كاف فتحة كَ.. تاء فتحة تَ.. باء فتحة بَ.. (كَتَبَ).. فلماذا تحولت إلى (حرق)؟!
الكتابة في وطننا أصابها التجريف الذي ضرب مناحي الحياة, وتحكمت ثنائية- مع أو ضد- في حياتنا الإعلامية، ولم تعد فعلاً تنويريًّا، أو استنهاضيًّا، وأصبح لدى "محترفي الكلمة" قدرات خاصة في استبدال المواقع مع كل تغيير سياسي, ولم يعد الكاتب منبرًا للمعرفة أو رمزًا للتوجه الفكري كماضينا القريب.
وليس بعيدًا عن ذلك تلك الأفعال البهلوانية "لمحترفي الكلمة" والتي يسمونها "مواقف سياسية", ولم يعد غائبًا عن أحد مبرر هذه الاصطفافات المدهشة، سواء أكانت مع "شباب التحرير" أو ضدهم، مع "الإسلاميين" أو ضدهم، مع "المجلس العسكري" أو ضده، مع "التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني" أو ضده، وهكذا دواليك.. حتى توارت الأقلام الجادَّة القليلة وراء "دخان" "الصخب الإعلامي" الكثيف، وتوارت معها الصِّدْقية والتجديد.
والنتيجة كما ترى أن اللاعبين على المسرح العام- وهم بطبيعة دورهم صانعو الحدث- هؤلاء لم يعودوا يكترثون بذم أو مدح, بهجوم عليهم أو بدفاع عنهم, وبالتالي تضاءلت فرص ترشيدهم؛ فالمسئولون عن الوحدات الاقتصادية للوطن- سواء مصانع أو مؤسسات أو بنوك أو خلافه- أصبحوا يواجهون سيلاً من الاتهامات يوميًّا في شرفهم, وفي جدوى وحداتهم الاقتصادية, ولا أحد يعرف الحقيقة من البهتان, والزمن يُنسي؛ لأن القضايا كلام في كلام, وبلا توثيق ولا "منهجية إصلاح", ولا أحد يبرز "كصاحب قضية في الشأن العام"؛ من أمثال المحترمة "سكينة فؤاد" صاحبة قضية "الاكتفاء الذاتي للقمح", أو "محمد عبد القدوس" في قضية "الحريات", أو "السفير يسري إبراهيم" في قضية "الغاز"، أو- قبلهم- "زكي نجيب محمود" في قضية "ضرورة التفكير العلمي للنهضة"؛ لهذا أصبحت مدرسة "الفرقعة الإعلامية" هي السائدة والمسيطرة.. ألم يأتك نبأ "الفجر" و"فيتو"؟!
أما اللاعبون السياسيون فالمشكلة معهم أكبر، خذ مثلاً "الإسلاميين"؛ فهؤلاء قد اعتادوا على تحريف تصريحاتهم، وشيطنة أفعالهم، وتصيُّد زلاتهم، وبالتالي فلا تنتظر منهم إلا التعامل مع "الميديا" باعتبارها خصمًا غير محايد, وإذا استمر "أهل الكلمة" على هذا النهج الطفولي فسيفقد "الإسلاميون" ميزة نقدهم وترشيد حركتهم السياسية, خاصةً وهم يتقدمون لتحمل المسئوليات الجسيمة في الوطن.
وإذا كنت من عامة الشعب تستطيع أن تسأل سؤالاً بسيطًا: هل "شباب التحرير" ملائكة أم شياطين؟ وطنيون أم مأجورون؟! ويؤسفنا أن ندَّعي أن "محترفي الكلمة" في وطننا قد غيّبوا الحقيقة ولم يظهروها, وضللوا العقول ولم يَهدُوها, مع أن "الشباب" موجودون, والأقلام "حرة" بلا قيد ولا خوف, و"وسائل التقييم العلمي" متاحة, وبالتالي يسهل تحديد شرائح الشباب, وتمييز الوطني من "المندسّ", ورصد أهدافهم وآمالهم, وإبراز توجهاتهم وقياداتهم, والمضحك أن الشباب أنفسهم يعلمون كل ذلك, لكن الرأي العام مضلل ومنقسم؛ لأن "إرادة الكتابة الأمينة" لم تولد بعد, وما زلنا نلتمَّسها لدى أقلام استثنائية.
الأوضاع إذًا تحتاج من كبار الكتاب أصحاب الصِّدْقية والريادة أن يدشِّنوا "مبادرة للكتابة المسئولة" تؤسس للجدية, وتجذب النابهين من أبناء المهنة، وتقوّم المتخبطين.
في أيام النهضة التي نعيشها الآن لم يعد مرضيًا من قامات سامقة مثل "فهمي هويدي" و"سكينة فؤاد" و"سلامة أحمد" وأمثالهم؛ أن يكتفوا "بفعل الكتابة المسئولة"، ثم يغضبوا من الذين يحرقون الأرض, بل ينبغي أن يعلموا أن الله لم يميز أمثالهم بالموهبة والقبول لكي يعيشوا كرامًا فقط, ولكن ليضخُّوا الكرامة في شرايين "الكلمة"؛ لتستعيد طهرها وقدسيتها، ننتظر منهم النزول لمعترك تشييد "مدرسة الكلمة" من جديد، ونحمِّلهم "الهمّ"، ونحذرهم من ضياع الفرصة.
كما أننا نسأل "نقيب الصحفيين"- المعروف بالجدية والمهنية- أين يا سيدي دورك في إعادة "مواثيق شرف المهنة" إلى الحياة؟! ولماذا تطل علينا بهذه الكثرة من الفضائيات لتحدثنا عن الشأن الاقتصادي؟! يا سيدي قد تكون لك خبرة بالاقتصاد اكتسبتها من تخصصك "كصحفي"، لكن الاقتصاديين المتخصصين والمخلصين كثر والحمد لله؛ فلماذا لا تعطي (كل) وقتك لمهنتك؛ التي اختارتك مصر لتكون المسئول الأول عنها؛ علك تداويها مما ألمَّ بها من أمراض؟! ثم.. أليس الوقت قد حان لأصحاب الأقلام الذين ينبثقون عن رؤية إسلامية أن تجمعهم (رابطة) يتعرفون فيها على قدراتهم ويشجعون شبابهم ويروِّجون للكتابة الإسلامية المتخصصة في مختلف أوجه الحياة؛ لتساهم في ترشيد الحركة السياسية عامةً، والإسلامية منها خاصةً، ولننشئ تنافسًا جادًّا بين سائر التوجهات الفكرية؛ ليصب الجميع في بوتقة الوطن, خاصةً أن الإسلاميين غابوا وغُيّبوا عن مراكز التأثير الإعلامي لعقود متطاولة؟!
كانت "الكلمة الصادقة" تستطيع أن تجنِّب وطننا كثيرًا من آلام المخاض الصعبة، ولكن.. ما علينا.. فلنكن أبناء اليوم.. فهذا ناقوس ندقه لعله يثير في (حكماء الكلمة) شجونًا تؤرقهم.. لتحركهم.
----------