- إرهاصات العهد الجديد وفرص ومهام وأولويات نمو القطب المصري..
كما أن سقوط حائط برلين كان رمزًا وعنوانًا كبيرًا لنهاية الحرب الباردة.. كان ميدان التحرير عنوانًا لسقوط عهد الاستبداد ومفتتح عهد جديد للحرية وإيذانًا ببدء مرحلة نمو الشرق، والسعي لاستعادة منصة القيادة البشرية.
- ولا شك في أن سنة الصراع جارية إلى يوم القيامة، وأن الغرب بقيادة أمريكا سيمانعون عملية تقدم الشرق العربي الإسلامي نحو امتلاك أسباب المنافسة وأدواتها؛ حتى لا يظهر لهم منافس جديد على الساحة العالمية كما بدأت إيران وتركيا والبرازيل في الصعود والظهور.
ولكن العالم الغربي منهكٌ ومأزومٌ اقتصاديًّا وأخلاقيًّا ونفسيًّا بشكل كبير أفقده توازنه، ومن ثم قدرته على التدافع والصراع كما كان، كما أن الحرب المزعومة على الإرهاب والمقاومة الفتية في الأماكن الساخنة أنهكت أمريكا كثيرًا، بل كشفت قوتها وقدرتها الحقيقية أمام العالم؛ مما شجَّع وعزَّز قدرة المقاومة على الصمود والتقدم وتعظيم مستوى طموحاتها وأهدافها.
كما أن تغير مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين (التكنولوجيا والعولمة الاقتصادية الجيوستراتيجية والاقتصادية) أسهم بشكل في ظهور قوى جديدة قابلة للمنافسة، بل مرشحة لتتحول إلى أقطاب جديدة تأخذ مكانها في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة العالمية.
في ظل هذا الواقع العالمي تتشكَّل القوة بل القطب المصري الصاعد بإذن الله متسلّحًا بقوة نفسية عارمة وطموح كبير وإرادة حديدية وثقة كبيرة في ذاته، مكَّنته من اختراق حاجز الاستبداد وسواد ليل التخلف، وتدفعه ذاتيًّا إلى استعادة امتلاك أسباب وأدوات القوة والفعل والإنجاز من قيم ومعارف ومهارات وخبرات وتقنيات القرن الجديد؛ خاصةً أن منطقتنا العربية- ومصر بالذات- مليئة بأسباب القوة الجيوستراتيجية والبشرية والمادية والتاريخية؛ ما يؤهلها- بل يرشحها- لاحتلال مكانة عالمية متميزة في القريب المنظور.
ومن أهم الملفات الإستراتيجية التي يجب أن تحتل مكانًا متقدمًا في أولويات الاهتمام والعمل في هذه المرحلة هو ملف رسم هوية الدولة المصرية الصاعدة، أو بمعنى أصحّ رسم هوية القطب المصري القادم إن شاء الله؛ بما يجسِّد تفصيلاً صفات وملامح ومعايير جودة الشخصية المصرية المعاصرة ومقوماتها؛ أي القوة البشرية المصرية صانعة التنمية والنهضة المنشودة؛ فهوية المجتمع والدولة هي القاطرة التي ستنادي على الجماهير من داخل ذاتها، وتحشدهم نحو مشروعهم التنموي النهضوي الكبير، وتحثهم على تفجير طاقاتهم الإبداعية وتقديم أفضل ما لديهم لخدمة شأنهم العام، وهم سامون متعالون على حظ نفوسهم وشأنهم الخاص، فهويتهم تمنحهم الوعي الكافي بأن حظهم الخاص لن يتحقق إلا من خلال نمو وتعاظم حظهم العام.
وبطبيعة الحال هي مهمة المفكر السياسي، يترجمها المفكر التربوي الإعلامي والثقافي والفني على أرض الواقع في شكل إستراتيجيات ومشاريع وبرامج عمل تغذي عقل الشعب ووجدانه يومًا بعد يوم.
وكلما زاد ونما تخطيط الهوية وفعلها وإنجازها نما معها سلوك التنمية وفعلها وإنجازها وأرقامها ونسبها ومعدلاتها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع.
ولا شك لدينا في أن العالم من حولنا يسعى كما نسعى تمامًا، فالقوى العالمية- خاصةً الاستعمارية منها، التي ألّفت وتشكّلت ونمت في جزء كبير منها على تغيير هوية المجتمعات المستعمرة، ومن ثم على امتصاص موارد الشعوب الأخرى ودمائها- لا شك أنها تصارع وبكل ما أوتيت من قوة، خاصةً عندما أحست بيقظتنا وتحركنا نحو استعادة ذاتنا وحقوقنا ومكاننا الطبيعي في العالم الجديد.
- كما أن حق الإنسان في حرية اختيار معتقده وفكره وثقافته ومنهج حياته وطريقته كضرورة حياتية، أقرها الله عز وجل في كل رسالاته، وكانت الأساس في تنوع المذاهب الفكرية والسياسية في المجتمع القديم والحديث على السواء، وكانت الأساس للتنوع الفكري والسياسي اللازم لإثراء الحياة السياسية والتنموية، شرط توفر مبادئ الحريات العامة والعدالة والمساومة، والتي نظَّمها السياق الديمقراطي للفعل السياسي العام؛ ليتمَّ الحراك بين هذه القوى السياسية في إطار وطني لخدمة مصالح البلاد والعباد، ويظل قادرًا على استثمار إيجابيات التنوع البشري.
