منذ أن ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928م، وحتى وقت قريب وهي تعمل في نطاق "الدعوة"؛ لا بمعناها الديني المحدود المتداول، ولكن بمعناها الواسع؛ الذي يجعل من "الدين" "منهج حياة" يحكم حركة العمل، لكنها على وجه العموم توجَّهت إلى بناء إنسان يستطيع أن يحمل لواء الدعوة، ومن ثم بناء "التنظيم"، وتلك هي العملية "النواة" الضرورية لضمان صلابة التنظيم وقوته، وهو ما برهن عليه ثلاثة وثمانون عامًا، تعرضت فيها الجماعة إلى حرب ضروس؛ كان من شأنها أن تفكك التنظيم وتزرع في نفوس أعضائه الخوف والجبن والتردد، لكن العكس هو الذي حدث، زاد الأعضاء عددًا، وزادوا صلابةً وقوةً والتفافًا حول المنهج، وهو ما كشفت عنه أحداث ثورة يناير، عندما أضيئت أنوار المسرح، وبدت "المحظورة" موضع حديث الجميع بأنها الأكثر تنظيمًا، والأكثر انتشارًا، والأشد قوةً.
ثم كان ما كان في التوجه إلى العمل السياسي المباشر، من خلال حزب استطاع أن يحرز المركز الأول في انتخابات طويلة متعددة المراحل، استغرقت ما يقرب من شهرين، معلنةً بذلك انتقال الجماعة نقلةً "نوعية" من خلال التحول من عملية بناء "الدعوة" إلى عملية بناء "دولة"، والتي تحتاج إلى نظرة مختلفة وأساليب متباينة، وتحالفات ضرورية، وهذا جهاد أكبر بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان.
كانت الجماعة- وهي تبني نفسها وتتحرك وفق أهدافها- تعمل منفردةً، وأصبحت الآن- وهي على أولى خطوات بناء الدولة- أمام ضرورة ألا تنفرد بالحركة على هذا الطريق، فما سوف يكون مطلوبًا عمله هو أمر يخص الثمانين مليونًا من المصريين، وهؤلاء المصريون متعدِّدو المشارب والميول والتوجهات والعقائد والمذاهب والأفكار، مهما بلغ عدد كلٍّ منهم فهم جميعًا شركاء في بناء الوطن وبناء الأمة؛ مما يفرض على الجماعة أن تسارع إلى إقامة الجسور بينها وبين كثير من التنظيمات والأحزاب والتوجهات الأخرى، مهما تغايرت معها، ومهما اختلفت، وقد وعى الحس التاريخي الشعبي المصري هذه الحقيقة، فعبَّر عنها بالمثل الشهير: "القفة اللي لها ودنين.. يشيلوها اثنين"!.
ولعل أخطر اختبار لمدى الوعي بحتمية هذا؛ هو الموقف من اللجنة التي سوف تشكَّل لوضع الدستور، وهي القضية التي تثير قلقَ كثير من التوجهات والتنظيمات الأخرى، وهو قلق مشروع؛ حيث إن الدستور مفروض ألا يكون فقط للدورة البرلمانية الحالية؛ بحيث تنفرد بالتحكم فيه القوة الفائزة في الانتخابات، بل هو منهج للحياة المصرية لمدة عقود قادمة بإذن الله، ولا أحد يعلم- على وجه اليقين- من ستكون له الأغلبية في الدورة الثانية، وكذلك الثالثة، وهلم جرّا.
كذلك، فإن الدستور لا بد أن يكون ملبيًا لاحتياجات المواطنين المصريين كافةً، ومنهم طوائف وجماعات ومذاهب، قد يكون عدد كل منها قليلاً، لكن هذا يستحيل أن يبرر التغافل عن وضع مصالحهم واحتياجاتهم بعين الاعتبار.
والدولة- كما هو الشأن في كل زمان ومكان- تعيش عالمًا متشابك الأطراف، متداخل المصالح، ومتعدد الأعراق والاتجاهات، ومصالح مصر تتداخل وتتقاطع وتتشابك مع مصالح الكثرة الغالبة من دول العالم، وخاصةً الكبرى منها؛ مما سوف يفرض أسلوبًا ومنهجًا يختلف تمامًا عما كان من أمر الدعوة التي كان شغلها الشاغل: كيفية التعامل مع نظام دولة واحدة، هي الدولة المصرية، التي يحكمها نظام سياسي كان في معظم أحواله معاديًا ومحاربًا للجماعة.
ولعل ما قاله الزعيم البريطاني الشهير "تشرشل" قد نطق بالصواب عندما ردَّ على من انتقده بتحالفه مع الاتحاد السوفيتي، أثناء الحرب العالمية الثانية، حامل لواء الشيوعية، وهو زعيم دولة مناقضة لهذا التوجه؛ بقوله إنه مستعدٌّ أن يتحالف مع الشيطان- مع الأخذ بعين الاعتبار ألا تؤخذ العبارة بنصِّها الحرفي، بل بمغزاها- من أجل مصلحة وطنه بريطانيا.
كذلك، فقد اتهم كثيرون الجماعة بأنها لا تملك إلا الشعارات العامة، واللافتات البرَّاقة، لكنها تفتقد "البرامج العملية" التي تتجه إلى مصالح المواطنين، وعلى الرغم مما قد يثيره هذا من جدل فإن الجماعة مطالبة الآن- بل وربما قبل الآن- بالمسارعة إلى تشكيل "مركز للدراسات الإستراتيجية"، يقوم على لجان فرعية متعددة، يعكف كلٌّ منها فورًا على قضايا الوطن والأمة، تفكيرًا وبحثًا ودراسةً، ويكون الهدف من كل هذا هو الإجابة عن سؤال واحد في كل مجال: كيف؟ ويكون هذا المركز هو "العقل المفكر" لعملية بناء الدولة، مع الحرص على أن يشارك في تكوينه "أصحاب الرؤى والخبرة والتخصص"؛ حتى ولو كانوا مغايرين حزبيًّا.
وعلى سبيل المثال مما قد نفهم فيه بحكم التخصص المهني والعلمي، نجد التعليم المصري مثقلاً بكمٍّ مفزع من المشكلات التي تراكمت عبر عقود جعلت من هذا التعليم "سُبّة" في جبين الأمة، وعارًا يحتاج إلى جهد مذهل؛ أولاً لإيقاف نزيف التراجع والتخلف، ثم ثانيًا لبناء ما يجب أن يكون من أجل جعل هذا التعليم بالفعل "زناد" تقدم وقاطرة "إعمار" يشكِّل المهمة الثقيلة التي من أجلها جعل الخالق عز وجل من الإنسان خليفةً له على الأرض.
فهنا تكون مهمة الجماعة المختصة بالشأن التعليمي أن تحصر أبرز المشكلات، وأهم الأوجاع، ثم ترسم الخطوط العريضة لسبيلين لا بد منهما معًا: أولهما؛ ما يمكن تسميته بالمهمة الإسعافية العاجلة، لوقف النزيف الحادث المشار إليه، ثانيهما: رؤية لإستراتيجية تطوير التعليم في مصر تتسم بالكلية والشمولية، وتخطط للمستقبل؛ بمعنى أن تتناول كل مراحل التعليم وأنواعه: العام والفني، المدني والديني، والعالي.
ومما لا بد منه مرةً أخرى أن يكون الشغل الشاغل لمن يتوفرون على هذه المهمة- وبالمثل غيرها في المجالات كلها- هو جعل التساؤل المهم: (كيف؟) هو الشعار؛ حيث أستطيع أن أقرر بكل ثقة- أيضًا بحكم خبرة ما يقرب من نصف قرن- أنه ما من مشكلة من مشكلات التعليم إلا وهناك عشرات البحوث والدراسات التي تناولتها، وهي بحاجة إلى "تحديث"، وإعادة تكييف ونفض لما ران عليها من أتربة الإهمال والغفلة، وربما التعمُّد، وبالتالي نسدّ الباب أمام الفكرة الشهيرة: نحن لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة.
وهكذا قل في كل شأن من شئون هذا الأمة التي تنتظر، بل وينتظر معها العالم أجمع: كيف سيسلك الإخوان المسلمون طريق "بناء الدولة"، بعد أن نجحوا على طريق "بناء الدعوة"؟!