تحظى المؤسسة العسكرية المصرية بقدر كبير من الاحترام والتقدير لدى عموم المصريين؛ لاعتبارات كثيرة تبدأ برصيدها الوطني في الدفاع عن مصر وتحرير أراضيها، فضلاً عن كونها لم تكن يومًا ما طرفًا في صراع أو صدام مع الشعب المصري "باستثناء المحاكمات العسكرية للمدنيين التي ورَّط فيها مبارك القضاء العسكري وعن عمد"، وأخيرًا؛ لأن غالبية المصريين قد خدموا في القوات المسلحة؛ نظرًا للتجنيد الإجباري المعمول به في مصر.

 

لكن هذه المؤسسة العملاقة أصابها ما أصاب مصر الدولة والمؤسسات؛ بسبب مناخ الاستبداد والفساد والقمع فعانت مما سُمي بالتطهير، وهو التخلص من القيادات العسكرية العليا التي يشك في ولائها ليس للوطن لكن لشخص الرئيس والنظام الحاكم، وذلك بالإحالة إلى المعاش الإجباري المبكر أو قبول التقاعد الاختياري، ومن ثم لم يقترب من الدوائر العليا لصنع القرار العسكري إلا من هو مضمون الولاء الكامل لشخص الرئيس والنظام الحاكم "إشكالية واقعية"؛ لذا كان لهذه الخلفية انعكاساتها على الموقف من الثورة وإدارة شئون البلاد، ما أوجد حالةً من الاشتباك بين قطاعات مصرية متعددة وبين المجلس العسكري، وهو ما طرح مصطلح الخروج الآمن، مصطلح غير مريح لكيان يتمتع بتاريخ مشرف وواقع مرتبك!.

 

الموقف من الثورة

بناءً على الرؤية السابقة لم تكن المؤسسة العسكرية طرفًا منذ يوم 25 يناير، وبعد ثلاثة أيام، الجمعة 28 يناير انسحبت قوات الأمن من الشوارع بعد الفشل في مواجهة الاحتجاجات التي ازدادت بطريقة لم يعد هناك جدوى من مقاومتها، ووقتها هتف المصريون في شوارع مصر وميادينها: "واحد اتنين الجيش المصري فين؟!" وكانت الدعوة الصريحة لنزول الجيش إلى الشوارع لتأمين البلاد بعد انسحاب قوات الأمن التابعة لجهاز الشرطة، في الأيام الأولى لنزول الجيش كان موقفه مرتبكًا يبدو أنه محايد؛ لكن هناك بعض الشواهد أكدت أنه كان منحازًا للنظام؛ بدليل موقفه من المجزرة البشرية التي شنَّها رجال مبارك، والتي سُميت "موقعة الجمل"، حين أخلت القوات الموجودة بميدان التحرير الطريق أمام حشود البلطجة والقتلة.

 

فشلت الهجمة البربرية في موقعة الجمل الأربعاء 2/2/2011م، وأمطرت السماء بشرًا من كل حدب وصوب نصرةً للمتظاهرين، وخرج الموقف عن سيطرة الجميع فانحاز الجيش أو قيادة الجيش للمتظاهرين، وتم إعلان هذا رسميًّا، مرت الأيام وتنحَّى مبارك وفوَّض المجلس العسكري في إدارة شئون البلاد في 11/2/2011م، واستقبل المصريون هذا الموقف بفرح بالغ، واعتبر هذا المشهد مظهرًا من مظاهر نجاح الثورة.

 

إدارة العسكري لشئون البلاد

من المعلوم أن العسكريين عمومًا لم يعدوا لإدارة الحياة المدنية والاشتباك السياسي، وهذا لا يعيبهم، لذا كان الارتباك والاشتباك والتضارب والانحياز هو سيد الموقف في إدارة المجلس العسكري لشئون البلاد، عانى العديد من الضغوط والابتزاز السياسي والإعلامي محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وتورَّط بصورة أو أخرى في بعض التجاوزات "إحالة المدنيين للقضاء العسكري- التوسع في قانون الطوارئ- الانحياز لليمين حينًا ولليسار في كثير من الأحيان".

 

وانتقل من الخطوط الفاصلة والمربعات غير المنحازة إلى محاولة الحضور الجبري للمشهد السياسي تحت عناوين مختلفة؛ منها وثيقة الجمل والسلمي وغيرهما، فضلاً عن وقوعه في نفس نمط النظام البائد حين أصدر المراسيم المتعلقة بالعملية الانتخابية والعزل السياسي مخالفةً لكل التصورات والمقترحات التي قُدِّمت من كل القوى السياسية المصرية، وخرجت التصريحات من كبار النافذين في المجلس العسكري تؤكد فكر الوصاية العسكرية على الحياة المدنية؛ ما سحب بساط الثقة من المجلس؛ بل أصابه بالعديد من سهام النقد والاتهام.

 

لماذا أصبح العسكري خصمًا؟! "الأزمة"

* التباطؤ في تنفيذ مطالب الثورة، خاصةً محاكمة الرئيس المخلوع ورموز النظام في تهم قتل المتظاهرين الشهداء، بل شهادة المشير التي جعلته طرفًا بصورة أو أخرى.

 

* التراخي في رد المظالم والحقوق لأهالي الشهداء وعلاج الجرحى وتعويضهم، ما أثار سخط المتضررين بل الشعب المصري.

 

* التعاطي الرخو مع الأزمات العاجلة وفي المقدمة البلطجة، وفقدان الأمن، فضلاً عن التردي الواضح في الخدمات المعيشية، خاصةً الوقود والغاز.

 

* محاولات الحضور الجبري والقفز على المشهد السياسي بوثائق الدكتور الجمل والسلمي، ثم أخيرًا المجلس الاستشاري.

 

* التصريحات الصادمة والمستفزة التي تنزع صلاحيات مجلس الشعب القادم وتفرض الوصاية العسكرية على الإرادة الشعبية "راجع تصريحات اللواء ممدوح شاهين واللواء مختار الملا".

 

* مناخ التعتيم وغياب المعلومات وضياع الحقائق والحقوق في الأحداث الدامية؛ من مسرح البالون إلى ماسبيرو، ثم شارع محمد محمود، وأخيرًا مجلس الوزراء.

 

* التورط في استخدام العنف والقسوة والإهانة ضد المصريين؛ بسبب الاعتصامات والانتقادات، وهو نفس النمط القمعي الذي قامت عليه الثورة.

 

* غياب المصداقية؛ بل الكذب والإنكار الدائمين بعد استخدام العنف ضد المتظاهرين رغم مئات الشواهد والوثائق والأدلة.

 

* استدعاء شماعة الطرف الثالث الذي يخطط ويدبر ويتآمر على مصر- نفس نمط النظام البائد- دون طرح دلائل ووثائق ومعلومات، ما يوحي بأن هناك فعلاً طرفًا ثالثًا لكن المجلس بأجهزته وأدواته عاجز عن المواجهة أو أن لديه معلومات لكن لا يريد الإفصاح عنها، وكلتا الحالتين كوارث تسحب من رصيد الثقة.

 

استعادة الثقة "الخروج المشرف"

وهي حزمة من الوسائل والإجراءات العاجلة، منها:

* اعتماد متحدث رسمي واحد فقط عن المجلس العسكري لتوحيد لغة الخطاب، مع مراعاة المشاعر والحقائق واحترام عقول المصريين.

 

* الانتهاء العاجل للتحقيقات في الأحداث الدامية والقاسية "مسرح البالون- ماسبيرو- محمد محمود- مجلس الوزراء..."، وإحالة المتهمين إلى المحاكمات العادلة.

 

* التعويض الفوري لأسر الشهداء وعلاج الجرحى وتعويضهم.

 

* بسط الأمن في كل ربوع الوطن، خاصةً أنه حقق هذا بالفعل خلال الجولات الانتخابية وما تلاها، ما يؤكد أنه يستطيع إذا أراد!.

 

* النهوض المعيشي العاجل في الخدمات الأساسية "الغاز- الوقود- الخبز- الأسعار- الأجور".

 

* استكمال خارطة التحول الديمقراطي في المواعيد المعلنة وبمصداقية دون التفاف أو مغالطة.

 

* عدم الالتفاف على شرعية أول برلمان حقيقي في حياة المصريين على الإطلاق.

 

* الحذر من ضغوط الدفع الجبري "الخارجي" أو "التحريض الداخلي" للوجود بصورة أو أخرى في المشهد السياسي.

 

خلاصة الطرح.. المجلس العسكري له وعليه، شأن كل البشر في دنيا الناس، نعظم له نجاحاته الرائعة في حماية الثورة، ونحاسبه على إخفاقاته عند إدارتها، لكن بصورة تليق به وبمؤسسته العسكرية العريقة التي ستبقى هي تاجًا على رءوس المصريين، ويبقى هو خالد الذكر والسيرة.