- معركة الجمل "فرقان" الثورة وقداسات الأحد في الميدان بمشاركة إسلاميين

- أماكن محددة لجماهير الإخوان في الميدان وورديات للسهر والحراسة والنوم والعمل

- اللجان الشعبية تجمع أنصار الثورة وخصومها وتضع العراقيل أمام المواطنين

- جنازة رمزية لشهيد الصحافة وتحركات لتطهير الإعلام

- الإخوان يخفون هويتهم حماية للثورة والليبراليون توهموا أنهم صناع الثورة

- قنوات خاصة ساهمت في تشويه الثوار يوم معركة الجمل بتقارير مضللة

- سر إطلاق سراح قادة الإخوان المعتقلين وسر استبسال في معركة الجمل

- آلاف الشباب يحاصرون القصر بعد خطاب التفويض والجيش يعيدهم

- الله وحده أسقط النظام هتاف الثوار أما قصر العروبة يوم الهروب الكبير

 

يكتبها: قطب العربي

لم يمض وقت طويل بعد دخولنا إلى ميدان التحرير مساء يوم 28 يناير حتى رأيت سيارة جيب عسكرية تقل ضابطًا برتبة عقيد على ما أظن، توجهت فورًا إلى السيارة مع بعض المتظاهرين، وأحطنا بها، كنا نخشى أن تكون قادمة لنجدة الشرطة وإمدادها بالقنابل لأننا علمنا قبل ذلك أن الشرطة استخدمت سيارات إسعاف لنقل قنابل الغاز، تقدمت نحو الضابط لأستفسر منه عن سر حضوره إلى الميدان فأبلغنا بصوت مرتفع أنهم قدموا لحماية المتظاهرين، دوت الهتافات في الميدان "الجيش والشعب إيد واحدة"، والغريب أنني توجهت سريعًا إلى مقرِّ مكتب قناة "الجزيرة" لأبلغهم بنزول الجيش؛ حيث كانت الاتصالات مقطوعة، وكان مراسلو القناة ممنوعين من ممارسة عملهم، في الطريق إلى المكتب ومع نزول سيارات الجيش تباعًا من أعلى كوبري 6 أكتوبر تصاعدت الهتافات الجيش والشعب إيد واحدة أيضًا، وعرفت لاحقًا أن الهتاف ذاته تردد في أماكن أخرى في رمسيس والعتبة والمطرية دون سابق ترتيب، لم تمر على دخولي المكتب دقائق حتى فوجئنا بوصول عدة أشخاص من المخابرات ومن وزارة الإعلام لإغلاق المكتب تمامًا، صائحين أن هناك قرارًا من وزير الإعلام بذلك، وظلت "الجزيرة" مغلقة لعدة أيام بعدها كما تمَّ اعتقال زميلنا عبد الفتاح فايد مدير المكتب وبعض العاملين في المكتب، وقد قمت مع زملاء آخرين طوال فترة الـ 18 يومًا بعد ذلك بالتواصل المباشر مع قناتي "الجزيرة" و"الجزيرة مباشر مصر" وعدة قنوات أخرى لإمدادها بتطورات الوضع في الميدان كبديل لمنع مراسلي هذه القنوات من العمل، كنا نعتبر أنفسنا صوتًا للثورة دون مقابل، فهذا أقل ما يمكن أن نقدمه في هذا الموقف.

 

المهم أننا في ليلة 28 يناير وبعد أن استقر المقام للثوار في الميدان، شرع كل فريق وكل مجموعة في نصب خيامها، كانت مجموعات الإخوان تنتشر في عموم الميدان، كل أبناء شعبة أو منطقة معينة يتخذون مكانًا محددًا ويرتبون ورديات للسهر والنوم والحراسة، وحتى الذهاب إلى العمل والعودة إلى الميدان.

