) صحيح البخاري (6408)، مسلم (2689)

(17) صحيح مسلم (2699)، وأبو داود (3643)

(18) متفق عليه صحيح البخاري (3037)، مسلم (2637)

(19) صحيح مسلم (2759)

(20) صحيح البخاري (6469) من حديث أبي هريرة

(21) تفسير الشعراوي (3/1433)

(22) رواه أحمد في المسند (1/160) وإسناده صحيح

(23) رواه أحمد (1/167) وإسناده صحيح

(24) مسند أحمد (1/197) بإسناد صحيح

(25) مسند أحمد (1/357) إسناده صحيح

(26) مسند أحمد (1/378) وإسناده صحيح

(27) مسند احمد (5546) وصححه أحمد شاكر

(28) مسند أحمد (6101) وصححه أحمد شاكر

(29) مسند أحمد (3121) وصححه أحمد شاكر

(30) سنن بن ماجه (1/7)، وكسرة الذهب: كالقطعة، ونظرة إلى: انتظار الأجل