هل وضعت الانتخابات أوزارها؟! هل انتهى ذلك الحلم الذي عشنا نرقبه مع كل ليل بهيم مضى علينا؟ هل وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح؟ هل حققت الثورة أهدافها؟!

 

لقد كنا نخرج من كل انتخابات سابقة بجراح مثخنة، وشقوق في جدار الترابط الاجتماعي، وعلاقات ممزقة، ومشاحنات ربما تحتاج إلى أعوام كي تلتئم، هل انتصرت إرادة الشعب؟ هل انتصرنا؟ هل جفَّت دماء الشهداء؟ هل استراح ذوو الشهداء؟!

 

في البداية يجب أن نعرف من "نحن"؟ هل نحن الدولة أم نحن الشعب أم نحن الثوار؟!

 

من ناحية الدولة، لقد انتصرت؛ لأنها وضعت نقطة وبدأت من أول السطر لتخط تاريخًا جديدًا وميلادًا سعيدًا بإذن الله لها، وأملي أن نكون في مصافِّ الدول التي تحترم إرادة الشعوب، وألا ننقلب على الديمقراطية مهما كانت نتائجها، لقد انتصرت أيضًا إرادة الشعب الذي تحدَّى بكل ثقة وعزم الدعوات التي نادت بتعطيل الانتخابات، وتغلب بكل مضاء على محاولات الوقيعة بين أبناء الوطن الواحد ومحاولات تدمير مصر وإرادتها، لقد انتصر الثوار الذي هدءوا قليلاً حتى يفسحوا المجال للمسيرة أن تنطلق، لقد كسرنا حاجز الخوف، وتخطَّينا حاجز الزمن، وقهرنا الديكتاتورية بصورها المفزعة والمؤرقة، ولقد زادت قناعاتي أن الأنظمة الفاسدة المستبدة قد تعرَّت حتى بعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة أمام الذين خدعتهم عبر سنوات طويلة، ولقد أيقنت أن تلك الأنظمة كانت العقبة القصوى في الطريق نحو تحرير الإنسان المصري وتحرير إرادته.

 

أما من ناحية "نحن" الشعوب، فما وضح لي أن الشعوب ما زال أمامها طور كبير حتى تملي إرادتها ومطالبها أمام حكامها وسلاطينها، فهي إن بدأت التحرك إلا أنه أمام أنغام الثورة وهول الضربات الموجعة كان تحركها مخيبًا للآمال، وهذا للأسف، فما زال فئام من أبناء الوطن الواحد ينسجون خيوط التلون، وينعقون مع كل ناعق، لا يبالون بما نحن فيه، فما زال أمام الشعب مشوار طويل ليرسم خطاه بصدق، وليبني مصر الحديثة.. ما زال أمامنا الدستور الذي يرسم خارطة العمل وهذا بعد انتخابات الشورى، وبعده انتخابات الرئاسة لتستقر الأوضاع، وبعدها ننطلق انطلاقة أخرى.

 

لكن لا يفوتني هنا أن أنبِّه إلى أننا ينبغي ألا نتوقف، ينبغي أن ندفع تجاه الاستقرار، تجاه الأمن، تجاه بناء اقتصاد قوي يغنينا عن السؤال ويحفظ لنا إرادتنا التي كانت من قبل يُمْلَى عليها بسبب المعونات وغيرها، نحتاج أن نملك قُوتَنا لنملك قرارنا، ومع مطلع كل يوم يكبر الحلم في صدورنا أن تعود مصر منارةً للدنيا، أن تتوسع في علاقاتها العربية، وأن تلتحم بجاراتها من الدول الإفريقية، نحتاج أن نبني جسورًا تهدمت بفعل فاعل، نحتاج أن نخرج من عزلتنا وأن نقول كلمتنا في كل محفل؛ وليس هذا ببعيد على شعب صنع ثورة ألهمت الأحرار في كل العالم وستظل قصصها تروى لقرون متعاقبة، نحتاج أن يضع كل مصري نصب عينيه مصلحة الجميع فوق مصالح شخصية باهتة قد تطيح بالجميع، نحتاج أن نلجم عواطفنا وأن نعمل عقولنا حتى ترسو مراكبنا على شاطئ آمن.

 

أما الثوار فهم في حاجة إلى ثورة أخرى على النفس، ثورة على الجمود، ليس أحدنا بوصيٍّ على الآخر ولسنا معصومين من الزلل، وليس كل ما نعتقده هو الصواب وما يعتقده غيرنا خطأً، نحتاج إلى أن نقبل الآخر ولو اختلفنا، أن نتواضع ولو انتصرنا، أن يخفض كل واحد جناحه للآخر، كلنا شركاء الوطن، شركاء المصير، شركاء في الثورة، قام بها كل الشعب بمختلف فئاته ومختلف مشاربه، ساعتها فقط سنكون قد وصلنا إلى غايتنا وحققنا ما تمنينا.