منذ أسبوعين أو أكثر قليلاً، انفطر قلب وزيرة الخارجية الأمريكية لما شاع من قول بانتهاكات لحقوق المتظاهرين في مصر.
ومنذ أيام قليلة عبَّرت مسئولة أمريكية أخرى بلهجة لا تخلو من تشدُّد وقسوة عن عدم رضا الحكومة الأمريكية عن اقتحام قوات أمن- مع النيابة- عددًا من مقار جمعيات مصرية، أهلية، تُموَّل أمريكيًّا في معظم أنشطتها تمويلاً يتَّسم بالسخاء الواضح.
وهنا يبرز لدينا تساؤل عما سوف يكون عليه موقف الحكومة الأمريكية لو أن تنظيمًا إسلاميًّا أمريكيًّا تم اكتشاف أنه يموَّل "إيرانيًّا"؟!
هنا سوف تقوم قيامة أمريكا، وتسوق الحجج والمبررات التي تسعى لأن تبرهن بها على التدخل الإيراني في الشئون الداخلية الأمريكية، وتوجيهها لبعض هذه الشئون؛ بما يخدم المصالح الإيرانية، وهكذا يرون ذرة تراب في أعين غيرهم ولا يرون قطعة خشب في أعينهم، أو وفقًا للتشبيه والمثل الشهير: "لا تقذف غيرك بالحجارة، إذا كان بيتك من زجاج"!.
إن أمريكا تعيد في العصر الحاضر النموذج الغربي للديمقراطية؛ الذي بدأ ظهوره في مجتمع أثينا اليونانية القديم؛ حيث شاع الحديث عن أنها كانت "نبع الديمقراطية"، وهي أكذوبة تاريخية نجح الغرب في ترويجها حتى صدقناها، بينما لو فتَّشنا وقائع التاريخ بحثًا عن حقيقة الأمر لوجدنا أن من كان لهم الحق الديمقراطي في المشاركة في تسيير شئون المدينة هم: "عِلية القوم" وحدهم، والذين كان عددهم قليلاً كالعادة، قياسًا إلى أضعاف عددهم من الصنَّاع والزراع، وصغار التجار، والنساء، وعموم الناس على وجه العموم.
ووجه التشابه بين الديمقراطية الأثينية ومثيلتها الأمريكية أن الديمقراطية الأمريكية قاصرة على المواطنين الأمريكيين فقط، أما الشعوب الخارجية- وخاصةً في آسيا وإفريقيا- فهم درجة ثانية في الحق الإنساني، وقد فصلنا هذا في مقال سابق لنا بجريدة (المصريون)، من حيث الإشارة إلى أمثلة معاصرة تنتهك فيها أمريكا أبسط قواعد لا نقول الديمقراطية فقط، بل الإنسانية (جونتانامو+ سجن أبو غريب في العراق).
ومن مزايا الديمقراطية الأمريكية (الداخلية) الرقابة الدقيقة لمجلسي الشيوخ والنواب على الإنفاق العام؛ حيث يقوم هذا على مقدمة تقول: بما أن المواطن الأمريكي هو الذي يدفع الضرائب التي هي مصدر الإنفاق الأمريكي؛ يكون له الحق في أن يراقب مسار الإنفاق، وهنا يبرز التساؤل البسيط: هل يمكن للمواطن الأمريكي أن يسكت على إنفاق حصيلة ما يدفعه من ضرائب على مواطنين في دولة أخرى، وخاصةً إذا كانت عربية إسلامية مثل مصر؟!
الإجابة لا تتحدد إلا بمقدار ما يجلبه هذا الإنفاق من مصالح لأمريكا تفوق قيمة المدفوع، بل وتفوق قيمة الإفادة التي سوف يحصل عليها المدفوع له.
فإذا ما توسعنا في الحوار والمناقشة فسوف نجد أن من المعايير الأمريكية أيضًا ألا يضرَّ المال المدفوع بحبيبة القلب: دولة العدو النازية "إسرائيل"؛ فهل يمكن أن تتفق المصالح المصرية مع الأمريكية مع "الإسرائيلية"؟!
بل إننا بحاجة إلى استدعاء عشرات الوقائع التي غمرت عالمنا الإسلامي، عقب أحداث سبتمبر المريبة عام 2001م، وكيف راحت أمريكا- في حركة محمومة- لن نتحدث عن حربها على بلدين مسلمين: العراق وأفغانستان، وإزهاق ملايين الأرواح، وتدمير ما يفوق ثمنه عشرات المليارات من الدولارات، ولكن نشير إلى تعقبها للجمعيات المدنية العربية والإسلامية، وشنّ حرب شعواء عليها، بحجة اجتثاث الجذور، وتجفيف ينابيع تمويل ما أسمته بالإرهاب الإسلامي!!.
إن الدعوى الأمريكية في هذا الشأن قد تبدو وجيهةً لأول وهلة، ولكن فلننظر إلى مثالين:
أولهما خاص بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ الذي أنشأه الأمريكي ذو الأصل الفلسطيني الراحل الدكتور إسماعيل الفاروقي في واشنطن؛ حتى يمكن أن يهرب من الحرب التي كان يشنُّها دائمًا ممثلو الديكتاتوريات العربية المستظلة بالحماية الأمريكية، وتصورنا أنه سوف ينعم بمزايا الديمقرطية الأمريكية، لكن.. لم يهنأ الدكتور الفاروقي بمشروعه؛ حيث عاجلته بعد فترة قصيرة رصاصات يهودي عنصري، فأردته قتيلاً!!.
وحرص المعهد على ألا يقرب المسائل السياسية، وخاصةً المباشرة، وركَّز على أن مشكلة المسلمين تكمن في مجموعة سلبيات تحيط بالعقل الإسلامي فتُعجزه عن الرؤية الواضحة السليمة، ومن ثم فقد دارت مؤتمرات المعهد وكتبه ومحاضراته على مهمة "الإصلاح الفكري"، فلا هجوم ولا نقد للديكتاتوريات العربية وفسادها، ولا هجوم على قوى الهيمنة الكبرى، وفي مقدمتها أمريكا،؛ فهل كان الطريق معبدًا؟!
كلا.. فقبل أحداث سبتمبر بعدة سنوات مورس ضغط أمريكي على إحدى البلدان العربية حتى تمنع ما كان يقوم به أحد أثريائها من تمويل سخيّ للمعهد؛ باعتبار ذلك "صدقة جارية"، وهو الأمر الذي يحث عليه الإسلام، وكان لحجب هذا التمويل أثره الشديد في تقليص أنشطة المعهد، والذي يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على التمويل الذاتي.
ثم جاءت الضربة الموجعة بعد سبتمبر؛ حيث لا علاقة للمعهد- من قريب ولا بعيد- بأي نشاط مما يصفونه بالإرهابي، من خلال ملاحقات أمنية مفزعة وتحقيقات وغبار من الشكوك؛ حتى "طفش" العاملون فيه خارج أمريكا.. كل هذا، رغم أنه لم يثبت أنه موَّل إرهابًا، ولا ثبت أن المواطن الأمريكي يدفع له ليعينه.
وثانيًا كان للمملكة العربية السعودية عدد من الجمعيات والمراكز والمؤسسات، التي تنشئ المدارس والكليات والجامعات والمستشفيات والمساجد لشعوب إسلامية فقيرة، فضلاً عن محاولات مساعدة تمويلية لمن يريد التعلم من فقراء المسلمين، ولعل أشهر وأبرز هذه المؤسسات "رابطة العالم الإسلامي"، وكان منها أيضًا "مؤسسة الحرمين"؛ التي كانت لها امتدادات "خدمية" في بلدان آسيوية وإفريقية، فإذا بالضغوط الأمريكية والملاحقات وبث الخوف والذعر والأكاذيب المروّجة لمقولة إن الكثير مما تدفعه المؤسسة- ومثلها من المؤسسات الخيرية- يذهب إلى إرهابيين باسم الإسلام!.
ويطول بنا المقام لو حاولنا أن نتتبع الملاحقات الأمريكية للجمعيات الأهلية الإسلامية، لتقليص أنشطتها وتحجيمها، ولا بأس من إفشالها تمامًا، وتكرر هذا الأمر كذلك في الكويت والإمارات، ووصل الأمر إلى حدِّ تتبُّع التحويلات البنكية ومراقبتها، وبالتالي سدّ منابع التمويل الخيري لآلاف المسلمين في أنحاء العالم، واتخذها الحكام الديكتاتوريون العرب حجةً لملاحقة كل أنشطة المقاومة والاحتجاج التي كانت بطبيعة الحال في حاجة إلى تمويل ممن يناصرون الديمقراطية الحقيقية، والمصالح الوطنية العربية الصادقة.
أحلال إذن الحرب الأمريكية على الأنشطة الإسلامية الخيرية غير الموجَّهة إلى معاداة أمريكا، وإنما مساعدة فقراء المسلمين وتعليمهم، وحرام على حكومة مصر أن تراقب وتحقق" قضائيًّا" على أرضها في أنشطة مجموعة جمعيات تعمل بالسياسة، وتتمول أمريكيًّا؟!
إن البيت الأمريكي من زجاج رقيق، ومع ذلك يقذفون بيتنا ذا الزجاج السميك بالحجارة.. عجبي!.