هناك أقوام من المسلمين ينظرون في واقع المصريين، ويرون أن الخرق فيه قد اتسع على الراقع.. فساد كبير وخلل عظيم في كلِّ مناحي الحياة، على مستويات الفرد والأسرة والمجتمع والمؤسسة، وفي المجال الأخلاقي والأمني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والإعلامي، ولذلك فهم يحسبون أن صلاح الحال وتغير الأمور إلى الأحسن والأفضل لا يمكن حصوله إلا بمعجزة خارقة؛ أي بعمل إلهي فوق طاقات البشر؛ فهم كالذي ينام في بيته وهو يأمل إذا ما استيقظ في الصباح أن يجد الحال المُعْوَجَّ قد تغير، فيصبح وهو يرى الناس قد استقامت سلوكياتهم الفاسدة، ويجد العدل وقد ساد، والفضيلة وقد احتُرِمَت، والأمن قد عاد، والرخاء قد عمَّ.
وهذا الفهم خاطئ، والسبب في عدم صحة هذا التفكير أن زمن المعجزات والخوارق قد انتهى بالرسالة الخاتمة، والقرآن صريح في أن الله تعالى لا يغيِّر ما بنا إلا بعد مقدمة نفعلها نحن، وهي أن نغير ما بأنفسنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، وليس ما بثيابنا وشكلنا الخارجي، ولا حتى بتغيير نظام الحكم فينا.
وحياته صلى الله عليه وسلم ظاهرة الدلالة على هذا المعنى، فالهجرة النبوية احتاجت كي تنجح إلى أخذ بالأسباب وبذل للمقدمات، وهكذا الغزوات وفك الحصار عن المدينة في الخندق وغيرها، فلم يجلس صلى الله عليه وسلم يترقب الخارقة من السماء، واضعًا يديه على خديه، بل إنه حتى لم يكتف بالجلوس في المسجد ليصلي ويدعو ويسبح في الوقت الذي يحاصر فيه المشركون المدينة، وإنما وقف صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم، يحرسون الخندق في دوريات نهارية وليلية لا تتوقف، حتى شغل بالقتال والدفاع عن الصلاة في المواعيد المحددة.
وأخشى ما أخشاه أن يكون أصحاب هذا التفكير مدفوعين إليه بدافع البحث عن مبرر لتقصيرهم فيما يجب عليهم من واجبات وتكاليف في هذه المرحلة المهمة التي تمرُّ بها مصر؛ فهم علموا أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، والأرض لا تنبت من غير بذر، والنجاح لا يُنال من غير مذاكرة وتعب، والصعود إلى القمة يقتضي تحمُّل عناء تسلق الجبال ومواجهة خطر السقوط، لكنهم في الوقت ذاته يعلمون أن الوصول إلى الذهب واستخراجه من باطن الأرض يقتضي الاستيقاظ مبكرًا وبذل الجهد العظيم، فضلاً عن ضرورة التغلب على عوائد كثيرة اعتادوها في النوم الكثير، والأكل الكثير، واللهو الكثير، وقتل الوقت في غير عمل نافع أو عائد مفيد لهم ولأمتهم.
وبناءً عليه فقد أدرك إخواننا أن تغيير ما بالنفس، وقد اشترطه الله تعالى علينا، ليصلح أحوالنا، لا يتم بالأماني الفارغة أو بمجرد الكلام أو حتى إبداء الرغبة في هذا التغيير، فلما رأوا ذلك، وأيقنوا أن لا سبيل أمامهم للوصول إلى الإصلاح المنشود إلا الشروع الحقيقي في التخلص من الأخطاء التي يقعون فيها- هم أنفسهم، وليس الحكومة أو الآخرين- صباح مساء في أقوالهم وأفعالهم ووظيفتهم وفي تعاملهم مع ربهم، ومع أنفسهم ومع أهليهم وجيرانهم وفي وظائفهم، عندها- وفقط- أوحى لهم شيطانهم بهذه الفكرة؛ أعني فكرة أن الإصلاح يحتاج إلى معجزة فوق طاقة البشر حتى يستمروا فيما هم فيه من خلل يرضيه عنهم، ويجعلهم يسيرون في ركابه، ولا يبدأ كل واحد منهم بإصلاح نفسه إصلاحًا حقيقيًّا.
أيها الأحباب.. من كان صادقًا في رغبته في إصلاح مصر وتغييرها للأحسن والأفضل، فليبدأ من هذه اللحظة في إصلاح نفسه، ومجاهدة هواه، ولا يؤجل أو يسوِّف، ولا يعلِّق إصلاح نفسه على قيام الآخرين بالبدء في هذا الإصلاح؛ لأن كل واحد سيُسأل عن نفسه وسيُسأل العبد: لماذا لم تكن أنت صالحًا؟ ولن يقال له: لماذا كان الآخرون فسدة أو منحرفين؟ فإن استمر الطالب في طريق عدم المذاكرة وعدم السعي للتفوق فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته في إصلاح حالها، وإن استمر التاجر في الغش والرغبة في الربح- ولو من طريق الحرام- فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته إصلاح حالها، وإن استمر الصانع في عدم إتقان عمله وتضييع أوقات وأموال الناس في سبيل تحصيله القدر الأكبر من المكاسب فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته في إصلاح حالها، وإن استمر الموظف في التخلف عن الذهاب لعمله في المواعيد وتعطيل مصالح العباد إلا إذا قدموا له الهدايا والهبات فهو كاذب في دعوى محبته لمصر ورغبته في إصلاح حالها.
وهكذا.. كل مواطن.. في أي مرحلة عمرية.. وفي أي مكان.. وفي أي تخصص.. مطالب بتغيير ما بنفسه وسلوكياته التي لا تساعد في بناء مصر، طبيبًا كان أو مدرسًا، مهندسًا كان أو عاملاً، مزارعًا كان أو محاسبًا، طالبًا كان أو موظفًا، رجلاً كان أو امرأةً، فإن لم يفعل فهو يعطِّل مسيرة إصلاحها، ويوقف عجلة تقدمها، حتى ولو كان من أكثر الناس نقدًا للأوضاع القائمة، أو كان من أكثر الناس ضجيجًا وحديثًا، فمصر لن تتغير بالضجيج ولا بكثرة الكلام، وإنما بالقاعدة القرآنية (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11).
وعلى كل واحد منا أن يجلس مع نفسه الليلة، وليس غدًا، ويحدثها بصدق في جلسة مكاشفة، وكل واحد منا أدرى بنفسه؛ ليحدد نواحي الخلل عنده في سلوكياته هو، قبل أن يجلس ليُشَرِّحَ في سلوكيات الآخرين، ويضع جدولاً زمنيًّا يحدد فيه الوقت المخصص للتخلص من كلِّ سلوك غير جيد، ويحاسب نفسه على عدم الالتزام به حسابًا شديدًا، وكيف لا يفعل والفشل في ذلك يعني فشل مصر؟ والإخفاق في هذا يعني إخفاق الثورة وضياع الدماء والأشلاء وتبديد الحلم الذي لاح في الأفق!!.
طامع أن أكون قد وفَّيت في تسليط الضوء على هذه الفكرة، وبيان ما فيها من عوج وزلل، وأرجو من إخواننا في الله تعالى ألا يبخلوا عليَّ ولا على إخواننا بالنصيحة فيما يمكن أن نفعله لوضع ما كتبناه هنا موضع التنفيذ والتطبيق، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.