الثورات أحداث قليلة في تاريخ الأمم، ولكنها أحداث كبيرة في آثارها؛ فهي غالبًا تحوِّل مجرى الحياة، وتغيِّر الحكومات والنظم تغييرًا جذريًّا، فتهدم القديم الفاسد، وتشيِّد الجديد الصالح، وفي سبيل ذلك تدفع الشعوب ثمنًا غاليًا من الدم والأرواح والضحايا والخسائر؛ لأن القديم حكامًا وأنظمةً لا يسَلّم بسهولة، بل لا بد أن يُخلع عنوةً، ولهذا عبَّر القرآن الكريم عن هذه العملية بالانتزاع في قوله تعالى: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)) (آل عمران).
ولما كانت الثورة عمليةً ضخمةً، والتغيير الذي يصاحبها يمتدُّ إلى كل جوانب الحياة، ويتم التغيير من الجذور؛ فهي دائمًا تستغرق وقتًا حتى تحقق أهدافها، وهذا الوقت دائمًا ما يكون مشحونًا بالاضطراب والقلق، ولكنه أيضًا يكون مفعمًا بالرجاء والأمل.
ودائمًا ما تتعرَّض الثورات لمحاولات إجهاض من أتباع النظام القديم الذين يفقدون امتيازاتهم، وأولئك الذي تهدَّد الثورة مصالحهم أو يخشون من فتح ملفاتهم، ومن عملاء الدول الخارجية الذين يخشون الانقلاب على سياساتهم، والتحرر من التبعية لهم، ولذلك تكثر الفتن والقلاقل وتحدث الصدامات والخسائر.
كما أن الثورات تتعرض أيضًا لمطامع قراصنة من هنا ومن هناك، يريدون تحويل مسارها إلى الوجهة التي يريدون، والاستحواذ على المنافع التي إليها يطمحون، أو الحلول محل الحكام المخلوعين، أو الحصول على امتيازات للفئات التي إليها ينتمون، كل ذلك دون أدنى اعتبار لإرادة الشعب ومصالحه والوطن وضروراته القومية.
ولذلك تكثر الشائعات والحملات الإعلامية والمعارك المصطنعة والمواقف المتشنجة؛ بغية الإبقاء على فترة القلق والاضطراب إلى أطول مدة ممكنة خوفًا من الديمقراطية والاستقرار وسيادة الشعب واستكمال المؤسسات الدستورية على المصالح الخاصة.
ومن هنا وجدنا من ينكر أن ثورتنا المجيدة في 25 يناير 2011 قد حقَّقت أي إنجاز حتى الآن، ووجدنا في نفس الوقت من يدَّعي العكس، والحقيقة أننا ما زلنا في منتصف الطريق فقد تحققت- بلا ريب- أهداف كبيرة، وبقيت أيضًا أهداف كبيرة لم تتحقق حتى الآن؛ لذلك رأيت أن أعرض الأمرين معًا حتى يكون الناس على بيِّنة من أمرهم، وحتى يعقدوا عزمهم ويوجِّهوا طاقاتهم وجهودهم من أجل استكمال ما لم يتم إنجازه حتى الآن.
أولاً- ما تم إنجازه خلال العام المنصرم:
- الإطاحة برأس النظام وكبار رموزه.
- تقديمهم للمحاكمات، وإن كانت بطيئةً، وكذلك تقديم الضباط المتهمين بقتل الشهداء إلى المحاكمة.
- حل مجلسي الشعب والشورى وكذلك حل المجالس المحلية.
- السماح بإنشاء الأحزاب السياسية بمجرد التقدُّم للجنة القضائية.
- الاستفتاء على تعديل الدستور.
- وضع خريطة طريق لنقل السلطة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى السلطة المدنية المنتخبة.
- إجراء انتخابات مجلس الشعب بطريقة جيدة إلى حدٍّ كبير وتأمينها.
- إجراء انتخابات عديد من النقابات المهنية.
- قيام أساتذة الجامعات بانتخاب رؤساء عدد من الجامعات وعمداء الكليات، رغم عدم وجود قانون ينص على ذلك.
- السماح بالتظاهر السلمي في مليونيات عديدة دون تدخل.
- تطهير جزئي لوزارة الداخلية.
- تعويض أهالي الشهداء والمصابين.
ثانيًا- أهداف كان المفروض أن تتحقق وأخطاء ما كان ينبغي لها أن تحدث:
- استمرار حالة الطوارئ رغم تأكيد إنهائها قبل الانتخابات.
- المحاكمات العسكرية للمدنيين، وهتك أعراض بعض الفتيات بكشف العذرية، وسحل وتعرية إحداهن، والاعتداء على أخريات في أحداث مجلس الوزراء.
- التباطؤ في الاستجابة لمطالب الشعب؛ الأمر الذي اضطرَّ الناس للنزول في مليونيات للضغط على المجلس العسكري من أجل الاستجابة لها، وكان الأصل ألا يحتاج الشعب إلى التظاهر بعد 11/2/2011م، وأن تتم الاستجابة لمطالبه بالسرعة المطلوبة؛ باعتبار الشعب والجيش شريكين في الثورة.
- كان من توابع النقطة السابقة أن تكرر الاعتصام في ميدان التحرير؛ بما نتج عنه من أحداث مؤسفة نتيجة محاولات فض الاعتصامات بالقوة؛ مما أدَّى إلى سقوط شهداء ومصابين جدد واعتداءات نرفضها تمامًا (ماسبيرو- محمد محمود- مجلس الوزراء).
- غياب الأمن وانتشار الجرائم وسطوة البلطجية.
- تأخير إجراء الانتخابات البرلمانية؛ حيث كان من المفروض إجراؤها في شهر يونيو 2011م؛ مما أدى إلى إطالة الفترة الانتقالية التي كان الواجب ألا تزيد عن ستة أشهر، فأصبحت الآن نظريًّا سنة وستة أشهر.
- كان من نتائج إطالة الفترة الانتقالية بسلبياتها العديدة أن توقفت عجلة الإنتاج في كثير من المصانع، وخرجت أموال كثيرة من مصر، وامتنع المستثمرون عن القدوم عليها بأموالهم، وتآكل رصيد العملة الأجنبية من البنك المركزي، وكل ذلك أثر تأثيرًا سلبيًّا في الاقتصاد المصري.
- محاولات الالتفاف على إرادة الشعب التي تمثَّلت في استفتاء مارس 2011م مرات عديدة بمؤتمرات الدكاترة يحيى الجمل وعبد العزيز حجازي ووثيقة السلمي؛ بما حملته من رغبة في تمييز الجيش؛ بحيث يصبح دولة فوق الدولة وفوق الدستور، وكذلك تحديد معايير اختيار الجمعية التأسيسية لوضع الدستور افتئاتًا على حق مجلسي الشعب والشورى المنتخبين.
- عدم تطهير أجهزة الإعلام رغم ترويجها ودفاعها وتملُّقها لفساد النظام البائد واستمرار بعضها في التضليل حتى الآن.
- عدم تطهير القضاء، رغم أن فيه من شاركوا في تزوير انتخابات 2005م، وإصدار أحكام مسيَّسة استجابةً لهوى الحكام.
- عدم اتخاذ إجراء عملي حتى الآن في مجال العدالة الاجتماعية، خصوصًا وضع حد أدنى وأعلى للأجور.
- التباطؤ الشديد- إن لم يكن التوقف- عن السعي لاستعادة الأموال التي نهبها وهربها رءوس النظام السابق وأركانه، وهي تبلغ المليارات التي تحتاجها البلاد أشد الحاجة.
كان هذا هو حصاد العام المنصرم، ونرجو ألا ينصرم العام الحالي إلا وتكون كل الأهداف قد تحققت بفضل الله، ثم بدأب الشعب، وتمَّ نقل السلطة وبدأنا في طريق البناء والنهضة، وهو الطريق الأصعب والأشق؛ فالهدم سهل، ولكن البناء هو الصعب الذي تمتحن فيه صلابة الرجال والشعوب.
----------
* عضو مكتب الإرشاد والمتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين.