- عائد قناة السويس تعافى خلال عام الثورة وحقق طفرةً في الإيرادات

- الاستثمار والصناعة والسياحة أكثر القطاعات تضررًا خلال 2011م

- 195 مليار جنيه فاتورة البورصة بسبب تكرار أحداث العنف

- د. حسين شحاتة: الاقتصاد الإسلامي هو الحل للخروج من عنق الزجاجة

- د. حمدي بسيوني: مصر غنية بالموارد وقادرة على تحقيق النهضة

 

تحقيق: محمد فراج

رغم ما حققته ثورة 25 يناير من تغييرات إيجابية على المستويات السياسية والاجتماعية كافةً خلال عام 2011م فإن هذه التغييرات لم تكن في صالح الاقتصاد المصري الذي أصابته حالة من الإعياء الشديد نتيجة عدم الاستقرار، واستمرار أعمال العنف، وتوقف الإنتاج، وعودة المستثمرين الأجانب لبلادهم، فضلاً عن وصول الاستثمارات الأجنبية إلى معدل صفر.

 

ففي الوقت الذي تخلَّص فيه الاقتصاد المصري من نظام فاسد التَهَمَ موارد الدولة بشكل وضع ما يزيد عن نصف الشعب المصري تحت خط الفقر، على الرغم مما تملكه مصر من موارد طبيعية تستطيع أن تجعلها في مقدمة الدول، فإن خبراء الاقتصاد باتوا يتفاءلون بعودة الاقتصاد إلى طبيعته خلال الفترة المقبلة بل وأقوى مما كان عليه إذا ما دخلت مصر في حالةٍ من الاستقرار السياسي بشكل متكامل، وتم استغلال الموارد المتاحة بها الاستغلال الأمثل.

 

وكان الاستثمار من أكثر القطاعات تضررًا بتكرار الأحداث خلال العام 2011م؛ حيث ذكر تقرير البنك المركزي مؤخرًا أن مصر تكبَّدت خسائر بلغت قيمتها 7.2 مليارات دولار؛ نتيجة انسحاب الأجانب من أدوات الدين الحكومية خلال الفترة من يناير حتى نهاية سبتمبر الماضي، مشيرًا إلى أن القيمة الإجمالية لاستثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية كانت قد بلغت 10 مليارات دولار في يناير 2011م، وتراجعت لتصل إلى 2.8 مليار دولار أو 16.2 مليار جنيه في نهاية سبتمبر الماضي؛ حيث بلغت الاستثمارات الأجنبية التي خرجت من مصر في عام الثورة ما يقارب الـ 54 مليار جنيه، وهو ما جعل التدفق المباشر للاستثمار الأجنبي يصل إلى الصفر؛ نتيجة خوف المستثمرين وقلقهم من استمرار أحداث العنف.

 

ولم يكن قطاع الصناعة بعيدًا عن هذه الخسائر؛ حيث شهد العام الماضي توقف ما يزيد عن 1500 مصنع عن العمل؛ نتيجة عدم قدرتهم على سداد التزاماتهم خارجيًّا لما قاموا باستيراده من مواد خام أو في سداد أجور العاملين أو مديونياتهم لدى القطاع المصرفي، وهو ما نتج عنه تعثر كبير لأصحاب المصانع توقف على أثره الإنتاج الصناعي بشكل عام بنسبة 20%، وهو ما انعكس على حجم الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.2%.

 

خسائر بالجملة

ولم تقتصر خسائر عام التغيير على عجز الموازنة فقط الذي بلغ 167 مليار جنيه بنسبة 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بلغ حجم الدين الخارجي أيضًا 34.8 مليار دولار، حسب تقرير البنك المركزي المصري بداية العام الماضي، فضلاً عن ارتفاع حجم الدين المحلي إلى 1044 مليار جنيه، فضلاً عن تراجع احتياطي النقد الأجنبي من 36 إلى 20 مليار دولار.

 

وحسب تقييم بنك "دويتشيه" الألماني للسوق العقاري المصري فإنه لم يفلت أيضًا من تداعيات الثورة؛ حيث سجلت خسائره نحو 15 مليار جنيه، وشهد الطلب على الوحدات السكنية انخفاضًا وصل إلى 25%، وعلى الوحدات الإدارية 27%.

 

ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء فإن خسائر قطاع السياحية بلغت مليارات الدولارات؛ حيث انخفضت إيرادات مصر السياحية بما لا يقل عن 3 مليارات دولار بنهاية ديسمبر الحالي؛ حيث انخفض حجم التدفق السياحي من 13 مليون سائح إلى 2.5 مليون سائح في عام 2011م مقارنةً بعام 2010م.

 

الأرقام السابقة انعكست بشكل كلي على تصنيف مصر ائتمانيًّا من مؤسسات التقييم والتصنيف العالمية، والتي قامت بتخفيض التصنيف الائتماني لمصر 4 مرات، وهذا يعني أن مصر غير قادرة على الالتزام بسداد ما عليها؛ ما يزيد من سعر الفائدة على القروض التي تطلبها مصر، فضلاً عن فقد فرصة الاقتراض من البنك الدولي.

 

وعلى مستوى قطاع البترول فقد شهد هذا القطاع مزيدًا من المواءمات على مدار العام الماضي بدءًا من أزمة البوتاجاز، فضلاً عن عمليات تفجير خط تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني التي ألحقت بالاقتصاد المصري مزيدًا من الخسائر التي تجاوزت الـ 500 مليون جنيه بخلاف خسائر توقف عمليات التصدير للدول والشركات المتعاقدة على استيراد الغاز، فضلاً عن مديونية هذا القطاع لدى البنوك، والتي وصلت إلى 61 مليار دولار.

