(1) في مفهوم الشعرية الخائنة!
يرجع تاريخ استعمال الكلمة في الانتصار للباطل، والتشويش على الحق إلى زمان قديم جدًّا، ولا يخطئ أحد في تلمس آثاره في المرجعيات الثقافية واللغوية المختلفة؛ فقد عرفه الدارسون في تقاليد الفلسفة اليونانية، فيما عرف بتقاليد مدرسة السفسطائيين الذين تبنوا طريق المغالطة في الانتصار للأفكار، وقد كان انتشار تقاليدها مدمرًّا للبنية الفكرية والمعرفية في الأوساط المختلفة.
ومن المدهش أن نلمح نهيًا نبويًّا كريمًا فيما أخرجه أبو داود في سننه في حديث دية الجنين الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الجاهلية" وهو ما كان مثار جدل طويل حول الإسلام من السجع، كان من نتائجه استقلال التأليف في هذه المسألة، ووجود مؤلفات خاصة بفحص أبعاد هذه القضية.
وربما أمكن أن نقرر أن النهي الملموح من الحديث عائد إلى استعمال الكلام الفني والمسجوع للشغب على الحق، أو تزيين الباطل.
وهذا الذي نقرره هو عين ما نريده من مفهوم الشعرية الخائنة! أي استعمال الفن لقتل الحق، ولعل مراجعة تقاليد الشعرية العربية مراجعة متأنية تكشف عن تقنيات هذا الذي سميناه باسم الشعرية الخائنة، وربما أمكن من خلال فحص بعض أشعار المجون العربي أن نمهد بين يدي هذه المراجعة.
والقارئ يذكر جيدًا شطر البيت العربي الذي يقول فيه شاعره:
.... .... بل قال ويل للمصلينا
وهو نوع اعتراض على أن الله لم يقل ويل للأولى سكروا، ولا شك أن هذه التقنية المعتمدة بنية المفارقة، واجتزاء الحقائق، والتلفيق، مكشوفة ظاهرة الزيف!.
إنجيل الثورة وقرآنها: مثال غير أخير للشعرية الخائنة!
في آخر أيام سنة إحدى عشرة وألفين للميلاد صدر عن الهيئة العامة للكتاب، بالقاهرة الجزء الأول من الثلاثية الشعرية، للشاعر المصري المعاصر الدكتور حسن طلب بعنوان إنجيل الثورة وقرآنها (1) (آية الميدان) وجاء في إهدائه: "إلى أرواح الشهداء أبطال ثورة الخامس والعشرين من يناير"، وأحب في البداية أن أقرر أن هذا الإهداء عام في كل الذين سقطوا شهداء في ثورة الكرامة المصرية من كلِّ الأطياف على تنوع اتجاهاتها، وأعمار أبنائها، وأجناسهم، وهو ملمح جيد.
وقد صمم حسن طلب هذا الجزء من ثلاثيته الشعرية الذي عنوانه: آية الميدان في بعض تصميمه على استثمار الشعر في التأريخ لأدوار الذين أسهموا في صناعة ثورة الخامس العشرين من يناير.
وهذا الملح هو الذي يفسر تتابع القصائد التالي: (كفاية ص 23) (والسادس من أبريل 29) و(الجمعية الوطنية ص 33) و(كلنا خالد سعيد ص 37) و (جماعة من الجماعات ص 39)، ولعل أول دلالة تبدو ظاهرة هي التأريخ لفعل الثورة المصرية عن طريق بيان دور كل فصيل من هذه الفصائل في تشييد صرح الثورة العظيمة من خلال إفراد قصيدة تحمل عنوانها.
وفحص هذه القصائد تعيينًا تظهر قدرًا من التعاطف مع ما قدمته هذه الفصائل كل على حدة، وهو ملمح من اليسير التقاط الأدلة عليه من خلال التعابير الشعرية، ومن خلال حركة الضمائر في هذه التعابير، ومن خلال تقنية الراوي المستعملة في بنية غالب القصائد التي احتفت ببنية ضمائر التكلم (إفرادًا وجمعًا)، ومن خلال الاختيار الواعي لمعجم الشاعر في القصائد هذه.
يقول حسن طلب في قصيدة (كفاية ص 27):
فعندما قلنا كفى
قال لنا:
أنا أو الفوضى
فصدقت حبيبتي
مع الذين صدقوا من المعاتيه
أو الضعفى
أو المرضى
ومن المهم جدًّا تأمل حركة الضمير في (قلنا) و(لنا) للتدليل على هذا التعاطف مع فعل هذه الحركة شعريًّا لدرجة الاتحاد معها، والتعبير عن فعلها منسوبًا إلى الشاعر، أو اعتباره فردًا من كيانها.
ويقول كذلك في قصيدته: (السادس من أبريل ص 29):
نحن الذين اتهمونا
أننا في الأصل كنا
مستهل الهرج والمرج
نحن في المصنع أشعلنا لكم
شرارة الثورة
قدنا هذه الحملة
قلنا فاحملوا الشعلة
واصعدوا بها الدرج
ولا تخافوا من غراب الحكم
في سمائكم
تلك رسالة كتبناها
وفي هذا المقطع تتصاعد نسبة الإسناد الفعلي لضمائر التكلم في ملمح دال على تقدير منجز هذه الحركة على أرض الواقع، فضلاً عن هذا الإلماح إلى ريادة هذه الحركة في تأجيج الفعل الثوري، وهي الملامح البادية من تضافر حركة الضمائر مع نوع المفردات المشكلة للمعجم العشري في هذه القصيدة من نوع (قدنا/أشعلنا/ كتبنا).
ومن هذه النقطة بدأت أولى إستراتيجيات الشعرية الخائنة، تضخيم دور هذا الفصيل عن طريق اختيار عدد من الألفاظ، وعن طريق تكثيف توارد ضمائر التكلم.
واستمرت بعض هذه الإستراتيجيات في قصيدة (الجمعية الوطنية ص 33)؛ حيث يقول حسن طلب:
لا بد
لا بد لنا من آلة
تطهر التربة من أوساخها
سوسنة الحرية البيضاء
لن تزهر في سباخها
لا بد أن يتغير المناخ
وهنا يلمح القارئ الكريم إستراتيجية صناعة الشرعية لهذا الفصيل من خلال تصميم هذا المقطع الشعري على محور (أن يتغير) وهو اللفظ الذي غاب عن عنوان القصيدة: )الجمعية الوطنية) لكنه غياب أشبه بالحضور؛ لأنه حضور محكوم بالفضاء الشعري المتوقع من استحضارها من الواقع الخارجي، ولأنه حضور ظهر بشكل معماري متقن في آخر سطور هذا المقطع الشعري المنقول هنا!
تتنامى هذه الإستراتيجية دلاليًّا ومكانيًّا في الديوان لتأخذ قمة تجسيدها التعاطفي في قصيدة (كلنا خالد سعيد) (ص 37):
سألناهم فما باحوا
وأراحوا يهمسون إلى القضاة
ويطمسون شهادة الشاهد
فقلنا:
كان يمكن أن نكون مكانك
...
والدم المقدور نادانا
فلبينا وقلنا كلنا خالد
وقلنا
سوف تبقى الميت الحي
الخلود العبقري
إذا استضاءت نجمة الأبدي
بالبائد
وهذا التصعيد في لغة هذه القصيدة يبدو مفهومًا للمشهد الدرامي الذي حاق بالشهيد خالد سعيد الذي كان مشهد قتله شرارة من الشرارات الأخيرة لفعل الثورة المصرية.
وفجأة تجلت تقنيات الشعرية الخائنة في قصيدته (جماعة من الجماعات ص39) بهذا القدر الفاضح من التنكير والإبهام في أول ملمح من ملامح الشعرية الخائنة؛ لأنه عامل هذا الفصيل بدرجة غير عادلة، طفف فيها الميزان، يقول الشاعر:
ونحن جماعة المعروف والمنكر
وبيرقنا بخيط من دم الأعداء
مخضوب
ومكتوب عليه الله أكبر
ثم من تحت الكتابة
سيفنا يظهر!
ليرهب من يخالف رأينا
ويؤطر المنظر
في هذا المقطع تتراقص ملامح من إستراتيجية الشعرية الخائنة بما يخفى خلف هذا التراقص روح تبدو كارهة مبغضة لهذا الفصيل، بدأت من إحداث التماهي بين ممارسة فصيل معلوم الوصف والرسم في الجهاز الإداري للدولة السعودية، وينتهي بتعليل ظهور السيف في خلفية شعار جماعة الإخوان الذين لم يظهر اسمهم في طول القصيدة، مركزًا على إرهاب المخالفين لهم في الرأي.
ثم يقول:
وجدنا الثورة اشتعلت
فقال المرشد الأكبر
عليكم غزوها
في عقر موقعها من الميدان
سيروا بالألوف
تسللوا بين الصفوف
كأنكم منهم
وفي هذا المقطع استثمار غير شريف لتقنية السرد في الشعر، ليصور اشتراك الإخوان في الثورة فعلا انتهازيًّا، وهو طرح إعلامي كاذب ودنيء ومغرض ومجاف للحق الذي تكذبه المشاهد المحفوظة التي يتصدرها وجوه بارزة منتمية للإخوان من يوم الخامس والعشرين!
وفي المقطع نوع تدليس شعري من خلال العصف بين يدي المرشد، ليستدعي إلى ذهن المتلقين الصورة الذهنية للمرشد الإيراني، ذلك أن مرشد الإخوان لم يعرف يومًا باسم المرشد الأكبر!.
وليس بعيدًا عن ذلك هذا الاستثمار الخائن للفعل (تسللوا) وللتعبير: (كأنكم منهم) وكيف صنعت هذه الكاف التشبيهية هذا الحاجز الرهيب بين المشاركين في صناعة الثورة وحمايتها وبين أهم فصائلها وأهم حماتها جميعًا!.
ثم يقول حسن طلب:
فإن قالوا لكم:
ثرنا ليدرك شعبنا حرية الإنسان
قولوا بل لتظفر بالجنان
وفي سبيل الحور والكوثر
فمن مالت به أهواؤه عنا
أقمنا ميله
من قال غير مقالنا يكفر
وفي هذا المقطع الأخير يكشف الشاعر عن وجه رافض منكر يتورط في الشعرية الخائنة عن عمد بتأسيس خطابه الشعري على ما يمكن أن يسمى بالضدية الحادة، وكأن حرية الإنسان ضد الظفر بالجنان، والارتواء من عيون الكوثر، ثم تتصاعد ملامح إستراتجية الشعرية الخائنة بالافتراء على جماعة الإخوان بما ليس من أدبياتها في أقسى مراحل تاريخها شدة،ً وأحرها وطأة وأعنفها إقصاء ومحوًا بأنها جماعة تكفير، وهو ما لم يقل به أحد، وهو ما تكذبه ساعات تاريخهم جميعًا.
الشاعر بهذه القصيدة يمارس عنفًا علمانيّا، ويخرق الإجماع الوطني حول الدور البارز للإخوان المسلمين في حماية الثورة المصرية ضد الثقافة الوطنية وضد الهوية
وقد كان مقبولاً أن يختلف الشاعر حسن طلب مع الإخوان؛ لأن الخلاف أمر لا غبار عليه، أما أن يتطور الخلاف ليقود صاحبه إلى أجواء الخيانة باسم الشعر فلا!.
وتأمل هذا الموقف المخالف تطور في بنية الديوان ليظهر برفض الدين، وربما أمكن أن نقرر أن قراءة الديوان في بعض القصائد الأخرى تقود إلى أن نقرر أن مسألة التشويش والنيل من جماعة الإخوان عن طريق الشعرية الخائنة تطورت إلى التشويش على عموم الفكرة الدينية، يقول الشاعر في قصيدته (أبناء وأمهات ص 76)
لكن تنبهنا إلى المصحف
وهو في يد المسلم
والإنجيل في يد المسيحي
ولم نفهم علام السيف!
وبعيدًا عن الكذب الشعري؛ لأن السيف لم يظهر في الميدان، فإن ثمة تعريضًا بجماعة الإخوان، تجاوز حدود عمل الديوان، وفكرته!
ثم يقول في قصيدته (الشيخ والمطران ص 95):
الدين للديان
والميدان كله لنا
لا الشيخ قد شاركنا فيه
ولا المطران
كلا
فنحن ما رأينا من كليهما
سوى الجمود والنكران
وهذه مغالطة ظاهرة؛ لأن الشيخ والمطران شاركا على التعيين، ولأن الشيخ والمطران قد شاركا على الرمزية، لقد كانت الفكرة الحضارية التي طالما أسسها الشيخ والمطران ماثلة بامتياز على أرض الميدان.
ثم يقول في قصيدته (حجج واهية 162)
حجتكم واهية
فلستم الناس كما قال (الأمير)
الناس لا تنسى
ولا التاريخ يسهو عن مقالكم
لقد صدق الشاعر هنا فحجته واهية حقًّا، وليس هو وجماعات الذين خانوا باسم الشعر، ومارسوا إبداعهم من بوابة الشعرية الخائنة هم الناس لأن الأمير، أمير الشعراء أحمد شوقي، كان يرى الناس هم الشعراء وساعة لا يبدعون باسم الشعرية الخائنة
الناس لن تنسى (خيانة من خان)
والتاريخ لن يسهو عن استثمار الشعرية الخائنة
-------------
* كلية الآداب - جامعة المنوفية.