العلمانية هي عدم الاعتراف بأهمية الدين في حياة الشعوب، وتحطيم كل ما هو مقدَّس، وهي تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدنيا فقط.

 

وقد بدأت العلمانية في أوروبا وصار لها وجود سياسي مع الثورة الفرنسية عام 1789م، وقد عمّت أوروبا في القرن التاسع عشر، وانتقلت لتشمل معظم دول العالم في السياسة والحكم في القرن العشرين بتأثير الاستعمار.

 

من هنا ظهرت العلمانية كثورة على النفوذ الديني للبابوية في العصور الوسطى؛ حيث كانت الكنيسة ترفض الأفكار العقلانية، يقول "رابويرت" صاحب كتاب "مبادئ الفلسفة": "كانت الكنيسة عدوة الفلسفة والعلم فجمدت الحياة العقلية، ولم تسترد نشاطها إلا بعناء عندما انبعثت أشعة النهضة ممتزجة بأشعة من الشرق الإسلامي فأضاءت سماء القرون الوسطى المظلمة".

 

وقد مارست الكنيسة وسائل عديدة في صرف العلماء عن علمهم، بل تعدّى الأمر إلى محاربتهم وقتلهم، فعندما حاول العالِم "جاليليو" إثبات فكرته بأن الأرض تدور حول نفسها، خافت الكنيسة من إعمال الفكر، فقبضوا عليه وعذبوه حتى الموت.

 

ثم جاء "نيوتن" بنظرية "الجاذبية"، ومفادها أن الكائنات أو الكواكب جميعًا تتماسك بفعل الجاذبية، وكانت الطامة الكبرى، برغم أن كل هذه النظريات لا يترتب عليها أية إساءة إلى الدين، إلا أن الكنيسة اعتبرتها مصائب يجب القضاء عليها في مهدها، وترتب على ذلك ثورة من علماء الفكر على الكنيسة لأنها تعادي العلم، ومن هنا بدأ الفكر العلماني نشأته آخذًا في التطور، وتسرَّب إلى العالم العربي من خلال منارات العلم، كالقاهرة ودمشق وتركيا، إلى باقي البلدان العربية.

 

وفي عام 1883م أدخل الخديوي إسماعيل القانون الفرنسي إلى مصر، وكان مفتونًا بالغرب، على أمل أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا.

 

وفي العصر الحديث في الربع الأول من القرن العشرين نجد أن أبرز دولة إسلامية حكمتها العلمانية، ونفّذت فيها خططها وسياستها، وضربت بيد من حديد كل من يقاومها، وخاضت في ذلك معارك عديدة، هي: تركيا، بلد الخلافة الإسلامية حتى عام 1924م، التي قهرها "كمال أتاتورك" على تطبيق النموذج الغربي في الحياة كلها، وسلخها من كل تراثها، وقيمها، وأقام دستورًا علمانيًّا، يهدف إلى عزل الدين عن الحياة عزلاً كاملاً، ويسير على المنهج الغربي في كل شيء؛ حيث جعل كمال أتاتورك من العلمانية أساس الدولة وأساس التحديث فيها؛ مما كان يعني أن الإسلام يجب أن يخرج من الحياة العامة، ليحتفظ فقط بحق التأثير في ضمائر المتدينين.

 

وهكذا تحولت دولة الخلافة الإسلامية إلى دويلة مقطوعة الصلة بعالمها الإسلامي، تابعة للغرب في ثقافته وتقاليده، بعد أن كانت تحكم العالم بأسره.

 

ومن أهم الأفكار والمعتقدات التي تدعو إليها العلمانية:

 

1- فصل الدين عن السياسة، وإقامة الحياة على أساس مادي.

2- تطبيق مبدأ البرجماتية (النفعية) في كل شيء في الحياة.

3- الزعم بأن الإسلام استنفد أغراضه ولا يصلح للعصر الحديث.

4- الزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف.

5- هدم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية.

6- الطعن في حقيقة ومبادئ الإسلام والقرآن والسنة.

7- أن الحياة تقوم على أساس العلم المطلق، وتحت سلطان العقل والتجريب.

8- اعتماد مبدأ الميكافللية في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق.

 

ومن أبرز دعاة العلمانية في العالم العربي والإسلامي: أحمد لطفي السيد، إسماعيل مظهر، قاسم أمين، طه حسين، عبد العزيز فهمي، ميشيل عفلق، أنطون سعادة، سوكارنو، سوهارتو، نهرو، مصطفى كمال أتاتورك، وحديثًا مراد وهبة، وغيرهم كثير في العالم العربي والإسلامي.
تلك هي حقيقة العلمانية وأهم مبادئها التي تدعو إليها؛ فهل تناسب الهوية والواقع العربي والتقاليد والأعراف العربية؟!

 

---------

* مدير المركز الحضاري للدراسات المستقبلية- nassareg2000@gmail.com