الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن ولاه وبعد، بدايةً نقدم التهنئة إلى هذا الشعب العظيم الذي نجح بامتياز في أول تجربة ديمقراطية حقيقية بعد الثورة المباركة، ونرجع الفضل في ذلك إلى الله وحده، فهو الذي يطبق قانونه وقتما شاء وأينما شاء وكيفما شاء وعلى من شاء؛ فالأرض أرضه يورثها من يشاء من عباده: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)) (الأنبياء)، (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)) (الأعراف)، (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)) (الدخان).

 

والملك ملكه يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) (آل عمران: من الآية 26).

 

ولا يحدث في كونه إلا ما يريد، وقد أراد كل ما حدث فكانت إرادته نافذة: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) (القصص).

 

ووعده صدق لا كذب فيه، حق لا باطل معه: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: من الآية 55).

 

لهذا كله كان الرجوع إليه عقب كل انتصار أمرًا ضروريًّا: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)) (النصر).

 

وهذا منهج القرآن الكريم في مثل هذه الأحوال، أن يرد الأمر كله لله، وأن يذكر الناس بفضل الله عليهم فيما حققوه؛ ففي أعقاب غزوة بدر يأتي التذكير: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(26)) (الأنفال).

 

وفي أعقاب غزوة الأحزاب يأتي التذكير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)) (الأحزاب).

 

وفي أعقاب غزوة بني النضير يأتي التذكير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) (المائدة: من الآية 11).

 

وبعد يوم الحديبية يأتي التذكير: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (الفتح).

 

من هنا كان لزامًا على كل من مكنه الله في أمر ما أن ينتبه، فليس هذا التمكين إلا تكليفًا من الله؛ ليختبر فيه الناس: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)) (الأعراف)، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)) (يونس)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (الأنعام: من الآية 165).

 

فلتذكروا أيها المبتلون بهذا الأمر أنكم في اختبار عظيم، وفي أمر جسيم فأروا الله من أنفسكم خيرًا، وكونوا على قدر المسئولية، وخذوا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رسائل لعلها تنفعكم فيما أنتم فيه.

 

الرسالة الأولى من غزوة بدر: اطلبوا النصيحة واقبلوها على أي وجه:

فعلى الرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3)) (النجم) إلا أنه أصر -حين علم بمسير المشركين إليه- على أن يسمع من كل الأطراف، فاستشار الناسَ، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر رضي الله عنه، فقال فأحسن. ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض إلى حيث أمرك الله، فنحن معك.. والله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24))، (المائدة)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق، لئن سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد- يعني: مدينة الحبشة (5)- لجالدنا معك مَن دونه حتى تبلغه! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرًا"، ثم دعا له بخيرٍ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليّ أيها الناس"!.

 

فلو كان لأحد أن يترك المشورة وطلب النصح لكان النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه فعل ذلك ليعلمنا ضرورة السماع للآخرين، مهما بلغت خبرتنا ومهارتنا، وقبيل المعركة يشير عليه الحباب بن المنذر بموقع أفضل من الموقع الذي اختاره صلى الله عليه وسلم، فينزل عن رأيه إلى رأي جنديه، ثم يشير عليه سعد بن معاذ بأن يبقى بعيدًا عن ميدان المعركة، قائلاً: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا تَكُونُ فِيهِ، ونُنِيخ إِلَيْكَ رَكَائِبَكَ، وَنَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَعَزَّنَا فذاك ما نحب، فقال: وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فتَجلسَ عَلَى رَكَائِبِكَ، وَتَلْحَقْ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ-وَاللَّهِ- تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بأشدَّ لَكَ حُبًّا مِنْهُمْ، لَوْ عَلِمُوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، وَيُوادُّونَكَ وَيَنْصُرُونَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ. فبُنِيَ لَهُ عَرِيشٌ). فاطلبوا النصح ممن حولكم ولا تستنكفوا عن قبول آراء تخالف آراءكم ما دام الحق فيها أوضح وأبين.

 

الرسالة الثانية من غزوة أحد: لا تتركوا أماكنكم وتهتموا بجمع الغنائم؛ فالعدو لا يزال في الميدان:

 

إن الخطأ الذي سبَّب انكسارة المسلمين كلهم يوم أحد، كان أن ترك فريق الرماة مكانه واهتم بجمع الغنيمة، ولم يلتفت إلى توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم له: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا، فَلا تَشْرَكُونَا"، ونسوا أن العدو لما يترك الميدان، فلما تركوا أماكنهم التفَّ العدو فاحتلها، وكانت الهزيمة.

 

وإن الناس الذين اختاروكم وكلفوكم بهذه المهمة، بنوا اختيارهم على ما قدمتموه لهم في السابق، فأنتم عندهم في مكان مكين، فلا تتركوا هذا المكان (من خدمة الناس وقضاء حوائجهم والنظر في مصالحهم العامة والخاصة) وتهتموا بجمع الدنيا، وإلا فاحذروا أن يأخذ غيركم مكانكم بين الناس، فتكون الانكسارة، وتكون الهزيمة.

 

الرسالة الثالثة- من غزوة الأحزاب-: لا تضعوا السلاح؛ فالحرب لم تنته بعد:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الخَنْدَقِ، وَوَضَعَ السِّلاَحَ وَاغْتَسَلَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ: "قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَاهُ، فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ قَالَ: فَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: هَا هُنَا، وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ" صحيح البخاري (5/ 111).

 

قد يظن الكثير من الناس أن الوصول إلى مكان القيادة مدعاةً للراحة، وأن رجوع العدو بعد الجولة الأولى علامة على انتهاء الحرب!! وهذا وهم كبير؛ لأن الوصولَ إلى القيادة يزيد الأعباء ويثقل الكواهل، فلا تظنوا أيها المبتلون أنكم في نزهة أو في مغنم، فالحرب لم تنته بعد!! الحرب على البطالة، والسرقة والبلطجة، ومشاكل التعليم والصحة والاقتصاد والسلاح، والعنوسة... ووو. فلا راحة لكم، ولا تضعوا السلاح حتى تضع الحرب أوزارها.

 

والرسالة الرابعة– من فتح مكة- تواضعوا لله فهو صاحب الفضل وحده:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ- وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ" صحيح مسلم (2/ 990)، وهو واضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن رأسه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح.

 

ولما قال سعد بن عبادة: اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ.. فَقَالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ" قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالحَجُونِ صحيح البخاري (5 / 147).

 

فاعلموا أن ما أنتم فيه من مكانة، ليس عن قوتكم، بل هو من فضل الله وحده فاعرفوا لله حقه وفضله، ولا تغرنكم أنفسكم، فتنسوا ربكم!؛ فتعودوا خاسرين.

 

والرسالة الخامسة- من غزوة حنين-: لا تغتروا بكثرتكم؛ فالنصر من عند الله:

لما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتال هوازن، خرج في اثني عشر ألفًا من أصحابه، وكان هذا أكبر جيش اجتمع للمسلمين حتى هذا اليوم، وبدت على وجوه الكثير من أفراد الجيش نظرات ثقة– ليست في الله- بل في العدد، وهنا كانت عين الصديق ترقبهم، وأذنه تسمعهم، فتنبأ بالهزيمة قبل حدوثها وقال: "لن نهزم اليوم من قلة" كأنه رضي الله عنه تأكد أنهم سيهزمون، لكن بسبب آخر غير العدد فهم كثييييير، إلا أن ثقتهم بالعدد كانت أكبر من ثقتهم بالله، فلُقنوا درسًا لم ينسوه (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (التوبة: 25، 26).

 

وإن النسبة الكبيرة التي حققها التيار الإسلامي (47%) للإخوان وحدهم، هي أكبر نسبة حققها التيار الإسلامي في البرلمان المصري على مدار تاريخه، فهل تغترون بكثرتكم وتكون ثقتكم بها– في اتخاذ القرارات والاعتراض عليها وسن القوانين وكل ما تقومون به من أعمال- أكثر من ثقتكم بالله وركونكم إليه؟!!!

 

والرسالة السادسة- من غزوة مؤتة- ليس المهم مَن يرفعُ الراية بل المهم أن تُرفعَ الراية:

يوم مؤتة عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية وقال: اللواء لزيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون من بينهم رجلاً.. فلما قتل عبد الله بن رواحة أخذ الراية أَبِو الْيَسَرِ الْأَنْصَارِيِّ " قَالَ فدَفَعْتُ الرَّايَةَ إِلَى ثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ لَمَّا أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَدَفَعَهَا إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَقَالَ لَهُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْقِتَالِ مِنِّي" فتح الباري لابن حجر (7/ 512)، فليس المهم من يحل المشاكل، بل المهم أن تُحل، وليس المهم من يقود مصر إلى النهضة بل المهم أن تحدث فيها نهضة، وهذه مهمتكم الكبرى.

 

والرسالة الأخيرة- من غزوة تبوك- لا تقعدوا؛ فلا عذر للقاعدين:

ما أشبه الليلة بالبارحة، ففي أصعب الظروف والأيام ينادي النبي صلى الله عليه وسلم بتجهيز جيش للدفاع عن المدينة، ولا يقبل عذرًا لمعتذر، إلا من علم نفاقه، حتى عاتبه القرآن في ذلك، ونزلت سورة كاملة–سورة براءة- تفضح المنافقين القاعدين عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم ومواجهة الشدة معه!!

 

وفي أصعب الظروف التي تمر بها مصر في العصر الحديث تدخلون يا نواب مصر في صراع كبير مع كم ضخم من المشكلات، ليس لكم أن تتركوها، ولا أن تعتذروا عنها بعدما حملتم راية الإصلاح، ولا أن تكسلوا في معالجتها والتصدي لها مهما كثرت وتعقدت، لأنكم كنتم على علم بها قبل أن تعلنوا تصديكم لها، ولأنكم عاهدتم الناس على برنامج إصلاحي شامل لهذا البلد.

 

فأوفوا بما عاهدتم، وإلا فأنتم ممن قال الله فيهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (التوبة).

 

فاتقوا الله فيما أنتم فيه وتذكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" صحيح مسلم (4 / 2098)
أعانكم الله وقوى ظهوركم وجمع على الحق كلمتكم، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله.

 

-------------

* مدرس التفسير وعلوم القرآن- كلية الدراسات الإسلامية- جامعة الأزهر