من المتفق عليه بين العلماء والمصلحين أن تصحيح الأفكار المُعْوَجَّة والمفاهيم المغلوطة، وتصويب منهج النظر والعمل هو الأساس التمكين لكلِّ إصلاحٍ يُرْتَجَى، والمطلوب الأول لكل تغيير للأحسن والأفضل يُبْتَغَى، ومن غير المعقول أن يستقيم العمل على منهج سليم في ذات الوقت الذي يكون فيه الفكر غير مستقيم؛ إذ كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟؟!!.

 

فمن ساء تصوره لأمرٍ من الأمور فالمتوقع أن يسوء سلوكه في شأنه؛ لأن السلوك ناتجٌ عن التصور، وإذا أردت- أخي الحبيب- أن تعرف حجم الجهد المطلوب في علاج الخلل في الفكر بالمقارنة بالجهد المطلوب في علاج الخلل في السلوك، فتفكر بهدوء في الفرق بين إنسانٍ لا يصلي؛ رفضًا للصلاة وإنكارًا لفرضيتها، واستخفافًا بأعمالها، واعتبارها حركات لا معنى لها، ولا قيمة، وإنسانٍ آخر لا يصلي تكاسلاً وإهمالاً وانشغالاً بالمباريات والأفلام والتوسع في التجارات عنها، مع الاعتراف بتقصيره فيها كواجب من الواجبات الأصلية على المسلم والمسلمة، فالأول عنده خلل في الأفكار والمعتقدات، لا يتصور أن يبرأ منه إلا باستئصال هذا الورم السرطاني الذي ينتشر في عقله وفؤاده، ومن المتوقع أن تحدث مقاومة شرسة من هذه الأورام عند الشروع في محاولة الاستئصال.

 

وأما الثاني.. فالخلل عنده موجود، ولا شك، ولكنه خلل في السلوك، يحتاج للسلامة منه إلى بعض المضادات الحيوية القوية، وقد يقتضي الأمر إعطاءه بعض الحقن التي يتألم عند تعاطيها، أو حتى إدخاله إلى غرفة العناية المركزة فترة زمنية تطول أو تقصر، حتى يَتعَّود على أخذ الدواء بانتظام في المواعيد المحددة، وعلى تناول الطعام غير الملوث، وشم الهواء النقي، وحتى نؤمنه من مشاكل الاحتكاك بالآخرين؛ ممن قد يحملون بين جنباتهم الميكروبات والفيروسات المُعْدِيَة، وانطلاقًا من هذا أرى أن الحاجة ظاهرة للنزول للساحة الفكرية، لبيان الصالح من الطالح من الأفكار التي تعج بها هذه الساحة، في هذه الأيام، رغبة في الإبقاء على الصالح ومناصرته بتوسيع دائرة المؤمنين بها، والتخلص من الطالح، أو على الأقل تقليل دائرة المتمسكين به، وهو ما كتبته في مقالة طويلة، ولكني رأيت أن أنشرها على حلقات قصيرة أفضل؛ لعل الفائدة تكون منها أعظم، والتركيز فيما تتضمنه يكون أعلى، وحتى يكون مجال النقاش والتناصح فيما يترتب على الاطلاع على هذه الكتابات بين الإخوة القارئين أكبر، راجيًا من الله الكبير المتعالي أن يفتح لهذا الحديث قلوب عباده المسلمين، وينير به عقولهم.

 

وأنا آمل من إخواننا في الله تعالى أن يخصِّصوا طرفًا من الحوارات التي تدور بينهم حول هذه المعاني، وما تتطلبه من أمور عملية، وواجبات تطبيقية؛ حتى نسهم مساهمة عملية في بناء مصرنا الحبيبة على أساسٍ متينٍ، وأنا أترقب من حضراتكم مساهمة جادة في هذه الحلقات ببيان تصوراتكم واقتراحاتكم حول الأفكار التي تحتاج إلى تصويب، وسبل تصويبها من وجهة نظركم، لعلنا ننتهي في نهاية هذه الحلقات إلى خريطة طريق نتناصح بها، ونتواصى مع إخواننا وأخواتنا بتطبيقها، كما أنني أرجو من حضراتكم مشاركة أحبابكم وزملائكم في هذه الحلقات، حتى تعم المنفعة، ولربما تستضيف معنا أخًا لك ما كان يتابع مقالاتنا، فينطقه الله تعالى بفكرة أو نصيحة تكون سببًا في سعادتنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة، والله المستعان وعليه التكلان.

 

المحطة الأولى في معركة تصحيح الأفكار!!

هناك أقوام من المسلمين ينظرون في واقع المصريين، ويرون أن الخرق فيه قد اتسع على الراقع؛ فساد كبير، وخلل عظيم في كلِّ مناحي الحياة، على المستوى الفردي والأسري، والمجتمعي والمؤسسي، وفي المجال الأخلاقي والأمني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والإعلامي، ولذلك فهم يحسبون أن صلاح الحال وتغير الأمور إلى الأحسن والأفضل لا يمكن حصوله إلا بمعجزة خارقة، أي بعمل إلهي فوق طاقات البشر، فهم كالذي ينام في بيته وهو يأمل إذا ما استيقظ في الصباح أن يجد الحال المُعْوَجَّ وقد تغير، فيصبح وهو يرى الناس قد استقامت سلوكياتهم الفاسدة، ويجد العدل وقد ساد، والفضيلة وقد احتُرِمَت، والأمن قد عاد، والرخاء قد عمَّ، وهذا الفهم خاطئ، والسبب في عدم صحة هذا التفكير أن زمن المعجزات والخوارق قد انتهى بالرسالة الخاتمة، والقرآن صريح في أن الله تعالى لا يغير ما بنا إلا بعد مقدمة نفعلها نحن، وهي أن نغير ما بأنفسنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11).

 

وليس ما بثيابنا وشكلنا الخارجي، ولا حتى بتغيير نظام الحكم فينا، وحياته صلى الله عليه وسلم ظاهرة الدلالة على هذا المعنى، فالهجرة النبوية احتاجت لتنجح إلى الأخذ بالأسباب وبذل للمقدمات، وهكذا الغزوات وفك الحصار عن المدينة في الخندق وغيرها، فلم يجلس صلى الله عليه وسلم يترقب الخارقة من السماء، واضعًا يديه على خديه!!، بل إنه حتى لم يكتف بالجلوس في المسجد ليصلي ويدعو ويسبح في الوقت الذي يحاصر فيه المشركون المدينة، وإنما وقف صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم يحرسون الخندق في دوريات نهارية وليلية لا تتوقف، حتى شغل بالقتال والدفاع عن الصلاة في المواعيد المحددة.

 

وأخشى ما أخشاه أن يكون أصحاب هذا التفكير مدفوعين إليه بدافع البحث عن مبرر لتقصيرهم فيما يجب عليهم من واجبات وتكاليف في هذه المرحلة المهمة التي تمر بها مصر، فهم علموا أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، والأرض لا تنبت من غير بذر، والنجاح لا ينال من غير مذاكرة وتعب، والصعود إلى القمة يقتضي تحمل عناء تسلق الجبال ومواجهة خطر السقوط، لكنهم في الوقت ذاته يعلمون أن الوصول إلى الذهب واستخراجه من باطن الأرض يقتضي الاستيقاظ مبكرًا وبذل الجهد العظيم، فضلاً عن ضرورة التغلب على عوائد كثيرة اعتادوها في النوم الكثير، والأكل الكثير، واللهو الكثير، وقتل الوقت في غير عمل نافع أو عائد مفيد لهم ولأمتهم، وبناءً عليه؛ فقد أدرك إخواننا أن تغيير ما بالنفس وقد اشترطه الله تعالى علينا ليصلح أحوالنا، لا يتم بالأماني الفارغة، أو بمجرد الكلام، أو حتى إبداء الرغبة في هذا التغيير، فلما رأوا ذلك وأيقنوا أن لا سبيل أمامهم للوصول إلى الإصلاح المنشود إلا بالشروع الحقيقي في التخلص من الأخطاء التي يقعون فيها- هم أنفسهم، وليس الحكومة أو الآخرين- صباح مساء في أقوالهم وأفعالهم ووظيفتهم وفي تعاملهم مع ربهم، ومع أنفسهم، ومع أهليهم وجيرانهم، وفي وظائفهم، عندها وفقط أوحى لهم شيطانهم بهذه الفكرة؛ أعني فكرة أن الإصلاح يحتاج إلى معجزة فوق طاقة البشر؛ حتى يستمروا فيما هم فيه من خلل يرضيه عنهم، ويجعلهم يسيرون في ركابه، ولا يبدأ كل واحد منهم بإصلاح نفسه إصلاحًا حقيقيًّا.

 

أيها الأحباب؛ من كان صادقًا في رغبته في إصلاح مصر وتغييرها للأحسن والأفضل، فليبدأ من هذه اللحظة في إصلاح نفسه، ومجاهدة هواه، ولا يؤجل أو يسوف، ولا يعلق إصلاح نفسه على قيام الآخرين بالبدء في هذا الإصلاح، لأن كل واحد سيُسأل عن نفسه، وسيُسأل العبد: لماذا لم تكن أنت صالحًا؟ ولن يقال له: لماذا كان الآخرون فسدة أو منحرفين؟

 

فإن استمر الطالب في طريق عدم المذاكرة وعدم السعي للتفوق فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته في إصلاح حالها.

 

وإن استمر التاجر في الغش والرغبة في الربح ولو من طريق الحرام فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته إصلاح حالها.

 

وإن استمر الصانع في عدم إتقان عمله، وتضييع أوقات وأموال الناس في سبيل تحصيله القدر الأكبر من المكاسب، فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته في إصلاح حالها.

 

وإن استمر الموظف في التخلف عن الذهاب لعمله في المواعيد وتعطيل مصالح العباد إلا إذا قدموا له الهدايا والهبات فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته في إصلاح حالها.

 

وهكذا كل مواطن، في أي مرحلة عمرية وفي أي مكان وفي أي تخصص مطالب بتغيير ما بنفسه وسلوكياته التي لا تساعد في بناء مصر، طبيبًا كان أو مدرسًا، مهندسًا كان أو عاملاً، مزارعًا كان أو محاسبًا، طالبًا كان أو موظفًا، رجلاً كان أو امرأة، فإن لم يفعل فهو يعطل مسيرة إصلاحها، ويوقف عجلة تقدمها، حتى ولو كان من أكثر الناس نقدًا للأوضاع القائمة، أو كان من أكثر الناس ضجيجًا وحديثًا، فمصر لن تتغير بالضجيج، ولا بكثرة الكلام، وإنما بالقاعدة القرآنية (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، وعلى كل واحد منا أن يجلس مع نفسه الليلة، وليس غدًا، ويحدثها بصدق في جلسة مكاشفة، وكل واحد منا أدرى بنفسه؛ ليحدد نواحي الخلل عنده في سلوكياته هو، قبل أن يجلس ليُشَرِّحَ في سلوكيات الآخرين، ويضع جدولاً زمنيًّا يحدد فيه الوقت المخصص للتخلص من كل سلوك غير جيد، ويحاسب نفسه على عدم الالتزام به حسابًا شديدًا، وكيف لا يفعل، والفشل في ذلك يعني فشل مصر؟ والإخفاق في هذا يعني إخفاق الثورة وضياع الدماء والأشلاء وتبديد الحلم الذي لاح في الأفق.

 

طامع أن أكون قد وفيت في تسليط الضوء على هذه الفكرة، وبيان ما فيها من عوج وزلل، وراجٍ من إخواننا في الله تعالى أن لا يبخلوا عليَّ ولا على إخواننا بالنصيحة فيما يمكن أن نفعله لوضع ما كتبناه هنا موضع التنفيذ والتطبيق، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

قبل أن ينقشع غبار المعركة في المحطة الأولى!!

ها قد وَصلْنا في محطتنا الأولى في حرب تصحيح الأفكار إلى أن أساس كل إصلاح أو تغيير أو بناء اجتماعي رشيد، هو بناء الإنسان الصالح، فهو اللبنة الأولى في جدار المجتمع، ولا أمل في إقامة بناء مجتمعٍ سليمٍ متينٍ إذا كانت لبناته واهيةً أو فاسدةً، وقد تعاهدنا على مطالبة أنفسنا وإخواننا بتقديم الخطوة الأولى الضرورية؛ حتى يؤيدنا الله في الآخرة والأولى، وهي بذل أقصى الجهد في تغيير ما بالنفس من خلل، وتقويم ما اعتراها من عوج، والوقوف معها بحزم في هذا التغيير، وتوقعنا أن يجد المخلصون الصادقون مقاومة عنيفة من أهوائهم وشهواتهم وشياطينهم لجهودهم في التغيير؛ استنادًا لعادات سيئة ألفوها، وسلوكيات غير طيبة اعتادوها، وأوضاع اجتماعية لا تمثل عونًا على الخير؛ ما يجعل الإنسان المخلص في معركة حقيقية مع هذه الأهواء والشياطين، وعليه أن يتأهب لقتال طويل وشديد بل ومرير لا سيما في مراحله الأولى، فليست المعركة مع النفس مجرد مشاجرة شكلية، أو ملاسنة كلامية عبر "الشات" أو صفحات الجرائد، بل شد وجذب، وجراح وآلام، وصبر وتحمل، فتأهب أخي الحبيب، وتَقَدَّم، ولا تَهِن، ولا تَضْعُف! فالعاقبة في الدنيا والآخرة عظيمة عظيمة!.

 

إنه التمكين والسيادة وقيادة الدنيا، وأن يذكرك الأولون والآخرون في الفائزين الذين أعادوا للمسلمين دولتهم، وللإسلام هيبته وعزته، فيترحمون عليك كلما ذكروك، ويترضون عنك في صلواتهم وجلساتهم، يقولون: اللهم ارحم كل مصري بذل من نفسه ووقته وماله في سبيل الوصول لدولة قوية حرة أبية على الضيم، متعالية على الذل، قائدة في الحق، ورائدة في العدل، والنصر صبر ساعة!!.

 

وها نحن لا نزال نترحم على جيش صلاح الدين ورجال سيف الدين قطز كلما ذكرناهم، ثم في الآخرة جنة الرضوان، والنظر لوجه الديان، ومرافقة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، فيا له من شرف كبير حُرِمَه أقوام هزموا في معركتهم مع أنفسهم، فأطلقوا لها العنان في تحصيل الشهوات والملذات، فنالوها دقائق قليلة، ثم انتهت اللذة، وبقيت الحسرة والندامة، واعلم أن هذه النتيجة مضمونة الحصول والتحقق؛ لأن الذي وعد بها هو مَنْ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

 

أيها الأحباب؛ إذا كان لبناء النفس وتغييرها كل هذه الأهمية وتلك العظمة، فكيف ترون البداية في تغييرها؟ ومن أي منطلق نبدأ؟ وما خطة البناء؟.

 

هذا ما أرجو من حضراتكم التفكير فيه بعمق ومشاركة إخوانكم بما ترونه من رؤى واقتراحات أود ألا تبخلوا بها عليهم، على وعدٍ بإذن الله تعالى في الحرص على بذل أقصى الجهد في توصيل النصيحة على أكمل وجه؛ لعل الله تعالى أن يتفضل علينا ويكتب حديثنا هذا في النصائح الخالصة والأعمال المتقبلة، ويقر أعيننا بالانتصار على أنفسنا وأهوائنا وأعدائنا أجمعين في الدنيا، وفي الآخرة بمرافقة سيد الأنبياء وإمام الأتقياء سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وأطمع من كل أخٍ انتفع بشيء من هذه الكلمة ألا يحرم هذا الخويدم للإسلام من بركات دعائه.

 

------------

* أستاذ الشريعة بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر