من واجبات أي مسئولٍ أو موظف قيامه بواجبه الوظيفي وما توجبه عليه المسئولية في إطار القوانين واللوائح الواجب اتباعها، وليس له شرعًا ولا قانونًا الامتناع عن تقديم خدماته الوظيفية لمَن يستحقها، ولا أن يمنح تلك الخدمات لغير أهلها سواء أكان ذلك بمقابل مادي أم غير مادي.

 

وما تقدَّم يدخل في باب الأمانة التي يجب شرعًا على كل مسئولٍ وموظف أداءها؛ إذ بمجرد قبول الشخص الوظيفة والمسئولية تعيَّن عليه شرعًا القيام بمهامها والالتزام بضوابطها وحدودها، وأصبح ما في يده وما تحت مسئوليته من حوائج الناس ومصالحهم أمانةً يجب عليه أداؤها لأهلها.

 

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: من الآية 58)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)) (المؤمنون)، وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه-: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم".

 

والأمانة المأمور بأدائها في الآيات الكريمة والحديث الشريف ليست هي الودائع والدين فقط إنما كما قال القرطبي في تفسير آية النساء "هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع" (تفسير القرطبي: 5/255 دار إحياء التراث العربي)، وقال ابن كثير: "وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينةٍ على ذلك، فأمر الله عز وجل بأدائها، فمَن لم يفعل ذلك في الدنيا أُخذ منه ذلك يوم القيامة" (تفسير ابن كثير: 1/637- دار الفكر).

 

كما ورد النهي عن الخيانة سواء أكانت الخيانة لله أم لرسوله أم خيانة أمانات الناس، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)) (الأنفال).

 

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء كل صاحب حقٍّ حقه حتى ولو كان صاحب الحق غير مسلم، ففي حديث أبي الدرداء الشهير الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ختمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أعطِ كل ذي حق حقه".

 

وأداء الأمانة في الوظيفة والمسئولية يقتضي القيام بثلاثة واجبات:

الأول: سرعة أداء وتقديم متطلبات الوظيفة من خدمات ونحوها لأهلها في وقتها المحدد دون مماطلة أو تسويف: فإن ماطل الموظف في تقديم ما يجب عليه تقديمه وسوَّف وأجَّل مع قدرته على الإنجاز، فهو ظالمٌ، ويحل عرضه وعقوبته شرعًا؛ لأن هذا نوعٌ من المطل و"اللي" الذي جاء فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما اتفق عليه الشيخان (مطل الغني ظلم)، وإذا كان ظاهر الحديث ينصرف إلى مطل المدين الغني في سداد ما عليه من دين إلا أنه يدخل في حكم المدين كل مَن ثبت في عنقه وذمته التزام ويقدر على بذله لأهله ولم يفعل سواء أكان موظفًا عامًّا أو غير موظف، قال ابن دقيق العيد في شرح الحديث "فيه دليلٌ على تحريم المطل بالحق" (إحكام الأحكام:1/145) أيِّ حق سواء أكان دَيْنًا أم في حكم الدَّين.

 

وأخرج أبو داود والنسائي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَيُّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته" ومعنى "اللي" التسويف والمماطلة، ومعنى "الواجد" القادر على الوفاء، وقد أحلَّ النبي صلى الله عليه وسلم التغليظَ عليه ونهره وشكايته وتعزيره.

 

كما أن المماطلة والتسويف في أداء الواجب الوظيفي لأهله تدخل في باب الإشقاق على الخلق وقد تُصيبه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يشق الله عليه يوم القيامة كما أخرج ذلك مسلم وغيره: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومَن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به".

 

الثاني: أداء الواجب الوظيفي من خدمات وغيرها لأهلها: فلا يرد طالب خدمة قد تقررت له بموجب اللوائح والأنظمة، ولا يمنع أحدًا من شغل وظيفةٍ هي له بحكم القانون، ولا يمتنع عن إصدار رخصة لمستحقها ونحو ذلك.