 

اتخذت مجموعة الصحفيين منذ اليوم الأول مكانًا لها أمام شركة بنها للإلكترونيات مدخل شارع طلعت حرب؛ حيث كان الصحفيون يتجمعون في المكان، يحاولون مساعدة الصحفيين الأجانب، كما يحاولون التواصل مع الفضائيات لإمدادها بتطورات الوضع في الميدان، وهذا الموقف تم تطويره لاحقًا إلى مركز إعلامي في مقرِّ نقابة الصحفيين تمَّ تخصيص إحدى الغرف بجهازي كمبيوتر، ولا يفوتني في هذا المجال التذكير بشهيد الصحافة الزميل أحمد محمود الذي لقي حتفه يوم 4 فبراير 2011م متأثرًا بطلقات حية أصابه بها ضابط نشرت زوجته صورًا له مؤخرًا، ولا يزال طليقًا يوم 29 يناير، بينما كان يقف في شرفة شقته المواجهة لوزارة الداخلية يلتقط بعض الصور، لقد كانت شهادته إضافة إلى إصابة عدد من الصحفيين بإصابات متفاوتة مصدر إلهام للأسرة الصحفية لتطهر نفسها من أذناب مبارك في وسائل الإعلام، وقد تحقق جزء من ذلك بينما لا تزال المعركة مستمرة مع الباقين، لقد خرجنا بجنازة رمزية لشهيدنا أحمد محمود يوم 8 فبراير2011م انطلاقًا من نقابة الصحفيين، وطفنا بها ميدان التحرير، وخصصنا اليوم في الإذاعة الرئيسية بالميدان لحرية الصحافة، وكان الأخ صلاح عبد المقصود هو الذي يدير الإذاعة في تلك اللحظات، وقد ألقيت كلمة طالبت فيها بمحاكمة صفوت الشريف، وإغلاق المجلس الأعلى للصحافة، وتطهير الصحافة والإعلام الرسمي من رجال مبارك، كما تحدث عدد آخر من الزملاء والزميلات.

 

السلب والنهب مع تبخر الشرطة

في وقت متأخر من ليلة 28 يناير ورغم بدء سريان حظر التجول، قررت العودة إلى المنزل لتغيير ملابسي وإحضار بعض الغيارات، في الطريق سلك بي التاكسي طرقًا متعرجة بسبب إغلاق الشوارع بواسطة اللجان الشعبية التي انتشرت في كلِّ مكان استلهامًا للتجربة التونسية أيضًا، وسنتحدث عنها ببعض التفصيل لاحقًا، في الطريق وجدت ركام سيارات الشرطة المحترقة والمصطفة دون وجود عساكر بها، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعت رجال العادلي أو كأنهم تبخروا تمامًا باستثناء مجموعة وقفت أمام مستشفى الشرطة في العجوزة، تيقنت أن معركة الجيزة لم تكن فريدة من نوعها، فقد كانت هناك أثار معارك مشابهة في أماكن عديدة شاهدتها بنفسي، كما استمعت إلى قصص عن بطولات أخرى في ميادين مختلفة وأهمها المطرية، وفي شارع جامعة الدول العربية كان اللصوص والبلطجية هم سادة الموقف مع اختفاء الشرطة، كانوا قد اقتحموا العديد من المحال والمكاتب، واستولوا على ما فيها من أموال ومنقولات، وحين سألت أحدهم والذي ركب التاكسي إلى جانبي (لم أكن أنا أو سائق التاكسي نستطيع منعه من الركوب) عن المسروقات التي كان يحملها ادعى أن المحل الذي سرقه يتبع أحمد عز سارق قوت الشعب حسب رده، وطلب مني أن أتأكد بنفسي من صحة المعلومة لكن أنَّى لي ذلك، كان اللصوص يجرون في كل مكان حاملين المتعة، ويستوقفون أي سيارة لنقلهم، وكان هذا سببًا إضافيًّا لكثير من الثوار أن يعودوا إلى بيوتهم لبعض الوقت للاطمئنان على ذويهم.

 

اللجان الشعبية.. مخلصون ومنتقمون

لم تكن الثورة في الميدان فقط، فالذين شكلوا لجانًا شعبية لحماية بيوتهم ومناطقهم، والممتلكات العامة هم جزء من الثورة أيضًا، ولكن قلة من هذه اللجان الشعبية أساءت إلى سمعة الأغلبية، لقد كنا نتعرض من هذه القلة إلى معاملة فظة، وكأنهم حلوا مكان أمناء الشرطة ورجال المرور أو أمن الدولة، كانت الأكمنة الشعبية متقاربة جدًّا ربما لا يفصلها سوى بضع أمتار، وكان الكمين التالي يشاهدك وأنت تتعرض للتفتيش لكنه يصر على إعادة التفتيش، ويا ويلك إن رفضت أو تبرمت، كان بعضهم ضد الميدان، ولذلك كانوا يتعاملون بروح انتقامية مع من يعرفون أنهم قادمون منه، وكنا نتعرض للشتائم في أحيان كثيرة، وربما للتطاول بالأيدي، هذه التصرفات الشاذة والانتقامية كانت مسلكًا للبعض وليس لكل اللجان الشعبية، فقد كان آخرون أكثر تعاونًا بل يعتبرون أنفسهم جزءًا أصيلاً من الثورة والميدان؛ حتى إن بعضهم كان يعتمد كلمات سر للمرور مستوحاة من الثورة والميدان مثل 25 على واحد، كان البعض منهم يضخم المخاوف الأمنية ويتحدث عن عصابات في الطريق وعن إطلاق نار، ويحذرك منها لدرجة تصيبك بالرعب، لكن أغلب هذه التحذيرات لم تكن صحيحة، ونحن نلتمس لهم العذر فهم ليسو رجال أمن متخصصين بل مجرد متطوعين أو هواة.

 

لم تستمر اللجان الشعبية كثيرًا في الشوارع بل راحت تتناقص تدريجيًّا، وكان ذلك مبعث سعادة غامرة لأمثالي الذين يقيمون في أماكن بعيدة عن الميدان، كانوا يمرون على عشرات اللجان الشعبية (منها الطيبون ومنها الكارهون) وكان الطريق الذي يستغرق نصف ساعة في الظروف العادية من ميدان التحرير إلى مدينة 6 أكتوبر يستغرق ساعتين أو 3 ساعات بسبب كثرة اللجان وتكرار التفتيش، و"غلاثة" بعض اللجان التي تجبرك على العودة رغم اقترابك من مكان سكنك لتسلك طريقًا آخر أبعد، ولتتعرض في هذا الطريق الآخر ربما لمضايقات مماثلة.

 

في الأيام الأولى للثورة منذ يوم 28 وحتى يوم 2 فبراير وهو يوم معركة الجمل وحتى بعدها بيومين، كنا نشعر أننا في خطر طوال الطريق بسبب الشحن الإعلامي المفرط ضد الثوار والميدان، ولم نكن نشعر بالأمان الكامل إلا حين ندخل الميدان، كان البلطجية يحيطون بأطراف الميدان وكان جزء من هؤلاء ليسو بلطجية بالمعنى الحقيقي بل هم من عمال اليومية الذين يعملون في محلات وسط البلد، وقد أغلقت محالهم وأصبحوا بلا عمل، فكانوا ينتقمون ممن يتهمونهم بالسبب في إغلاق محالهم، وهؤلاء كنا نشفق عليهم ونلتمس لهم العذر، رغم عدوانهم اللفظي والبدني علينا ونحن في طريقنا إلى الميدان أو عائدين منه.

 

الإخوان يذوبون في الميدان

كانت التعليمات مشددة لجموع الإخوان في الميدان أن لا يظهروا هويتهم، وأن لا يرددوا هتافاتهم المعروفة، بل يلتزمون بالهتافات الوطنية والثورية العامة، وأشهد أن شباب الإخوان وشيوخهم ونساءهم التزموا تمامًا بهذا الموقف، وكان ذلك مثار إعجاب الجميع في الميدان، كان الإخوان يشكلون ما يقرب من ربع الميدان، وكانوا في بعض الفترات خصوصًا في الثلث الأخير من الليل يشكلون أكثر من نصفه بعد أن ينصرف الكثيرون إلى بيوتهم ويبقى شباب الإخوان المكلفون بالبقاء في الميدان وفق جدول محدد يحدد لكل منطقة ليالي بعينها للبقاء في الميدان حتى تسلم المهمة لمنطقة أخرى، ولم يكن هذا الأمر بمقدور أحد غير الإخوان، وكان إخفاء الإخوان لهويتهم فرصة للقوى الليبرالية أن تظهر وكأنها صاحبة الكلمة العليا في الميدان عبر هتافاتهم العلمانية، وهو ما صمت عنه الإسلاميون عن قصد في تلك اللحظات بهدف توفير فرص النجاح للثورة، ودحض تهمة النظام للثورة بأنها من صنع الإخوان بهدف استدرار تعاطف الغرب والقوى الكبرى مع النظام.