 

وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي فقد تكبَّد هذا القطاع خسائر بالمليارات، وتراجعت أرباحه بنسب تراوحت ما بين 40 و80%؛ بسبب توقف عمليات التمويل للمشروعات المختلفة، فضلاً عن تعثر المشروعات الكبيرة التي حصلت على مليارات الجنيهات من البنوك، وهو ما دعا الأخيرة إلى زيادة مخصصاتها لمواجهة قطار التعسر الذي يسير بشكل كبير كلما تدهورت الأحوال الاقتصادية.

 

قطاعات رابحة

على نفس الصعيد لم تكن الصورة سوداوية بشكل عام بل كان هناك بعض القطاعات قد خرجت عن القاعدة، وأفلتت من تبعات الأحداث السابقة، كتلك المكاسب التي حققتها عائدات قناة السويس التي ارتفعت لتصل إلى 4 مليارات و343 مليون دولار، بزيادة قدرها 413.4 مليون دولار عن العام الماضي؛ لتمثل 17.6% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن ارتفاع الصادرات المصرية إلى دول الخارج.

 

المشروعات الصغيرة

 الصورة غير متاحة

 د. حسين شحاتة

يقول الدكتور حسين شحاتة، أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر: إن الاقتصاد المصري خلال الأشهر الماضية وبالتحديد بعد 25 يناير واجه العديد من العقبات، كتراجع الاستثمارات، وزيادة معدل البطالة، وعجز في الموازنة؛ نتيجة تراجع الإيرادات، بالإضافة إلى الظلم الاجتماعي الذي يعانيه المجتمع المصري بشكل عام.

 

ويشير إلى أن العديد من الموارد قد توقفت كعائدات السياحة، وانكماش الاستثمار، وارتفاع النفقات العامة، وإغلاق العديد من المصانع، كما تراجعت الصادرات أيضًا وانخفض الاحتياطي النقدي، وهو ما جعلنا في حاجةٍ ملحَّة وشرعية ووطنية لجذب أموال المصريين المهاجرة إلى الخارج، فضلاً عن جذب أموال العرب والمسلمين لدعم الاقتصاد في هذه المرحلة التي تحتاج مزيدًا من التعاون والتضامن بين الجميع.

 

ويوضح د. حسين شحاتة أن الحل قد يكون بسيطًا، ولكن الكثير يغفل عنه، وهو العودة إلى الإسلام وتطبيق الاقتصاد الإسلامي، وأن نبدأ ذلك بتطبيق زكاة المال، والحض على الصدقات والوقف، باعتبار أن ذلك يحقق مزيدًا من الضمان والتأمين الاجتماعي خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن كفالة الغني للفقير سوف تجعل هذه الدولة تقوم مرةً أخرى.

 

وأضاف أننا في حاجة إلى تشجيع إقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ باعتبار أنها نواة الاقتصاد، وذلك من خلال تمويل هذه المشروعات بنظام القرض الحسن، ونظام المشاركة، وغير ذلك من الأنظمة التي تقرها الشريعة الإسلامية.

 

النهضة ممكنة

ويرى الدكتور حمدي بسيوني، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد المصري مرَّ بمنعطف خطير خلال العام الماضي؛ حيث بلغت خسائره مليارات الجنيهات منذ اندلاع الثورة؛ بسبب خسائر القطاعات المختلفة، وعلى رأسها البورصة والسياحة والعقارات والتجارة البينية بين مصر وغيرها من الدول الأخرى، مضيفًا: "إلا أنه رغم هذه الخسائر فإننا لدينا توقعات بتحسن الاقتصاد المصري خلال العام الجاري بعد الانتهاء من الانتخابات البرلمانية والرئاسية بما يضمن عودة الإنتاج مرةً أخرى، وإقبال المستثمرين على إقامة المشروعات الإنتاجية.

 

ويضيف: إن هروب المستثمرين من مصر وقيامهم ببيع أسهمهم في البورصة كان له بالغ الأثر على هبوطها وعدم قيامها على مدار العام الماضي؛ حيث تكبَّدت البورصة خلال 2011م أكبر خسارة في تاريخها بقيمة 195 مليار جنيه من قيمة رأسمالها السوقي؛ بما يقدَّر بنحو 50%، خاصةً بسبب عدم ثقة هؤلاء المستثمرين في الاقتصاد المصري وعودته للاستقرار مرةً أخرى.

 

ويوضح أن المطالب الفئوية والاحتجاجات التي شهدتها جميع محافظات مصر كان لها دور كبير في تكليف الاقتصاد المصري فاتورة ذلك، وفقدان مليارات الجنيهات بسبب عمليات الحرق والهدم التي صاحبت هذه الاحتجاجات، فضلاً عن تعطيل العمل والإنتاج، وهو ما يجعلنا في حاجةٍ إلى وقفة حازمة، وتعاون بين مختلف قوى وجموع الشعب لإنقاذ اقتصاد الدولة.

 

ويطالب بالجدية في بناء مصر مرةً أخرى، خاصةً أننا أمام اقتصاد دولة غنية بالموارد الطبيعية المختلفة، وقادرة على إعادة النهضة والبناء مجددًا بفضل عزيمة أبنائها، فلدينا فرصة كبيرة لتحقيق أهدافنا خلال الفترة المقبلة.