سألني كثير من الشباب المتحمس ماذا سيفعل (الإخوان المسلمون) إذا كانوا في الحكومة القادمة هل سيقطعون يد السارق، ويمنعون الأغاني ويعطلون المصارف (البنوك)؟

 

قلت إن قطع يد السارق حد من حدود الشريعة بلا شك وكذلك الربا محرم في شريعة الله بلا شك لكن المهام العاجلة لأي حكومة قادمة لا بد أن تتمثل في إقامة (الشريعة) قبل (حدود الشريعة) وهذا يتطلب إنفاذ مهام عاجلة لها الأولوية على ما سواها من المهام.

 

لقد كان الناس يعيشون في قهر وخوف بعدما سلبت حرياتهم بفعل النظام السابق فأصبح الناس جزرًا منعزلةً يتوجس كل منهم خيفة من الآخر (اجتماع خمسة أفراد في مكان واحد يعتبر تجمهرًا مخالفًا للقانون)، ومن ثم فلا بد من تواصل أفراد المجتمع بعضهم مع بعض في جو من الحرية مع رعاية بعضهم لبعض في نظام به عدالة وتكون هذه المهام العاجلة (الحرية والعدالة) هي فريضة الوقت أي الفريضة التي جاء وقتها.

 

وتشبه حالتنا هذه حالة المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما انعتق المهاجرون من أسر نظام قريش المستبد إلى جو من الحرية في المدينة المنورة فكانت المهام العاجلة التى يجب إنفاذها في ذلك الوقت (فريضة الوقت) هي ما حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ: لَمَّا أَنْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ، وَانْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ فَقَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ فَجِئْتُ في النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ مِنْهُ أَنْ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلاَمَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ" (أخرجه عبد الرزاق والطبرانى والبيهقي والحاكم وأحمد والترمذي وابن ماجة وغيرهم).

 

وهكذا يحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مهام أربع لهذه المرحلة:

الأولى: تحقيق العدالة (أطعموا الطعام) حتى لا يوجد بيننا جائع أو محتاج.

 

الثانية: تحقيق الأمن (وأفشوا السلام) حتى تستقر النفوس ولا يخاف الناس من بعضهم البعض أو يخافون من زوار الفجر.

 

الثالثة: التواصل والتماسك (وصلوا الأرحام) حتى لا يتنازع الناس وتنفك عرى المجتمع.

 

الرابعة: توثيق الصلة بالله عز وجل (وصلوا بالليل والناس نيام) حتى يعود المجتمع إلى الله سبحانه وتعالى عودًا كريمًا.

 

في هذا المجتمع (الذي تتحقق فيه المهام الأربع) لن يكون هناك من يسرق بسبب أنه جائع ولن يكون هناك من يقترض بالربا بسبب أنه محتاج أما هذا الذي يصلي بالليل والناس نيام فلن يكون شغله الأغاني وتتبعها بل سيكون شغفه بالقرآن وفهمه وتعلمه.

 

ولا يصح أن يقال إنه لا يجوز تأجيل إنفاذ بعض أحكام الشريعة حتى تتحسن الأوضاع وتتغير الظروف بل الصحيح أن يقال إن هذه المهام هي (الشريعة) الآن أو هي الأوامر الشريعة التي يجب إنفاذها الآن، وبتحقيقنا لها نكون قد أنفذنا شريعة الله تعالى واتبعنا هدى رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

ولكن هل يوجد في شريعة الله تعالى تغليب بعض المصالح على بعض والالتفات إلى بعضها دون بعض في وقت من الأوقات؟ يمكن أن نجد إجابة هذا السؤال في فعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد كان ترك الناس يؤدون صلاة التراويح فرادى حتى جاء عمر بن الخطاب فجمعهم على إمام واحد قال الإمام الشاطبي في الاعتصام (وإنما لم يُقم- بضم الياء- ذلك أبو بكر رضي الله عنه لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس في آخر الليل، وما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل، وإما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع، مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح، فلما تمهد الإسلام في زمن عمر، ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر، قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل)، فانظر قول الشاطبى رحمه الله (وإما لضيق زمانه عن النظر في هذه الفروع، مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح) نسأل الله عز وجل أن يحكم فينا شرعه وأن يردنا إليه ردًّا جميلاً.

------------------------------

صيدلي وباحث في علوم القرآن الكريم والسنة والسيرة