لم يستخدم العرب في الجاهلية لفظ "النفاق" بمعناه الاصطلاحي المخصوص به، وهو ستر الكفر وإظهار الإسلام، أو إظهار الإنسان عكس ما يبطن، ولم يعرف المسلمون النفاق في العهد المكي لأنه لم تكن هناك داعية تدعو إليه.
فالذين أسلموا إنما أسلموا طواعية، وليس لهم مطمع دنيوي، ولم يكن هناك ظروف تجبرهم على إظهار الإسلام، وستر الكفر، وكان أغلبهم من الفقراء والمستضعفين.
وإنما بدأ النفاق في المدينة؛ لذلك ليس هناك آية مكية واحدة فيها كلمة "النفاق"، أو ما يشتق منها، وتزعَّم المنافقين عبد اللّه بن أُبيّ بن سلول الذي كاد الأوس والخزرج يتوجونه ملكًا لولا هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة، وانصراف الناس عنه إلى النبي والإسلام، فلجأ الرجل الموتور إلى النفاق، أي إظهار الإسلام، وإبطان الكفر، وجمع حوله من كان يظاهره، ويعينه على الغدر والخيانة.
وقد فضح القرآن الكريم هؤلاء المنافقين، وقدمت سورة البقرة (في الآيات من 8 إلى 16) صورة جامعة لهم، وكذلك آيات أخرى في سور: التوبة والمنافقون والنساء.
ومن ملامحهم: الكذب والخداع والجبن والغدر والضلال والغرور والنفعية والتذبذب والتردد.
وقد أبرز النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الصفة الأخيرة فيهم بتصوير موجز مبين إذ قال: "مثل المنافقين كمثل الشاة العائرة (العوراء) بين غنمين، تعير (تتردد وتذهب) إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة"، وجاء هذا الحديث مصداقًا لقوله تعالي: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) (النساء).
ولخطورة النفاق حكم اللّه سبحانه وتعالى على النفاق بأنه كفر، وأن مصير المنافقين والكفار سواء، يقول تعالي: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)) (النساء).
ولكن المنافق- من الناحية العملية- أضل وأسوأ من الكافر؛ لأنه ساواه في الكفر وزاد عليه الخداع والتضليل، كما أن عداوة الكافر عداوة صريحة يواجه بها المسلم، ويواجهه المسلم على أساسها، ولكن المنافق يبطن الكفر والعداوة، ويتخذ من إسلامه الظاهري "جُنّة" تحميه، وأحكام الإسلام تدور على الظاهر، وعلى اللّه السرائر، قال الراغب الأصفهاني: "لقد جعل اللّه المنافقين شرًّا من الكافرين إذ قال: (الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)) (النساء)".
**********
وخطورة النفاق ترجع إلى أن المنافقين يظهرون الود والإسلام ويبطنون الكفر، ومن ثم لا يستطيع النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يقاتلهم أو يقتلهم؛ لأن القاعدة في الإسلام هي: "لنا الظاهر وعلى الله السرائر".
كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "أربعٌ من كن فيه كان منافقًا، وإن كانت خصلة منهن فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر". (أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان وقال حديثٌ حسنٌ صحيح)، وإنما معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.
هكذا رُوي عن الحسن البصري شيءٌ من هذا أنه قال: (النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب)، ومعنى هذا أن القدر المشترك بين نوعي النفاق هو إظهار خلاف ما يبطنه المنافق، وهذا يعني أن النفاق تتطور مفاهيمه بتقدم الزمن وتغير البيئات.
وأشهر صور النفاق في وقتنا الحاضر هي مجاملة الحكام، وتوثينهم، وكأنهم من طينة غير طينة البشر، مع التهوين من شأن أعداء الحكام، وأنهم أمام عبقرياتهم وقوتهم لا شيء، والنتيجة معروفة إنما هي الهزيمة المنكرة- لا للطاغية فحسب ولكن للأمة التي نافقته- ولم تضرب على يده ولم تعرفه حقيقته، وقد صدق خليل مطران إذ قال:
من يلمٍ نيرونَ؟ إني لائم أمةُ لو قهرته ارتد قهرًا
كل قوم خالقوا نيرونهم قيصر قيل له أو قيل كسرى
وينقل لنا التاريخ أن نيرون كان ذكيًّا عادلاً، حسن السلوك مستقيم المسيرة، ولكن النفعيين الحريصين على الدنيا أخذوا يجاملونه، ويؤلهونه إلى أن طغى وتجبر بلا توقف، وهو معروفٌ بأنه حرق روما، إظهارًا لقوته، وتغذية لغريزته المتألهة.
**********
وفي عهد مبارك زاد النفاق وفاض بصورة لم يحفظ التاريخ مثلها، ومن أمثلة النفاق ما كتبه ذات يوم المستشار محمد مجدي مرجان في أهرام الأربعاء 3/3/2005م تحت عنوان "مبارك يا مصر"، ومما جاء في مقاله "منذ إعلان الخطوة التاريخية (تعديل المادة 76)، والمزايدون في ذهول، فقد أفقدهم الرئيس مبارك الوعي، فسحب البساط من تحتهم، وأفلست تجارتهم، وانصرف الناس عنهم، بعد أن ألقمهم مبارك حجرًا، وقفز إلى أبعد مما كان يتصوره أو يحلم به أحد، إن ما فعله مبارك ابن مصر البار لأمه الحبيبة ولأبنائها خلال العقدين الماضيين لم يحدث منذ مئات السنين، وعشرات الأجيال، ولو تدفقت الدماء في الشوارع أنهارًا...".
كل ذلك يا سيد مرجان من أجل تعديل مادة في الدستور، وهو تعديل غارق في القيود والشروط المستحيلة.
ودخل علماء دين هذا المضمار البغيض فوجدنا أحدهم يمدح مبارك بنص ديني وهو "مبارك الآتي باسم الرب"، ولجأ هذا الرجل- الوقور جدًّا- إلى تزوير النص الديني وهو "مباركٌ شعبي مصر" ومبارك في العبارة السابقة خبر- خبر مقدم- وشعبي مبتدأ مؤخر، ومعناه: أن شعبي مصر شعبٌ مبارك، أي باركه الله.
زيف الرجل النص وعرضه بالصورة الآتية: "مباركُ شعبِ مصر" وبذلك تكون مبارك مضاف وشعب مضاف إليه، ثم علق وقال: إن هذه مشيئة الله، إذ جعل أو خص الشعب المصري بمبارك من أيام أن كان جنينًا.
وإذا نظرنا إلى أعضاء (مدرسة المستنقع) رؤساء تحرير ما يسمى الصحف القومية، لوجدناهم أشد الناس نفاقًا، وأحرصهم على المنصب، والمرتب الفلكي، والمقام يطول لو رحنا نقدم نصًّا لكل واحد من هؤلاء، ولكننا نكتفي بكلماتٍ كتبها ممتاز القط في عدد من أعداد أخبار اليوم تحت عنوان "صفر على عشرة": "ما الذي فعلته الدولة في مواجهة جماعات الردة والضلال، التي تتمسح في الدين، وتستغل بساطة وطيبة وأخلاق أبناء شعبنا الطيب، الذي يستهويه الشعور الديني، وذلك لدعم تواجدها وفرض إرادتها؟!.
للأسف الشديد، المواجهة بالشرعية والقانون، كانت تسير على طريقة الرقص على السلالم، وترك الساحة خالية أمام ثعابين الظلام، التي تنفث سمومها وأحقادها على مرأى ومسمع من القانون والقائمين عليه.
هناك حساسية مفرطة للغاية، ولا يوجد أي مبرر لها في تعاملات الدولة مع قلة قليلة من القضاة، لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، قضاة طلبوا منحهم جنسية موريتانيا، في واحدة من أفظع مقالات الذل والاستكانة والهوان، قضاة أصبحوا نجومًا في القنوات الفضائية، التي تخصصت في الهجوم على مصر، ومحاولة النيل من إنجازاتها، وذلك استجابة لقوى دولية تحتل دولهم، وتسير أمورهم، وتتحكم في كل صغيرة وكبيرة داخل قصورهم التي ينتشر في جنباتها الفساد والرذيلة.
قضاة يستخدمون ألفاظًا سوقية ممجوجة، لو قالها أحد المواطنين لحكموا عليه بالسجن، ولكنهم معصومون من الخطأ!! هم فوق القانون!! عفا الله عما سلف، والصلح خير، حتى لو كانت "الشتيمة" قد تمت في سوق، وأمام مسمع ومرأى الملايين، وأما الصلح فتم في "شاليه".
ومما نشره موجها حديثه لمبارك: "... إلى من نلجأ إلا إليك...".
وصرح صفوت الشريف: "... إن الحزب الوطني بأكمله يأمل في ترشيح الرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة؛ حيث إنه بحجمه السياسي أسطورة لن تتكرر، وليس له بديل، فهو زعيم هذا الوطن وهذا الحزب والكل معه".
ومما نشره القط في أخبار اليوم 27/3/2007م: "في الخفاء، وفي سرية كاملة، بدأت جماعة الإخوان المحظورة إعادة ترتيب البيت لمواجهة التداعيات السلبية، التي كشفت عنها بعض المواقف الأخيرة، والتي ساهمت في تعرية وفضح حقيقة الأهداف التي تنشدها، وهي الوصول إلى السلطة، وبأي ثمن.
لقد منيت الجماعة بهزائم متلاحقة، بعد أن وضح أن التخفي وراء الدين أصبح حيلة بالية لا تنطلي على المواطنين، وخاصة البسطاء منهم، والذين خدعتهم لبعض الوقت الشعارات الجوفاء للجماعة".
**********
وكتب أسامة سرايا مقالاً ينضح بالمغالطات والنفاق، وينزل بالقيم الإنسانية إلى الدرك الأسفل، عنوان المقال "في وداع عام واستقبال آخر" والمقال منشور في أهرام الجمعة 31/12/2010م ومما جاء فيه:
"...... والمتابع لخطابات الرئيس مبارك وتوجيهاته للحكومة يدرك أن عام 2011م سوف يشهد كثيرًا من الجهود لتحسين الأحوال المعيشية لمحدودي الدخل، وزيادة فاعلية جهود مكافحة الفقر.
وعلي الصعيد السياسي كانت نهاية عام 2010م مواكبة لبدء أعمال الدورة البرلمانية الحالية لأكثر مجالس الشعب إثارة للاهتمام، فقد جاء المجلس بعد معركة انتخابية قوية أسفرت عن انحسار شديد لقوة جماعة الإخوان المسلمين في الشارع المصري، بعد خمس سنوات من المشاركة في البرلمان بنحو ثمانية وثمانين نائبًا، صحيح أن الجماعة ملأت الدنيا اتهامات ولكن الحقيقة هي أن عملاً دءوبًا ومنظمًا وسياسيًّا مشروعًا قد بذل طوال السنوات الخمس التي فصلت انتخابات 2005م عن انتخابات 2010م لكشف ممارسات الجماعة وأهدافها، ومما أسهم في تراجع شعبية الجماعة وسقوطها المروع في انتخابات هذا العام هو أن الجماعة قد استكانت للاعتقاد بأنها قوية ومرغوبة ومطلوبة، وأن الدين وحده يكفي لأن يحملها الناخبون إلى مقاعد البرلمان، كان الرأي العام المصري يتغير بعيدًا عنها في الوقت الذي يزداد تشددها وتتعاظم أخطاؤها، كانت الهزيمة الكبرى للجماعة من بين أبرز الأحداث السياسية التي جاءت بها انتخابات 2010م.
وعلى المستوي الحزبي فقد كان الفوز الكاسح للحزب الوطني بأغلبية مقاعد البرلمان يحمل شيئًا أيضًا من المفاجأة، على الرغم من أن تحقيق الأغلبية كان متوقعًا للحزب الوطني بفعل الاستعدادات والترتيبات التي اتخذها الحزب قبل وقت طويل من الانتخابات، ومن المخيب للآمال ذلك العدد المحدود من المقاعد الذي ذهب للأحزاب السياسية الأخرى التي يبدو وكأنها فوجئت بالانتخابات عشية إجرائها فلم تستعد الاستعداد الكافي.
انتهت الانتخابات وأصبح الحزب الوطني مسئولاً عما تجري به الأحداث في أرض الوطن في الأعوام الخمسة المقبلة، ولقد كان من حقِّ الحزب أن يحتفل بما أنجز في الانتخابات ولكن مسئوليات كبيرة تنتظره في ضوء النجاحات التي تحققت في المجال الاقتصادي طوال السنوات القليلة الماضية، ولذلك ظهر سياسيو الحزب الوطني أشد احترامًا للمشهد السياسي المصري وأكثر حرصًا على التعاون مع الأحزاب الأخرى وفتح أبواب الحوار معهم.
بدأ الرئيس مبارك الدعوة لتنشيط العمل الحزبي، حين أكد على أهمية العمل الحزبي، وأن يظل رهنًا بالتواصل مع الشارع بمشكلاته وهمومه، وشدد على أن الحزب الوطني يرفض احتكار العمل الوطني والحزبي ويتطلع لتعزيز التعددية والمنافسة، وكذلك أكد أمين عام الحزب الوطني صفوت الشريف وأمين السياسات جمال مبارك وباقي السياسيين والمتحدثين بل وأعضاء الهيئة البرلمانية".
**********
والحكم المنصف على النفاق من استقراء الإبداعات (! ! ! ! !) السابقة- وغيرها كثير- يقطع- في إيجاز-:
1- بأن النفاق يدل دلالة حاسمة على الخلل النفسي والعقلي للمنافق، بما يصرح به من مغالطات وكذب وافتراء، فهو مخلوق يخرِّب نفسه بيده.
2- وأنه يدفع الحاكم إلى الغرور والضراوة والفرعونية والتوثن الذاتي.
3- أنه يحقر من شخصية المواطنين وهوية الوطن، ومصداقية ولاء المواطنين.
4- أنه يفرغ المواطن من الداخل ويجعله غثاءً كغثاء السيل.
5- أنه يخلق طبقة جديدة من النفعيين الذين لا يبالون بتخريب كل شيء في الأمة من مال ومقتنيات بل وأعراض وحرمات.
**********
وأعتقد أن القارئ السوي بعد ذلك يؤمن بضرورة تقديم المنافقين للمحاكمة، بعد أن جعل الله سبحانه وتعالى مصيرهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، والنفاق- كما ذكرنا- يكون أشد من الكفر.