 

لم يكن أحد يسمح بخروج هتاف إسلامي، كما كانت هناك جهود لتخفيف المظاهر الإسلامية في الميدان، لكن الطابع الإسلامي للشعب المشارك في الثورة لا يمكن إخفاؤه، وقد تجلى ذلك بوضوح في صلاة الجماعة التي كانت تملأ الميدان في كلِّ وقت، وقد علمت لاحقًا أن أحد زعماء الأحزاب الليبرالية طلب من الإخوان منع مظهر صلاة الجماعة في الميدان حفاظًا على الطابع المدني للثورة وحتى لا تصل رسالة سلبية للغرب، وكان رد الإخوان عليه أن الصلاة ليست ملك الإخوان ولا بقرار منهم، وأن المصلين ليسو فقط هم الإخوان بل هم من عموم المصريين الذين لا يمكن لأحد منعهم من الصلاة في جماعة، وقد اكتمل مظهر التدين للشعب المصري بإقامة قداسات الأحد للمسيحيين في الميدان، والتي سنتحدث عنها في مكان آخر.

 

كان البعض يتساءل في الميدان عن سرِّ غياب رموز الإخوان الكبار، خاصة أعضاء مكتب الإرشاد، ولكننا عرفنا أن المكتب كان بمثابة غرفة عمليات في حالة انعقاد دائم على مدى الـ 24 ساعة لمتابعة الموقف لحظة بلحظة، وكان رجال العادلي قد ألقوا القبض ليلة 27 يناير على بعض رؤساء المكاتب الإدارية، وعدد من أعضاء مكتب الإرشاد؛ بهدف شل حركة الجماعة ومنعها من المشاركة يوم 28 يناير (منهم بالمناسبة الدكتور سعد الكتاتني، والدكتور محمد مرسي، والدكتور عصام العريان، والمهندس سعد الحسيني، ومحسن راضي، وسيد نزيلي، وعذرًا لبقية الأسماء)، في ليلة 28 يناير وبينما كان الجميع سعداء بالوصول والاستقرار في ميدان التحرير، وصلت أنباء مزعجة عن تعرض معتقلي الإخوان للتصفية في السجن، ونقلت قناة "الجزيرة" تصريحات صوتية للدكتور محمد مرسي يستغيث فيها من داخل سجن وادي النطرون؛ حيث انتشرت أدخنة قنابل الغاز في عموم السجن، وأنهم يتعرضون للاختناق، وتصل إليهم طلقات الرصاص من كلِّ مكان، كان السجن يتعرض ساعتها للاقتحام من أهالي المسجونين الجنائيين لإطلاقهم، وتعاملت معهم حراسة السجن بالرصاص والقنابل، وقد تمكن البعض من فتح زنازين سجناء الإخوان وإطلاقهم.

 

عرفت لاحقًا من النائب محسن راضي وقد كان أحد هؤلاء المعتقلين أنهم تمكنوا في البداية من إخراج أحد شباب الإخوان المعتقلين عن طريق ربط عدة بطانيات وتكوين ما يشبه الحبل وإلقائها أعلى سور المكان الذي كانوا محتجزين فيه، ومن ثم قام هذا الشباب بالتسلق عبر هذه البطاطين حتى قفز إلى الخارج وتواصل مع بعض السجناء الجنائيين، وحصل منهم على موبايل قام بقذفه إلى الداخل ليحدث التواصل مع الإخوان في الخارج، وقد هرع بعض الإخوان القريبين فعلاً من السجن لإنقاذهم.

 

معركة الجمل وسر الاستبسال

حين ألقى مبارك خطابه الشهير في أول فبراير الذي استدر فيه عطف الشعب عبر حديثه عن عطائه لمصر ورغبته في أن يموت على أرضها ويدفن فيها، تعرضنا في الميدان لضغوط قاسية من ذوينا تطالبنا بالعودة لمنازلنا بعد أن استجاب الرئيس لمطلبنا، وهو عدم ترشحه مرة أخرى، وكذا منع ترشح نجله، وإقالة الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة.. إلخ، لكننا قد نرد عليهم بالهتاف العبقري "موش هنمشي.. هو يمشي"، ولم يمض وقت طويل عقب الخطاب حتى زحفت ميليشيات مبارك وعز والعادلي على ميدان التحرير في الواقعة المشهورة بمعركة الجمل، للأسف الشديد كنت قبل الموقعة بساعات قليلة قد غادرت الميدان مع أبنائي بهدف تغيير ملابسنا، والتخلص من أدراننا التي تجمعت على مدى 4 أيام سابقة بملبس واحد، وقد حرمني ذلك من شرف معركة الجمل التي عشت كل أحداثها عبر الشاشات، وما أسوأها من متابعة، فليس مَن شارك كمَن شاهد، لقد ظننت أن الثورة ستدفن في تلك الليلة، كانت الفضائيات تبث مناظر مرعبة، وقد ساهمت في ذلك برامج بعض الفضائيات المصرية الخاصة التي ترتدي مسوح الثورة الآن، ومنها برنامج العاشرة مساء الذي اتهم مراسله في التحرير محمد حلمي الثوار بخلع أحجار قاعدة تمثال الشهيد عبد المنعم رياض لقذفها على الفريق الآخر (الذي هو البلطجية والمعتدين) وكانت المذيعة منى الشاذلي تبدي تفاعلاً كبيرًا مع المراسل لدرجة بدت وكأنها تقدم بلاغًا للمجلس العسكري ضد الثوار الذين ينتهكون حرمة رمز العسكرية المصرية عبد المنعم رياض.

 

لم أكن أستطيع العودة إلى الميدان ليلة معركة الجمل؛ بسبب حظر التجول، لكنني عدت صبيحة اليوم التالي، وقد نزلت من "المكروباص" فوق كوبري 6 أكتوبر أعلى ميدان عبد المنعم رياض؛ حيث لم يتمكن من السير أكثر من ذلك بسبب ضراوة المواجهات يوم الخميس 3 فبراير، بعد حيرة وتردد في طريقة الوصول إلى الميدان الذي كان يحاصره البلطجية، قررت النزول من سلم الكوبري، ووجدت نفسي مباشرة وسط البلطجية الذين يخوضون معركة شرسة بالحجارة مع الثوار على الرصيف الملاصق للمتحف المصري، تظاهرت أنني واحد منهم كنت أكر وأفر معهم جيئة وذهابًا حتى أتجنب ضررهم، وما إن هدأت المواجهات لثواني معدودة حتى أسرعت "طيران" إلى الجانب الآخر حيث الثوار الذين التقطوني بشك بسبب قدومي من جانب البلطجية لكنني ذكرت لهم اسمي وعملي فعرفني بعضهم وقبلني.

 

كان الميدان في حالة استنفار كامل، استمعت من بعض الإخوة والزملاء قصص الليلة السابقة وبطولات الكثيرين، ومنهم بعض الرموز مثل صفوت حجازي، ومحمد البلتاجي في قيادة المعركة، كان زملائي الصحفيين اليساريين والناصريين يسألونني لاحقًا عن سر استبسال الإخوان ليلة معركة الجمل بطريقة لم يعهدوها من قبل "حسب تعبيرهم" وكنت أرد عليهم أن المعركة بالنسبة للإخوان كانت "قاتل أو مقتول" فإما أن يجهزوا على المعتدين البلطجية حتى تستمر الثورة ويستمروا في الميدان مع بقية الثوار، وإما أن ينتصر البلطجية وفي هذه الحالة تموت الثورة، وتعلق رءوس الإخوان في أعمدة ميدان التحرير.

 

كانت الائتلافات الشبابية قد تجمعت في ائتلاف شباب الثورة بشكل رئيسي، وقد ضمت ممثلين لمعظم الائتلافات الرئيسية بما فيها شباب الإخوان، وقد أقام الائتلاف منصة إذاعة رئيسية ساهم فيها بالجهد الأكبر الإخوان، وكانت بمثابة الإذاعة الرئيسية للميدان التي يقصدها كبار الساسة والثوار للتحدث من خلالها بالرغم من إنشاء إذاعات أخرى لاحقًا لحركات سياسية مختلفة.

 

قداسات المسيحيين بمشاركة الإسلاميين

كان الميدان بمثابة المدينة الفاضلة التي حلم بها فلاسفة كبار من قبل، جمع كل أطياف الشعب في بوتقة واحدة، المسلم إلى جانب المسيحي، والشاب إلى جانب الشيخ، والمرأة إلى جانب الرجل، غابت الحساسيات المعهودة، وتوحد الجميع لهدف واحد، هو إسقاط النظام، كانت لحظة تاريخية حين تقرر أن يتم إقامة قداس للمسيحيين صبيحة يوم الأحد، احتشد الآلاف ومعظمهم من المسلمين أمام الإذاعة الرئيسية لمشاركة المسيحيين في قداسهم، وراحوا يرددون جميعًا ترنيمة "بارك بلادي يا سامع الصلاة من كل البشر"؛ حيث قاد أول قداس على ما أتذكر القس الدكتور إيهاب الخراط من كنيسة قصر الدوبارة، التي شاركت فرقتها في تقديم الترانيم، وأصبحت جزءًا من الميدان بعد ذلك، ومن اللقطات التي لا أنساها في هذا المجال لافتة رفعها أحد الشباب كتب فيها "اسمي مايكل وجئت إلى هنا للمشاركة رغم قرار البابا بحظر المشاركة"، وكانت حالة هذا الشاب تعكس حالة عشرات بل مئات الشباب المسيحيين الذين شاركوا في الثورة، تكررت القداسات بعد ذلك بقيادة كهنة أرثوذكس وفدوا إلى الميدان لاحقًا بعد غياب مقصود، وأصبحت تلك القداسات جزءًا أساسيًّا من طقوس الميدان، وهي المرة الأولى ربما في تاريخ الأقباط الحديث والمعاصر التي تقام فيها قداسات في ميادين عامة ويشارك فيها مسلمون.

 

برد هذا الشتاء خصوصًا في شهر يناير الذي عانينا ومازلنا نعاني منه، يؤكد أن ثورتنا كانت ثورة ربانية فعلاً، فقد كان الجو دافئًا أو هكذا شعرنا ونحن في الميدان، كنا نقضي الليل كله أو معظمه دون غطاء رغم أننا نلتحف الآن بأكثر من بطانية لنواجه الصقيع، الخيام كانت بدائية بسيطة لا تقي من برد إلا قليلاً، والأغطية كانت غير كافية، كنت كلما شعرت ببرد شديد ألجأ إلى نقابة الصحفيين القريبة من المكان لأنام مع آخرين في مسجدها الذي تحول إلى لوكاندة ليلاً، كما كان مسجد عمر مكرم لوكاندة هو أيضًا.

 

كانت معركة الجمل بمثابة يوم الفرقان للثورة، إذ استقبل الميدان بعدها حشودًا أكبر من المصريين الذين كان بعضهم متخوفون من قبل، ولكن مخاوفهم زالت بعد اندحار الغزاة يوم معركة الجمل، ولذلك كنا نقول في الميدان لا يستوي من شارك في الميدان قبل معركة الجمل ومن شارك بعدها استلهامًا للآية الكريمة (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: من الآية 10)، عاد الإنترنت الذي قطع منذ 28 يناير، وبدأ الكثير من رموز القوى السياسية المعارضة يفدون إلى الميدان، إما لمشاركة الثوار أو حتى لإقناعهم بالرضا بما تحقق، خصوصا بعد الحوارات الصورية لعمر سليمان نائب الرئيس مع بعض القوى المعارضة، وبهذه المناسبة أتذكر أنه حين شارك الإخوان في الحوار بحضور الدكتور محمد مرسي والدكتور سعد الكتاتني امتعض شباب الإخوان في الميدان، وتعرضوا لانتقادات من شباب القوى الأخرى لكنهم كانوا مصرين على البقاء في الميدان حتى يسقط النظام، كانت بعض الرموز السياسية تفد إلى الميدان لإقناع المعتصمين بترك الميدان مع توفير خروج آمن لهم لكن الرفض كان هو الموقف الثابت للميدان، ومن الغريب أنني شاهدت أحد هذه الرموز السياسية الكبرى الذي يشغل موقع نائب رئيس حزب ونقيب إحدى النقابات يوم حامت طائرات الهليكوبتر فوق الميدان ينسحب بهدوء من الميدان، في حين كان الثوار يهتفون ساعتها "حسني اتجنن".

 

خطاب التفويض ومحاصرة القصر

مرت الأيام حتى وصلنا إلى يوم الخميس 10 فبراير؛ حيث ألقى مبارك خطابه الأخير الذي نقل السلطة صوريًّا لعمر سليمان لكنه راح يؤكد في الخطاب أنه سيظل يتابع الموقف بمعنى أنه سيظل رئيسًا وهو ما أثار ردًّا غاضبًا من الثوار الذي رفعوا أحذيتهم بمجرد انتهاء اللقاء، لقد وقع الكثيرون مغشيًّا عليهم بعد انتهاء الخطاب، كنت مع آخرين نحاول تهدئة المنهارين والباكين من الخطاب، رغم أننا كنا نحمل مشاعرهم ذاتها، وبينما جلس البعض يبكي أو يخطط لليوم التالي، وبينما كنا نتباحث في فكرة الذهاب إلى قصر العروبة لمحاصرته، وهي الفكرة التي ظلت مرفوضة طيلة الأيام السابقة حرصًا على سلمية الثورة، وتجنبًا للصدام مع الحرس الجمهوري، كان حشد كبير من الشباب معظمهم تحت العشرين (بينهم ابني الأصغر عبد الرحمن) قد تحركوا بالفعل إلى قصر العروبة، وهناك قامت قوات الجيش بمعاملتهم معاملة طيبة، ووزعوا عليهم بعض المشروبات، وقاموا بتوفير حافلات لإعادتهم إلى التحرير أو إلى المكان الذي يرغبون، مضت علينا تلك الليلة من أصعب الليالي حتى أصبح الجمعة 11 فبراير، وكانت تسمى جمعة الخلاص؛ حيث اعتدنا إطلاق اسم محدد على كل جمعة، كان الميدان في هذا اليوم قد امتلأ عن آخره حتى لا تجد فيه مكانًا لقدم، وساحت الحشود حتى ملأت منطقة ميدان عبد المنعم رياض، بينما كانت المنطقة المقابلة لمبنى التليفزيون تكتظ هي أيضا بآلاف المتظاهرين، هنا تحرك بعض الشباب بعفوية نحو قصر العروبة، وجدت نفسي أتحرك معهم بعفوية ودون نقاش، قطعنا مسافة أكثر من 20 كيلو متر مشيًا على الأقدام لم يتخللها إلا راحة واحدة لتجميع المتظاهرين الذين تقاطروا من ميدان التحرير وحتى قصر العروبة مرورًا بالعباسية، بعد أن وصلنا إلى القصر بوقت قليل مع حلول المغرب جاءتنا البشرى السارة بمغادرة مبارك القصر، كنا نعرف أن طائرات تحركت ظهر ذلك اليوم من القصر لكننا لم نكن نعرف من كانوا على متنها، سجدنا لله شكرًا وانطلقت الهتافات الشعب خلاص أسقط النظام، والتي تمَّ تعديلها فورًا إلى "الله وحده أسقط النظام"، وذلك اقتناعًا من الثوار أن تحركاتهم وحدها لم تكن لتنجح في خلع ذلك الطاغية الجبار، عدنا إلى ميدان التحرير عبر طرق مختلفة ووسائل مواصلات متنوعة، وقد عدت شخصيًّا بالمترو الذي كان يعمل في تلك الليلة مجانًا منضمًا للثورة حتى في صافرات التنبيه التي يطلقها بشكل احتفالي، كانت كل مصر ترقص فرحًا، خرج كل المواطنون إلى الشوارع للابتهاج بهذا النصر والحمد لله رب العالمين.