 

وهذا الواجب هو معنى قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، والأهل في كل أمانة بحسبها، فمن كان مسئولاً مثلاً- عن تعيين موظفين أيًّا كانوا فيجب عليه إسناد الوظيفة للمستحقين لها المؤهلين لها، فإذا مَكَّن غير المؤهل من شغلها كان خائنًا لله ورسوله وللأمة، كما أخرج الحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن استعمل رجلاً من عصابةٍ وفي تلك العصابة مَن هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين"، ومعنى "استعمل رجلاً من عصابة" أي ولاه وظيفةً ما.

 

ومَن كان مسئولاً عن إصدار رخص استيراد أو تصدير أو النظر في مناقصات أو مزايدات أو مقاولات ونحو ذلك فأداء الأمانة إلى أهلها يقتضي منح الرخصة أو إرساء المناقصة، أو المزايدة لمن تتوافر فيه الشروط لا لمَن يدفع لهذا المسئول أو ذاك.

 

وتتمة هذا الواجب هو وجوب بذل الخدمة ونحوها دون طلب أجرة خاصة له غير ما يتقاضاه من راتبٍ على عمله بحكم القوانين واللوائح، وهذه آفة العصر، فقلما ينجز موظف عام أو خاص اؤتمن على مصالح الخلق وقضاء حوائجهم إلا إذا طلب أو قَبِل مالاً زيادةً على راتبه أو أجرته التي يتقاضاها وإلا ماطل أو شدد على الناس وضيَّق عليهم إن لم يمنعهم أصلاً هذا الحق.

 

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم وشدد في النكير والوعيد على مَن أخذ شيئًا من مالٍ ونحوه زيادةً على أجرته، فقد أخرج الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول"، والحديث وإن كان ظاهره ومناسبته أنه في حقِّ مَن ولي عملاً من أعمال بيت المال (الخزانة العامة)، من جباة الزكاة والعشور ومثلهم في زمننا موظفو الضرائب والجمارك وتحصيل الرسوم وغيرها؛ حيث قد تمتد أيديهم إلى الأخذ مما حصلوه فإنه أيضًا ينصرف إلى ما يطلبه الموظفون لقاء أدائهم للخدمات والواجبات الوظيفية من المواطنين زيادةً على راتبهم المقرر، وهذا ضربٌ من ضروب الرشوة المحرمة شرعًا كما سيرد.

 

الثالث: ألا يعطي حقًّا اؤتمن عليه لغير أهله والمستحقين له: وهو مقتضى الواجب الثاني، فمن أعطى حقًّا أو قدَّم خدمةً لغير المستحقين لها فقد ارتكب من الكبائر ثلاثًا:

الأولى: إعطاؤه مَن لا يستحق.

الثانية: حرمانه صاحب الحق من حقه؛ لأنه ما يعطي غير المستحق إلا خصمًا من صاحب الحق.

 

الثالثة: الرشوة؛ لأنه لا يصنع ذلك إلا بمقابلٍ مادي أو معنوي.

وأمثلة ذلك كثيرة في واقعنا المعاصر، وخاصةً في بلداننا التي احتلت القمة في الفساد وانعدام الشفافية- بحسب تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية والمحلية- فكم من محتلٍّ لوظيفةٍ مرموقةٍ أو غير مرموقة هو ليس من أهلها لكنه استطاع بحكم النفوذ والمال أن يشغلها على حساب الكفء المؤهل الذي لا يملك جاهًا ولا نفوذًا.

 

الحكم الشرعي لما يتقاضاه الموظف أو المسئول من مالٍ مقابل إنجازه للخدمات:

إن ما يتقاضاه الموظف أو المسئول أيًّا كانت رتبته مقابل أدائه لعمله غير ما يُمنح له حسب الأنظمة الوظيفية سواء أكان مقابل بذل الخدمة لأهلها أم لغير أهلها هو من باب الرشوة التي تعد بابًا من أبواب الكبائر.

 

أما اعتبار ذلك رشوة؛ فلأن الرشوة كما جاء في تعريفها: الجَُِعل- مثلثة- وما يعطى لقضاء مصلحة. وقيل: ما يُعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له، أو يحمله على ما يريد.. وهي: الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة.. وهي: ما يعطيه المرء ليحكم له بباطل، أو لِيُوَلَّى ولاية، أو لِيُظلَم له إنسان. وقيل: أخذ المال ليحق به الباطل أو يبطل به الحق.

 

والراشي: مَن يعطي الذي يعينه على الباطل.. والمرتشي: الآخذ، والرائش: الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا، ويستنقص لهذا (المصباح المنير: 228، النهاية لابن الأثير 1/ 103، أحكام القرآن لابن العربي: 3/487).

 

وهذه التعريفات المتقدمة التي ذكرها الفقهاء واللغويون تصدق على الموظف أو المسئول الذي يمتنع عن تقديم خدماته الوظيفية إلا بمقابل من المستحقين لها، أو يعطي الخدمة من لا يستحقها بمقابل.

 

وقد جاء النهي والوعيد الشديد في ذلك من الكتاب والسنة وأقوال السلف:

ومن ذلك- قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)) (البقرة)، وقد فسرت الآية بحرمة دفع الرشاوى إلى الحكام لأخذ وأكل أموال الناس بالباطل، وإن كان البعض قد فسَّرها بحرمة إقامة الحجج الباطلة لأجل هذا الغرض.

 

قال القرطبي: "المعنى لا تُصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها" (تفسير القرطبي: 2/340).

 

وقوله تعالى في ذمه لليهود أُس الفساد في العالم كله حديثه وقديمه (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة: من الآية 42).

 

وقد فسَّر جمعٌ من السلف السحت: بالرشوة بل منهم من بالغ واعتبر السحت هو الهدية على الحكم، أما الرشوة فهي كفر، في المصنف لابن أبي شيبة بسنده عن مسروق قال: القاضي إذا أخذ هدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر، وذكر مثله عن إبراهيم، وخيثمة، وسعيد بن جبير، وطاوس. (مصنف ابن أبي شيبة: 5/228).

 

- ومن السنة: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن أبي حميد الساعدي أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- استعمل ابن اللتبية على صدقات بني سليم، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاسبه، قال: "هذا الذي لكم، وهذه هدية أُهديت لي". فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟!" ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أستعمل رجالاً منكم على أمورٍ مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدية أُهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا، فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا- قال هشام: بغير حقه- إلا جاء يحمله يوم القيامة".

 

قال النووي في شرحه على مسلم: "وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال- الموظفين- حرامٌ وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة كما ذكر مثله في الغال، وقد بيَّن- صلى الله عليه وآله وسلم- في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية".

 

وعند مالك في الموطأ عن سليمان بن يسار أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر، قال: فجمعوا له حليًّا من حُلي نسائهم، فقالوا له: هذا لك، وخفف عنا، وتجاوز في القَسْم. فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها". فقالوا: "بهذا قامت السماوات والأرض".

 

- قال الباجي في شرح الموطأ "قوله: "وأما ما عرضتم من الرشوة فإنه سحت يريد حرامًا، وقد وصف الله اليهود بأكلها فقال: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة: من الآية 34)، فراموا أن يستنزلوا ابن رواحة لما علموا من ورعه وأمانته، وحرصوا أن يدخلوه فيما يتلبسون به من أخذ الرشوة وأكل السحت قال الله عز وجل: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ) (البقرة: من الآية 109). وقال: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) (النساء: من الآية 89) فعصمه الله ورد ذلك عليهم، ولم يعاقبهم امتثالاً لقول الله تعالى (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) (البقرة: من 109) (المنتقى شرح الموطأ: 5/118 دار الكتاب الإسلامي).

 

وعند أحمد وغيره عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا"، واللعن من الله هو الطرد والإبعاد عن مظان رحمته، نعوذ بالله من ذلك، وهو لا يكون إلا في كبيرة.

 

ولعن كل مَن اشترك في هذه الجريمة آخذًا أو معطيًا أو متوسطًا بينهما يدل على تحريم هذا الصنيع؛ لما في انتشار هذه الآفة الخطيرة من فسادٍ وفتنةٍ تحل بالبلاد والعباد، وهو ما لا تخطئه عين في حالة بلادنا.

 

صور الرشوة المعاصرة:

اتخذت الرشوة في عالمنا صورًا متعددةً وأسماء متنوعة، فهي الهدية والإكرامية، وأحيانًا عمولة، وأخرى شاي أو قهوة أو دخان، وكل يوم نسمع عن اسم جديد.

 

كما أنها قد تكون مبالغ نقدية وهو الغالب، وقد تكون أعيانًا أو قضاء إجازات في مصايف أو مشاتٍ، أو تعيين ولد في وظيفة مرموقة، أو خدمة غير مشروعة مقابل خدمة غير مشروعة، وهكذا.

 

وجميع ما تقدَّم رشوة لا يختلف الحكم باختلاف الصورة ولا الشكل، بل كل ما تقدَّم حرام. قال ابن القيم: "أما استحلال السحت باسم الهدية وهو أظهر من أن يُذكر- كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما، فإن المرتشي ملعون هو والراشي؛ لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعًا أنهما لا يخرجان عن الحقيقة وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية، وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومَن له اطلاع إلى الحيل أنها رشوة" (إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/95).

 

وهناك شبهة يُثيرها من تلوَّث بالرشوة وملأ بطنه بها أنه مضطر لأخذها وطلبها؛ لأن ما تعطيه له الدولة من راتبٍ لا يكاد يكفيه، ومن ثَمَّ فهو مضطر إليها حتى يتمكَّن من قضاء حوائجه وحوائج عياله.

 

وهذه شبهة ساقطة، وعذر أقبح من ذنب؛ إذ لو سوغ لكل مَن لم يكفه دخله أن يلجأ إلى وسيلة كسب حرام لجوز للص والمرابي وقاطع الطريق والبَغِي وتاجر المخدرات ونحو ذلك أن يفعلوا ما يفعلون؛ لأن الكثير منهم- كما يزعمون- أُلجئ إلى ذلك إلجاءً، ومن ثم تُؤكل أموال الناس بالباطل وتضيع الحقوق ليحيا هذا الموظف وأولاده وعائلته ببذخ.

 

والضرورة وإن كانت تبيح بعض المحظورات، لكن لها ضوابط وشروط لا تنطبق غالبًا على أمثال هؤلاء المرتشين، ويمكن لهؤلاء مضاعفة دخلهم بالاعتدال وترتيب الأولويات والإنفاق على المباحات، والتقليل من الكماليات والترفيهيات، والعمل الإضافي المباح، لكن أن يُجبر العجز في دخله بالسطو على أموال الناس بغير حق فهذا إثمٌ كبير وفساد عريض.

 

دفع الرشوة للحصول على الحقوق ودرء المفاسد:

مما عمت به البلوى أنه لا يتمكن الكثير من الحصول على حقه أو دفع مفسدة عنه إلا إذا قدَّم رشوة أو وعد بها لهذا المسئول أو ذاك، ولو لم يفعل لن يحصل على حقه السليب، ولن يتمكَّن من درء المفاسد عنه، فهل يُعذر الراشي في هذه الحالة؟

 

إذن نحن أمام شخصٍ له حق شرعي معتبر يطالب به، أو يتعرض لظلم فادح أو مفسدة وضرر، وليس أمامه سبيلٌ لتحصيل الحق أو دفع الضرر إلا بهذا، فعندئذٍ يقول ابن حزم "فأما من مُنع من حقِّه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباحٌ للمعطي، وأما الآخذ فآثم" (المحلى: 9/157 دار الفكر)، وما قاله ابن حزم هو قول جمهور الفقهاء.

 

هذا.. وفي الموضوع تفصيلات أخرى ينبغي الإحاطة بها والله أعلم.

----------

* أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف