رجل الشارع البسيط أمره كله يثير العجب. ففي فكره وعقيدته عجب، وفي شأنه وقَدْره عجب، وفي مواقفه عجب، وفي عمله عجب.

 

حين ينأى المرء عن التسييس وتزيين الثقافات يعود إلى فطرته التي فطره الله عليها، فترى الإيمانَ- بالواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كُفُواً أحد- يستقر في قلبه، ومن هنا جاءت الدعوة: "اللهم إيمانًا كإيمان العامة".

 

ألم يُخْرِجْ مِثْلُ هذا الإيمان من قلبِ ابْنَةِ بائعة اللبن: "إن كان عمر لا يرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا"؟ ألم تسرِ هذه العبارة في وجدان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حين سمعها وهو يستريح بجانب جدارٍ في جوف الليل أثناء تجواله التفقدي لأحوال المسلمين؟ فما كان منه– رضي الله عنه– إلا أن أرسل في الصباح ليستطلع في أمر هذه المرأة، فلما علم أن ابنتها ليس لها زوجٌ جمع أولاده وحَثَّ أن يتقدم أَحَدُهم للزواج منها، فإن عزفوا فليكن هو المُتَقَدم فذلك كنزٌ عظيمٌ وخيرٌ كثيرٌ لا يَفُوت آل ابن الخطاب.

 

فكانت الجارية من نصيب عاصم، وأثمرت الأعوام فارسًا ساد العرب وغير العرب، خليفةً راشدًا يُهْدَى لأُمَّةِ الإيمان لتسعد في سعيها، رضي الله عن عمر الجد وعن عمر بن عبد العزيز الحفيد.

 

وأمام موقفٍ كهذا يَحار الفكر: أذلك فرطٌ في حَدَس وفراسة ابن الخطاب جعله يرى صدق الإيمان خلال كلماتٍ تبدو عابرة؟ أم فيض إيمانٍ في قلب الجارية جعل اليقين به يأسر عقل السامع؟ أم هو سريانٌ رباني بين الأرواح التي تعارفت فتآلفت؟ أم هي العظمة التي يهبها الله للخيار من عباده لتصنع الأحداث؟ أم أنه جماع ذلك كله؟ والأخير هو الأغلب.

 

وأما عن شأن رجل الشارع فهو عظيم؛ ألم يعاتب رب العباد رسوله الكريم– صلى الله عليه وسلم– في عبسةٍ في وجه رجل من العوام؟ والأدهى أنها لم تبلغ المُعَاتَب فيه! حيث حال فقد بصره دون أن يراها.

 

ألم يسمع الله– عز وجل– من فوق سبع سماوات لامرأةٍ من الفقراء تشتكي زوجها؟ ألم يقل رسول الإنسانية الكريم– صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره"؟!
ألم تقف عجوز على ظهر الطريق تعنف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب– صاحب البأس والهيبة، والناس معه- تذكره بتقوى الله، وقد حبسته عن رجالات قريش.. ذلك لأنها قد عرفت شأن نفسها، وهو أحق– كما قال رضي الله عنه- أن يسمع لها.

 

ولقد أدرك العظماء الأوائل أن في رجل الشارع قُرْبة الحاكم، ومن ولي أمرًا من أمور الناس، إلى الله؛ إن أحسنوا فيه نجوا وإن أساءوا هلكوا؛ ألم يُعلِن الخليفة الراشد أبو بكر الصديق –رضي الله عنه– الحرب على مانعي حقوق الفقراء من زكاةٍ وصدقاتٍ؟ فكان الإسلام أول نظامٍ يُحارِب في سبيل الفقراء والضعفاء. لقد عزم رضي الله عنه على أن يقود الحرب بنفسه إلا أنه منعه– في زمنٍ كانت تُقَدَر فيه الرجال- أن تكون مصيبة الأمة فيه، حيث وقف على رأي أصحاب الحِكْمَة من حوله.

 

ألم يقل عمر بن الخطاب: لو أن بغلةً عثرت في العراق لسألني الله عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق؟ ألم يرتعد– رضي الله عنه– حين سمع بكاء صِبْيةٍ جوعى في رعيته؟ فسارع إلى بيت المال ليحمل لهم الزاد على ظهره صارخًا في من أراد أن يحمل عن أمير المؤمنين: أتحمل أوزاري عني يوم القيامة؟!

 

إنها صرخةٌ تعدت إلى كل ولي أمر يأتي من بعده قائلةً: ها أنا الفاروق، أنا صاحب رسول الله، أنا الذي أحببته ولازمته فأخذت عنه ففهمت ووعيت وعملت حتى رضي عني واستحسن فعلي، أقولها لكم: احملوا حاجيات رعاياكم على ظهوركم إليهم قبل أن تُحَمَّل الذنوب على كواهلكم.

 

والأمثلة في شأن وقدر العوام والبسطاء في مرجعيتنا الإسلامية كثيرة، إلا أن ما ورد فيه الكفاية، بل يزيد.

 

تتجلى النخوة والمروءة بوضوح عند رجل الشارع؛ ففي الوقت الذي تجد من يبتعد حتى لا تتعفر بدلته بذرات غبار، تجد رجل الشارع يغمس يديه في التراب ليُعين المُحتاج، بل ربما تُدْمَى يداه، ثم هو الذي يقدم العذر!

 

ورجل الشارع البسيط هو صاحب اليد التي تزرع لتُطْعَمَ الأفواه، وصاحب اليد التي تبني ليُؤى الناس، وصاحب اليد التي تصنع لتُؤَمَّن الحاجات، وصاحب اليد التي تحمل السلاح في الميدان لتحمي الأرض والعرض، وصاحب اليد التي قَبَّلَها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

إن ما تقدم لا يمكن تعميمه على كل العوام، ولكنه حال الكثير.. نعم، قد تجد أحيانًا عدم التنميق في تصرفات رجل الشارع لكن باليسير من التوجيه يُضبَط الإيقاع. وقد تجد أيضًا ما يوجب الضبط والحسم.

 

لقد كان للبسطاء دورٌ كبيرٌ في الثورة المصرية؛ طالعتنا إحدى الفضائيات بحديث لامرأةٍ- بسيطة في مظهرها وفي ثيابها- إبان الأيام الأولى للثورة، تقول فيه إنها لن تغادر ميدان التحرير حتى يسقط النظام، وإنها تُريد الشهادة، كان حقًّا مشهدًا إيمانيًّا رائعًا يقول: إن ابنة بائعة اللبن لن تموت في أمة محمد، ما طلعت على الأرض شمس.

 

ولا يخفى دور رجال الشارع في صد أمن النظام البائد والذَّب عن المعتصمين، خاصة "الأفندية" منهم. وكان لعربة الكشري دورٌ في تأمين حاجات المعتصمين الغذائية، لقد تقدم صاحبها دافعًا بروحه كسائر من في الميدان إلا أنه زاد بالمغامرة برأس ماله المُمَثَّل في هذه العربة، ولا يمنع ذلك أنه جاء أيضًا لطلب الرزق عند مزاحمة الأقدام، وهو كذلك أمرٌ محمود.

 

إنني أتطلع لليوم الذي يأخذ فيه رجل الشارع حق قدره، ويتم الاهتمام بشئونه من صحةٍ وتعليمٍ وتثقيفٍ وتلبية جميع الحاجات، وأن يتم الاستفادة من جهوده واستثمار طاقاته على الوجه الأمثل، وأن يدرك جميع المسئولين أن فيه قربةً إلى الله، حينها ستكون مِصْرنا الحبيبة على مشارف الدولة الكبرى بإذن الله.