شاهدت مؤخرًا واستمعت إلى مداخلة هاتفية أجرتها الكاتبة فاطمة ناعوت لقناة "الفراعين"؛ ردًّا على أحد الأزهريين، وابتدأت حديثها بتصحيح بعض الأخطاء اللغوية التي وقع فيها الشيخ الأزهري، ثم تطرقت في حديثها إلى موضوعات مختلفة، توقعت من الضيف الأزهري الكريم أن يرد عليها حجةً بحجة؛ حتى لا يترك لها الساحة خاليةً، ويعتقد من يسمع ويشاهد أن عدم قدرته على الردّ لضعف حجته هو المنطق الجمعي للإسلام، ومصادر تشريعه، وعدم وفائها بمتطلبات العصر.
لذا قرَّرت أن أكيل لها الصاع صاعين، مفنِّدًا مغالطاتها وشبهاتها التي تردَّدت وما زالت والتي لا تنمُّ إلا عن جهل وضحالة معرفة وضآلة تفكير وتطاول، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالإسلام، ولن أقف عند أخطائها اللغوية التي وقعت فيها، بدءًا من مطالبتها للأزهري (بتصليح) أخطائه، مرورًا بقولها (من هنا)- بكسر الهاء- مضيًّا بالخطأ في القرآن، كما في قولها: (قتّلوهم أينما ثقفتموهم)، وانتهاءً بقولها (يقضى الله أحد الأجلين)!! لكنني سأبدأ بالرد على زعمها أن القرآن ينسخ بعضه بعضًا أو يناقض بعضه بعض وكأنها متخصصة في علوم القرآن وأسباب نزوله، بل الأدهى من ذلك تقريرها أن القران نصفه مكي ونصفه مدني فأقول لها:
إن ما عليه إجماع الأمة وأئمتها أنه لا تناقض في القرآن بأي وجه من الوجوه، ومن يقل بذلك من أحطِّ الناس عقلاً وفهمًا؛ لأنه لا يفهم لغه العرب، مع أنه يدَّعي إتقانها وبدراسة بسيطة لأسباب النزول سوف نعلم أن القرآن قسمان:
1) قسم نزل بدون سبب، وهو أكثر القرآن.
2) قسم نزل مرتبطًا بسبب من الأسباب منها:
أ) حدوث واقعه معينة، فيتنزل القرآن بشأنها كما جاء في قول ابن عباس في سبب نزول قول الحق سبحانه: (وَأَنْذرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِيْنَ) (الشعراء: 214).
ب) أن يسأل النبي عن شيء فيتنزل القرآن ببيان هذا الحكم، ونجد هذا في الآيات المفتتحة بكلمة (يَسْأَلُوْنَكَ) أو كلمة (يَسْتَفْتُونَكَ) وجاءت الأولى في القرآن خمس عشرة مرة؛ منها ثماني مرات تتناول الفقه في موضوعات متنوعة، وجاءت الثانية مرتين في سورة النساء، ولمعرفة أسباب النزول من الفوائد ما يحصى؛ منها:
أ) فهم الآية وتفسيرها وإزالة الإشكال عنها واللبس عند العوام وبعض الخواص.
ب) أن لفظ الآية يكون عامًّا، ويقوم الدليل على تخصيصه، أما قولها إن الإمام علي قال: "لا تحاججهم بالقرآن" فهو حق يراد به به باطل؛ فمعلوم أن الإمام علي قالها لحبر الأمة ابن عباس، وهو ذاهب للقاء الخوارج، ومعناها أن القرآن نزل بأمور مجملة، وجاءت السنة ففصَّلتها؛ فهي مكملة للقرآن؛ فالصلاة جاءت مجملةً في القرآن، فجاءت السنة ففصَّلتها، وحدَّدت أوقاتها وكيفيتها وعدد ركعاتها، وليس معنى ذلك أن القرآن يحمل معاني متناقضة لا ضابط لها.
أما استدلالها على زعمها بقول الله سبحانه: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ) (البقرة: من الآية 256)، وقوله سبحانه: (وَاقْتُلُوْهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ..) (البقرة: من الآية 193)، فلا تناقض بينهما؛ فالأولى جاء في سبب نزولها أن رجلاً يقال له أبو الحصين كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصَّرا ومضَيا معهم إلى الشام فأتى أبوهما رسول الله مشتكيًا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله من يردهما، فنزلت هذه الآية.
والثانية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي، حين قتله وافد بن عبد الله التميمي في آخر يوم من رجب أحد الأشهر الحرم، فأين التناقض في القرآن إذًا؟!
أما قولها إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل الحد أيام المجاعة؛ مما يدل على اختيار الأنسب، فنقول لها هذا خلط وإساءة فهم؛ فمما لا شك فيه أن الحدود تُدرأ بالشبهات، والمجاعة شبهة، وإن الجائع ما دفعه للسرقة إلا الجوع، وهو موافق لهدي النبوة، بل له أصل في الشريعة، وقد فصله رسول الله مع ماعز، وكان النبي يقول له: "لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت" (رواه البخاري)، وعمر يقول: "لأن أعطِّل الحدود بالشبهات أحب إليَّ من أن أقيمها بالشبهات".
وقالت أم المؤمنين عائشة: "ادرءوا الحدود بين المسلمين ما استطعتم، فإذا وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فان الإمام إذا أخطأ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة" (رواه ابن أبي شيبة)، فهذا لم يكن تعطيلاً بالمعنى الذي فهموه، وإنما كان فهمًا واعيًا لضرورة توفر شرط تطبيق الحد أو الحكم ثم التطبيق.
أما إشادتها بالتطورات التي حدثت في تونس فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها؛ فأقول لها أي تطور هذا؟ هل تجريم تعدد الزوجات تطور؟ هل إنكار المعلوم من الدين بالضرورة تقدم؟ وأين هي من القضية التي نظرها القضاء التونسي، وكانت التهمة فيها فريدة من نوعها؛ ألا وهي الزواج الثاني؟ واستبسل ممثل النيابة لإثبات تهمة الزواج الثاني ولم يكن الدفاع أقل استبسالاً منه في محاولة إثبات أنها واقعة زنا وليست زواجًا ثانيًا، وهو بهذا يريد أن يخرج موكله من الوقوع في مأزق تهمة تعدد الزوجات؟ فأي تلوث فكري وفساد مجتمعي الذي يحدث في دولة تحمل اسم الإسلام؟!
وأسوق لها بعض الشهادات التي تؤكد فائدة التعدد منها شهاده المؤرخ الفرنسي "جوستاف لوبون" يقول فيها "إن الغرب لا بد أن يبيح التعدد حلاًّ لمشكلاته الأخلاقية ويزيد الأسرة ارتباطًا ويمنح المرأة احترامًا وسعادةً لا تراها المرأة في أوروبا، ولا تقع في علاقات آثمة ولست أدري على أي أساس بنى الأوروبيون حكمهم بانحطاط ذلك النظام، بل هناك أسباب تحملني على إيثار التعدد على ما سواه".
والإندونيسيات طالبن بإباحته لمنع أزواجهن من الانحراف، وطالبن بإلغاء قانون 1983 الذي ينص على عدم السماح للموظفين الحكومين بالزواج الثاني إلا بموافقة الزوجة الأولى بعد الكشف أن عددًا كثيرًا منهم اتخذ خليلات وصديقات وأقام علاقات غير شرعية.
والإسلام لم يترك التعدد مطلقًا، بل جعل له شرطًا وقيدًا، أما القيد فجعل الحد الأقصى للزوج أربع (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) (النساء: من الآية 3)، وأما الشرط ثقة المسلم في نفسه أنه قادر على العدل والتسوية بين زوجاته (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء: من الآية 3).
ثم تأتي ثالثة الأثافي، وهي مطالبتها بإلغاء المادة الثانية من الدستور، والتي تؤكد الهويَّة الإسلامية لمصر، والتي هي صمام أمان لها ولشعبها، فأقول لها: إن هذه المادة صمام أمان، اشتملت عليه الدساتير المصرية، بدءًا من دستور 1923، ولم يشذَّ عن الحكم إلا دستور 1930 الذي وضعه صدقي باشا؛ لتغيير دستور 1923 ورفضه الشعب وألغي بعد أربع سنوات، ففي دستور 1923 نصٌّ يقول: "الإسلام دين الدولة واللغه العربية لغتها الرسمية"، وكذا شذّ الدستور المؤقت الذي وضع بمناسبة انضمام سوريا وتكوين الجمهورية العربية المتحدة دستور 1958 وألغي بدستور 1964 لكنه تضمن نصًّا في المادة (68): "إن كل ما قررته التشريعات المعمول بها في إقليمي مصر وسوريا عند العمل بهذا الدستور تبقى سارية المفعول في النطاق الإقليمي المقرر لها".
ولما كان دستور 1956 تضمن في مادته (35) نصًّا يقرِّر أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، ولم يتقرر إلغاؤها؛ لذا فهي قائمة طبقًا لنص المادة (68)، وكذا تمَّ النص على هذه المادة في دستور اتحاد الجمهوريات العربية في أول سبتمبر 1971عندما نشأت فكرة انضمام مصر وسوريا وليبيا في المادة (5): "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية" والمادة (6): "تؤكد دولة الاتحاد على القيم الروحية وتتخذ الشريعة مصدرًا رئيسيًّا للتشريع".
وفي دستور 1971 المادة الثانية: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية والشريعة الإسلامية مصدر التشريع"، وتمَّ تعديلها عام 1981 لتصبح "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
بل إن دساتير بعض الدول التي يتغنَّون بديمقراطيتها وتقدمها وفصلها للدين عن الدولة تؤكد أن الدين صمام أمان لها؛ فالدستور اليوناني في المادة الأولى ينص: "على أن الدين السائد فيما هو المذهب الأرثوذكس الشرقي، وتعترف أن إلهها هو يسوع المسيح وأنه رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية"؛ فما علاقة الكنيسة بدستور الدولة اليونانية؟!
والدستور الدنماركي المادة الأولى الفقرة الرابعة: "الكنيسة الإنجيليكانية اللوثرية الدانماركية هي الكنيسة الرسمية للبلاد، وبالتالي تؤيدها الدولة وتدعمها والملك يجب أن ينتمي إليها".
الدستور السويدي (م 4): "يكون الملك من أتباع المذهب الإنجيلي، وكذا أعضاء المجلس الوطني، وهو البرلمان"، وهو مخالف لمواثيق الأمم والإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م.
والدستور الإنجليزي هو دستور عرفي متوارث، لكن المادة (3) من قانون التسوية تنص على: "كل شخص يتولى الملك أن يكون من رعايا كنيسة إنجلترا، ولا يسمح لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانت أن يكونوا أعضاء في مجلس اللورد"، وهو مخالف لمواثيق الأمم المتحدة، وأقول لها: هل طالب أحد في هذه الدول- أيًّا كانت ديانته- بإلغائها الإجابة بالنفي؟ لكن من يطالبون بذلك في مصر فلهم أهداف، معلَنها سيئ، وخفيُّها أكثر سوءًا.
-------------
* باحث في القانون الدولي وعضو هيئة كبار العلماء بالجمعيات الشرعية.