المكان: المركز العام للإخوان المسلمين بالمقطم
الحدث: لقائي بمجموعةٍ من الأخوات الجزائريات اللاتي ينتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين.
فبينما أنا في دار الإخوان المسلمين الجديدة بالمقطم التقيت مجموعةً من الأخوات الأعلى فكرًا والأوسع أفقًا وفهمًا، ظهرت فيهن تربية الإخوان المسلمين بالوجه البشوش الصافي الذي يجذبك لأول وهلة ويفتح القلوب على واحات إنسانية راقية، وبالأدب الإسلامي الذي غاب عند الكثيرين في أزمان الانبطاح والتسليم والضعف والهوان، وبالفهم الدقيق والوعي الذي لا يشوبه شائبة تبعية لغير منهج الله الشامل الكامل.
تحاورت معهن حول قضايا المسلمين في كل مكان من بلاد العالم فسمعتُ منهن ما أثلج صدري وطمأنني على مستقبل تلك الدعوة الإسلامية الشاملة الوسطية، وعلى حركة الإخوان المسلمين المباركة التي جمعت بالأخوة والحب في الله بين مَن هم في أقصى الشرق إلى أولئك الذين هم في أقصى الغرب، وجعلت كل اللغات تتوحد والغايات تتسامى والوسائل الربانية تجمع بين مختلف الجنسيات، لم يعد هناك قضية جزائرية وقضية عراقية وأخرى صومالية، تلاشت الهويات لتصبح هوية واحدة (أنا مسلم أعتز بديني وأحمل إلى العالم رسالة ربي التي فيها كل الخير لكل الناس).
حدثنني عن ثورة مصر بينما كنت أرى في عيونهن بريق الحماسة وكأنها ثورتهن، وكأنها نضالهن، وكأن الطاغية صنع بطغيانه وحدة خفية بين كل المستضعفين في الأرض فصاروا يفرحون لنصرنا، وصاروا يهتفون مثلنا: "الشعب يريد إسقاط النظام".
قالوا: إن مصر لو قامت ونهضت فما عاد أمام العالم العربي والإسلامي سوى خطوات على الريادة وعودة الأمور إلى نصابها الصحيح في توجيه العالم إلى المسار الأخلاقي الذي ينقذه من فناءٍ محققٍ لو ظلَّ على نهجه الذي يسير عليه اليوم.
قالوا لي: إن الثورة المصرية لم تبدأ من يوم الخامس والعشرين من يناير، وإنما بدأت من أول فعالية قام بها الإخوان المسلمون وغيرهم من مخلصي هذا الوطن، وإن الوقفات التي تمَّت على مدى سنوات، كانت شرارة ثورة، وإن المتعقلات التي عاش فيها الإخوان سنوات تلو سنوات كانت شرارة، وإن الدماء التي بُذلت وآثارها هناك؛ حيث ذلك البيت الذي يحوينا في المقطم كانت شرارة، ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير المنهك، تلك الانتخابات الغبية التي صنعها النظام السابق في 2010م فوضع بذلك المسمار الأخير في نعشه.
أعجبني ذلك الفكر وذلك الوعي الدقيق بأحوال إخوانهن في مصر، قلت لهن: لقد كانت هناك بعض الآراء تدعو لمقاطعة الانتخابات في 2010م؛ وذلك لعلمنا الأكيد بأن النظام لن يسمح بتكرار تجربة 2005م من دخول عدد من النواب الإخوان- أي عددٍ مهما قل- فالأولى بنا أن نوفر على أنفسنا المطاردات الأمنية والأموال التي تُهدر، وليس لها نتيجة تُذكر سوى المزيد من الخسارة من وجهة نظر العامة، فكان ردهن: وكيف يمكن أن تثبتوا للشعب ساعتها أنه نظام فاسد مزور، وأن عمره الافتراضي قد انتهى، إن فضح الأنظمة الشمولية الديكتاتورية هدف في حدِّ ذاته مهما كانت التضحيات، ولو انسحب الإخوان في تلك الفترة فعلاً لسمعت مهاترات كثيرة من وسائل الإعلام المأجورة بأن الانسحاب إنما هو ضعف ورفض من الشعب لهم، وأن الانتخابات نزيهة ولم تزور، فكان لا بد من كشفهم وفضح وجوههم وإسقاط الأقنعة الزائفة عنها.
أعجبني ردهن وأعجبني فهمهن وأحببت محاورتهن، وشكرت الله أمامهن أنني مسلمة وأنني من الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي جمعت بيننا ووحدت أفكارنا واهتماماتنا رغم الحدود التي صنعها الاستعمار وأذنابه.
ودَّعنا بعضنا بالدموع وكأننا يعرف بعضنا البعض منذ مولدنا، وتعاهدنا على التواصل المستمر، وتعاهدنا أن نكون أخوات متحاباتٍ في الله نسعى لأن يظلنا ربنا بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وتعاهدنا أن نظل على الطريق مستمسكات به حتى تزول بيننا الحدود ويكون جواز السفر العربي مكتوبًا به فقط (عربي).
تعاهدنا أن نظل بالحب أخواتٍ مسلمات على درب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما علمنا إمامنا الشهيد حسن البنا رحمه الله.
فجزى الله عنّا خيرًا مؤسس تلك الحركة المباركة، وتقبَّل الله من المخلصين فيها، وثبَّت كل مَن هو على خطاها، وجمعنا وجميع المسلمين في العالم تحت راية واحدة لننشر تحت لوائها الخير لكل الناس.