لا يمكن أن تمرَّ الأحداث الكبرى دون أن تلقي بأثرها العميق في النفوس، وتشد العيون إليها بنظرات التأمل، وتحفز خلايا العقل على التفكير، وحدث الانتخابات كان حدث وحديث كل بيت مصري يأمل في وطن جديد، وأيام قادمة يستطيع أن يقابلها بابتسامة تفاؤل كل صباح، وأرض خصبة صالحة لزراعة خيرات النفوس وبذور الإخلاص والعمل والاجتهاد وحب الوطن.
دروس كثيرة تطل علينا بعد عمل شاق ومضنٍ:
1- خروج الناس بهذه الكثافة وتحملها مشاق الوقوف طويلاً في طوابير للتصويت لا يعني فقط أن الناس كانت تثق في نزاهة الانتخابات، وأنها تدرك أن صوتها هذه المرة يعني الكثير، وأنها قادرة على تحديد اتجاهات المستقبل، ولكنها أيضًا رسالة من الناس أنهم يريدون المشاركة في بناء الوطن، وأنهم على الاستعداد للعمل من أجل بناء مصر الجديدة، وأنهم راغبون أن يصنعوا المستقبل بسواعدهم وخبراتهم، وليس فقط بأصواتهم الانتخابية، فحب الوطن غريزة فطرية عبَّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة؛ حيث قال: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
2- أيام الانتخابات كانت تشبه المشروع القومي أو الحلم المشترك الذي يستفز طاقات الناس وينادي أحلامهم، وهو ما جعل عددًا ليس بقليل من أشخاص يعرفوننا، يساعدوننا بإخلاص وبتفانٍ، وكأنهم يريدون أن يتركوا بصماتهم في عمل يشارك فيه الجميع، وهو أمر يدعونا؛ لأن نفكر في مشروعات قومية، نجمع عليها أكبر عدد ممكن من الناس، على أن يكون محدد الهدف والمدة، ونجعل الناس ترصدها على فترات قريبة، هذه الطريقة تحفز الناس للعمل أكثر، وتستنفر الخصال الحسنة في النفوس، وتشعر الجميع بالسعادة وتحقيق الذات، وتحقق إنجازات كبرى.
3- لا يمكن أن أنسى موقف سيدة رثة الثياب لا يمكن أن يلتفت إليها أحد في الظروف العادية، وقد وقف أمامها شاب يحاول إقناعها بالتصويت لحزبه، أدركت ساعتها كيف أن الله قد أعاد الكرامة لهذه الإنسانة البسيطة عندما أعاد إلى الناس أوطانهم، وكيف أن نظام الشورى الذي نادى به الإسلام يرفع من قيمة الإنسان، مهما كان شكله أو وضعه الاجتماعي أو مستواه المادي، قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: من الآية 38).
4- في أوقات التنافس يظهر بشدة الصراع بين المبدأ والمصلحة، المبدأ الذي تدافع عنه لسنوات معبرًا عن هويتك وشخصيتك، والمصلحة الوقتية التي قد تغريك بالتنازل عن المبدأ، البعض نجح في الاختبار، والبعض الآخر فشل.
5- عندما شعرنا باحتياجنا لأعداد إضافية للوقوف أمام المقرات الانتخابية، فكرنا في شخصيات ذات مظهر أخلاقي مقبول أمام الناس، ومستعدة للتعاون معنا، ولديها حماس وطاقة، وذات عقلية مرنة بنفس الطريقة نستطيع أن نضم أفرادًا كثيرين في أعمالنا المستقبلية.
6- أثناء الحديث مع الناس لإقناعهم تكرر بصورة لافتة للنظر انتقاد موقفنا من الأقباط؛ حيث دخول أفراد من إخواننا المسيحيين في الحزب، وأن هذا الأمر ربما لا يقره الدين من وجهة نظرهم، نحتاج إلى توعية أكثر في هذا الاتجاه، وقراءة من جانبنا بتركيز أكثر في هذه النقطة، حتى نغلق بابًا للفتن، اكتوى بناره الوطن وأبناؤه بما يكفي، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) (المائدة: من الآية 82).
7- أظهرت الانتخابات نوعًا من الدعوة اسمه الدعوة بالعمل، وهو يعني اشتراك الآخرين في نشاط عملي يحدث التقارب السريع بين الأفراد، ويحدد ملامح الشخصيات، ويشعل الحماس، وهو أسلوب يشعر الآخرين بذاتهم من خلال منظمي العمل؛ مما يجعلهم يطلبون الاشتراك في أعمال أخرى، وشيئًا فشيئًا سيجد هؤلاء الأفراد أنفسهم مشاركين في أعمال تربوية، هذه الطريقة تقوم على فكرة أن نقوم بخطوة واحدة قبل الدعوة لعمل تربوي، هذه الخطوة أعتقد أنها ستجذب أعدادًا أكبر بكثير للأعمال التربوية، فيما لو تمت الدعوة للعمل التربوي مباشرة.
8- لا أحب تسمية الانتخابات بالمعركة، فمن ننافسهم وينافسوننا أخوة لنا نحبهم ونقدرهم ونحترمهم، فنحن أبناء وطن واحد، ولكني أشعر في الوقت نفسه بأن أيام الانتخابات تحوي الكثير من ملامح الجهاد، فترك أخ مكانه داخل اللجنة أو أمام المقر الانتخابي؛ يتسبب في خلل شبه مؤكد، وفيها يتجلى الإخلاص والرقابة الذاتية التي تجعلك تتنازل عن آرائك في سبيل المصلحة العامة، والتي تجعلك تحرص على أن تكون الراحة في أقل وقت ممكن حتى تعود إلى مكانك من جديد.
9- روح الإيمان والقيم الإسلامية تجعل من قلة الطعام وسيلة لزيادة المحبة والألفة بين الناس عبر تفعيل خلق الإيثار، وعندما يتراجع الإيمان في النفوس، وتَخْفُت قيم ديننا العظيم، تصبح قلة الزاد وسيلة للتناحر والصراع بين الناس، قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: من الآية 9).
10- لا بد أن نحرص ألا يكون التنافس وسيلة للخصام والشقاق بيننا وبين منافسينا، سواء كانوا من إخواننا من حزب النور أو غيرهم، من الطبيعي أن تحدث بعض المواقف السلبية أثناء سير العملية الانتخابية، لكن علينا أن نتذكر قيم الأخوة الإسلامية، ونعلي مفاهيم الإسلام على كل خلاف، فلنجتهد أن نعيد العلاقات إذا شابها شيء، ولنعتصم بحبل الله، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية 103).
11- العمل الميداني له طعم آخر، فرغم أنه مجهد لكنه ممتع، الاحتكاك بالناس يشعرنا بحبهم لنا وحبنا لهم، كما أنه يزيد من خبراتنا كثيرًا في التعامل مع المجتمع، من حيث مهارات التواصل وفنيات الحوار، كما يجعلنا نفهم صورة الناس عنا وصورتنا عنهم عن قرب، وتبدأ عملية تغيير الأفكار في الاتجاهين، فقبل النزول إلى الشارع كانت لنا أفكار عن الناس كوناها في الحجرات المغلقة، وكانت للناس أفكار عنا استَقُوها من وسائل الإعلام، وبعد النزول اكتشفنا أن بعضًا من أفكارنا يحتاج إلى مراجعة، واكتشف الناس أن بعضًا من أفكارهم لم يكن صحيحًا، وكان لهذا جميل الأثر على الطرفين.
12- الجو العام كان يشعرني بأن رحمات الله تتنزل علينا، وأن الله استجاب لدعاء الضعفاء والمخلصين ليغمرنا بعطفه، وأن الله يحب عباده ويحنو عليهم ويقف بجانبهم، قال تعالى: (مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)) (فاطر).
إنها دروس بسيطة، وإضاءات متناثرة، على طريق طويل وشاق، نسأل الله أن يعيننا عليه، ويجعلنا أهلاً لما نحن فيه، إنه نعم المولى ونعم النصير.