ومما أعتقده وأومن به- عقائديًّا وعلميًّا وتاريخيًّا- أن تخطيط الهوية وبناءها وإدارتها واستثمارها يتم عبر مسارين أساسيين:
المسار الأول: عبر حراك التدافع الطبيعي بين القوى السياسية التي خاضت تجربة مقاومة الاستبداد والتحرر منه، واجتهاداتها الفردية في إعادة بناء وتشكيل ذاتها الحقيقية في عصر الحرية والبناء، وهذا ما يحدث الآن كقوى إسلامية وقبطية وعلمانية وليبرالية واشتراكية ويسارية.. إلخ؛ حيث تتحرك جمعيها في إطار من الوطنية المصرية الخالصة، ونحو هدف واحد فقط هو بناء مصر الحديثة.
بطبيعة الحال سيحتاج ذلك إلى فترة زمنية لا تتجاوز سنوات معدودة تستعيد فيها كل قوة قدرتها على بناء وتطوير نفسها مؤسسيًّا وفكريًّا وبشريًّا وماديًّا بشكل جيد؛ حتى تكون قادرة على الحركة والتواصل مع المجتمع وإعادة تشكيل وحداته ثقافيًّا فكريًّا وسياسيًّا.
المسار الثاني: مسار الدولة كنظام سياسي ومؤسسات حكومية قادرة على التفكير والتخطيط والتنفيذ على المستوى القومي، يجب أن تتحمل الدولة مسئوليتها سريعًا، بتأسيس مؤسسة قومية كبرى- وزارة- تتولى مهمة تخطيط القيم وبناء الهوية الحضارية المصرية الجديدة، وتتولى مهمة الإشراف على تنفيذها وتطويرها، خاصةً أن هذه المهمة تعد من أولى المهمات وأولها في أي مشروع تنمية يمكن أن يتم، ولنا فيمن سبقنا من الأمم الناهضة الدرس والخبرة.
ومن المؤكد أن مسار الدولة في تخطيط وبناء وتمكين الهوية سيضبط ويرشد ويوجه- بل يدعم- مسار بناء الهويات الخاصة والعامة لدى التكوينات السياسية المتنوعة في المجتمع المصري.. كل هذا يدعونا إلى ضرورة إضافة وزارة جديدة للقيم والهوية في التشكيل الوزاري الجديد.
الأهداف الأساسية لوزارة القيم والهوية، تكون مهمتها:
1- توفير كيان مؤسسي متخصص ومحترف يقوم على إعادة ضبط وتنظيم البنية القيمية للمجتمع المصري ومراجعاتها باستمرار، والعمل على تطويرها بحسب معطيات العصر، وتطلعات الجماهير.
2- مراجعة وتحليل وتنقيح البنية القيمية للمجتمع المصري حاليًّا، والوقوف على أسباب ومصادر تشكلها وتكونها وتداعياتها القريبة والبعيدة.
3- تولِّي مهمة القيام بأبحاث القيم اللازمة للتنمية والنهوض، وفق المعطيات المحلية والإقليمية والعالمية.
4- تولِّي مسئولية التخطيط القيمي السابق والمصاحب لخطط التنمية في مصر، ووصف منظومة قيمية واضحة ومحددة للهويَّة القادرة على إنتاج الإنسان المصري الرباني الوطني المحترف القادر على التنمية والنهوض.
5- تولِّي مهمة مرصد لمتابعة الواقع السلوكي للمجتمع المصري ورصد حركة التفاعل القيمي فيه وتحليلها؛ تمهيدًا لإعادة ضبطها وترشيدها وتوجيهها في الاتجاه الصحيح للمصالح الوطنية.
6- جهة فنية واستشارية ومرجعية عليا للتخطيط والاعتماد ومشروعات البناء والتعزيز القيمي لجميع أجهزة الدولة ومؤسساتها، الحكومية والخاصة، والدعم الأساسي للقطاع الخاص نحو التوجه إلى الإدارة بالقيم المهنية.
7- إعداد وصياغة الإستراتيجيات اللازمة لنشر منظومة القيم الجديدة وتعزيزها وتمكينها وترجمتها عمليًّا في سلوك وإنتاج وإنجاز المجتمع المصري.
8- المشاركة التأسيسية كعامل مشترك في صياغة الإستراتيجيات الخاصة بكل المؤسسات الحكومية المختصة وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، والتي ستشارك في إعداد الإستراتيجية الوطنية المزمع إطلاقها في العهد الوزاري الجديد.
9- الجهة المسئولة عن إعداد وامتلاك نظرية عمل متكاملة لتنقية وتحديث وتطوير البنية القيمية المصرية، والإستراتيجيات اللازمة لبنائها وتعزيزها لتنمية وتطوير الموارد البشرية المصرية القادرة على تحقيق التنمية والنهوض.
في المقال القادم إن شاء الله نتناول الدوافع العشرة التفصيلية لإنشاء وزارة للقيم والهوية.
----------
مستشار تخطيط القيم والهوية- قطر.