مقدمة أساسية:
أولاً: نحتاج إلى وقفة ابتدائية لتحديد كلمات العنوان:
نقصد بالإسلام هنا الأمة الإسلامية وما تحمله من قيم الإسلام وشريعته، وإذا أسقطنا هذا المعنى على واقعنا المعاصر فإنه يصبح المشروع الإسلامي، والذي تحمله طليعة من الأمة الإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني.
وأما كلمة الاستعمار، والتي أصبحت مصطلحًا عصريًّا، فهي ليست تعميرًا للأرض بل استغلالاً وسيطرة، والأكثر دقةً من الناحية اللفظية هو: الاحتلال الأجنبي والاستعباد للدول والشعوب.
ومن ثم فلنا أن نعيد ترتيب كلمات العنوان فتكون "المشروع الإسلامي في مواجهة لمشروعين الصهيوني والغربي".
المنطلقات الفكرية:
وقبل أن نخوض في مقتضيات الحديث عن ذلك، لا بد لنا أن نحدد المنطلقات الفكرية والمفاهيم الأساسية التي تشكل الرؤية، ونحدد الموازين التي تستوعب، ونستعرض بها هذا الموضوع.
أول هذه المنطلقات هو تحديد مفهومنا عن الإسلام، وهل هو اسم أو منهج مثل باقي الأسماء والمناهج؟
إن الإسلام يمثل رسالةً عامةً لكل البشرية، ليس خاصًّا بجنس أو شعب معين أو زمن معين، كما أن الإسلام وعقيدته التوحيد هو الأصل في حياة البشرية، منذ خلق الله سيدنا آدم عليه السلام، وما حدث من اختلاف مع هذا الأصل، هو صور مختلفة من الخروج والانحراف عنه انزلقت فيها البشرية.
لقد استمرت البشرية منذ سيدنا آدم عليه السلام على منهج الله الإسلام، وعلى توحيده وعبادته قرابة 3 آلاف عام، ثم حدث الانحراف عن ذلك قبل بعثة سيدنا نوح عليه السلام،
وأرسل الله عز وجل رسله وأنبياءه لهداية البشرية، وليردوها إلى هذا الأصل وإلى الطريق المستقيم، فكانت تستقيم لفترة ثم تنحرف، وهكذا،.
إن حدوث هذا الانحراف والخروج عن الطريق المستقيم يحملان في ثناياهما حقيقة الصراع بين الشيطان (إبليس) وبين الجنس البشري. فمنذ أن خلق الله سيدنا آدم وكرَّمه وأمر الملائكة بالسجود له، رفض إبليس هذا التكريم وامتلأ عداوةً وحسدًا لبني البشر، وأظهر- وقد لعنه الله وأخرجه من رحمته- العداوة والبغضاء للبشر أبدًا، والتحدي في إثبات عدم جدارتهم بهذا التكريم؛ وذلك بالتزيين لهم للانحراف والخروج عن عبادة الله بكل صور الإغواء، بل استخدام بعضهم ضد بعض لتحقيق ذلك، وكل أمله أن يأتي وقت على البشرية ينعدم فيه من يسجد لله ويقر له بالوحدانية. وكاد هذا يحدث عندما ينحرف أغلب البشرية وراء الشيطان عن عبادة الله، ويثبت على الإيمان فئة قليلة صامدة تحمي كرامة البشرية وأملها، بل وصل الأمر إلى نقطة حرجة حين لم يبق على وجه الأرض من يحمل الإيمان سوى سيدنا إبراهيم وزوجه سارة عليهما السلام.
ولهذا كان يوم الحساب فيه التكريم والثواب لبني البشر الذين ثبتوا على الإيمان، وأظهروا قولاً وعملاً جدارةَ بني البشر لعبادة الله وتكريمه إياهم، وكذلك العذاب الأليم نصيب الشيطان المطرود من رحمة الله وبني البشر الذين اتبعوه وتآمروا على البشرية وفلاحها وكرامتها.
وأرسل الله عز وجل الرسالة الخاتمة والمنهج الدائم الكامل (الإسلام)، مع خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أقام دولة الإسلام وأسس أمة الإسلام واستخلفها لحمل راية الإيمان وهداية البشرية لهذا الحق، وردها إلى الطريق المستقيم.
والمنهج الإسلامي يختلف في مفهومه وأسسه وتعامل البشر معه عن المنهج الوضعي، فالدين الإسلامي هو منهج أنزله الله من السماء إلى الأرض، ليؤمن به البشر ويرتفعوا إلى مستواه ويتربوا على قيمه وأحكامه ضد جواذب النفس وشهواتها المنحرفة، وضد جواذب الأرض ومعوقاتها، وكلما ازدادوا تمسكًا به وتطبيقًا له، ارتقى إيمانهم وعبادتهم لله، وحققوا السمو والفلاح لبني البشر، أما المنهج الوضعي فهو الذي يضعه قوم من الناس في بقعة معينة في زمن معين لعلاج مشاكل خاصة بهم، والتعامل مع طبيعة الظروف التي تحيط بهم، فهو منهج نشأ من الأرض، خاص بفئة معينة، فيه القصور البشري والهوى البشري ولا يصلح لأي زمان أو مكان دون تغيير أو تطوير وتعديل.
والشريعة الإسلامية فيها من الاتساع والمرونة ما يوظف فيه الاجتهاد البشري لمواجهة المشاكل الطارئة في حياتهم وفق أسس الإسلام ومبادئه وصبغته الربانية.
وإن المتأمل في المناهج الوضعية يجد أن أثر منهج الإسلام منذ عهد سيدنا آدم كان عميقًا في البشرية، فتأثرت هذه المناهج الوضعية ببعض القيم والمناهج الإسلامية رغم قصور منهجها وانحرافه عن كثيرٍ من الأمور الأساسية.
نؤكد كذلك أن المنهج الإسلامي جاء للتطبيق وليس للكلام النظري، جاء ليكوِّن ويؤسس أمة إسلامية بمواصفات وأهداف واضحة محددة، ولها صبغة تستمدها من هذا المنهج الرباني.
وكذلك تكون الأمة الإسلامية غير مقصورة على جنس أو شعب أو زمان معين، ولهذه الأمة رسالة وأمانة تتمثل في التطبيق العملي الصحيح لهذا الدين ونشره وتعريف البشرية به ودعوتها إليه، فمن قام بذلك فقد أصبح من أمة الإسلام، وحملها لهذه الأمانة ليس خيارًا، بل فريضة وواجبًا.
وأن مدى تمسك الأمة بدينها والقيام برسالتها وأداء تكاليفها هو الذي يحدد مدى ارتقائها وفلاحها، وأن ابتعادها وضعف تمسكها وتركها رسالتها يؤدي إلى انحدارها وتأخرها وغلبة الأعداء عليها.
وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة على مر التاريخ منذ عهد آدم وطوال مسيرة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهذه الأمة مستمرة إلى يوم القيامة، والإسلام يحمل قيم الحق المطلق، لأنه المنهج الرباني، ويدعو البشر إليه أفرادًا وشعوبًا وحكومات، بالحكمة والإقناع حتى يؤمنوا به عن فهم واعتقاد وليس عن جبر واضطهاد.
كما أنه يواجه الظلم والاستبداد أينما وجدا، حرصًا على فلاح البشرية واستقامتها.
وأن السلام والعدل والحرية من قيم الإسلام الأساسية التي تدعو إليها أمة الإسلام وفق المفهوم الإسلامي الكامل الشامل.
فالإسلام كمنهج للبشر، لم يأت ليتقوقع وينحصر في بقعة معينة أو أن يترك الظلم والفساد والاستبداد يؤثر على البشر، وينحرف بهم أو يفتنهم، ويمنعهم عن النور والهداية، بل على الأمة الإسلامية أمانة مواجهة ذلك وإنقاذ البشرية وإرشاد العالمين، وإزالة كل معوق يؤثر على النفس البشرية ويمنع عنها حريتها في الإيمان والنجاة من عذاب الآخرة.
الصراع والمعركة:
بعد هذه الأسس في الفهم، وهي ضرورية لوضوح الرؤية، نتكلم عن الصراع والمعركة.
أولاً: هل الإسلام يرتبط مع الصراع؟ وهل جاءت الأمة الإسلامية بالحرب والمعارك وتدمير حياة البشر؟
نقول: إن الدول الإسلامية والأمة الإسلامية الأصل في العلاقة بينهما وبين الدول الأخرى على أمرين:
(أ) الدعوة، وأداؤها بالحكمة وما يقتضيه ذلك من وسائل.
(ب) المعاملة بالمثل، فمن سالم الأمة وهادنها سالمته، ومن اعتدى عليها ردت عدوانه، وكذلك من منع إبلاغها الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ردت عدوانه.
إن هذا الصراع مفروض على أمة الإسلام، وليس هي البادئة به، فإن المنهج الإسلامي كان هو الأساس في تاريخ البشر، وكان قادة الأمة الإسلامية من الأنبياء والرسل يواجهون الانحراف البشري الطارئ على تاريخها بالدعوة والحكمة، وكانت الفئة المنحرفة هي البادئة بالعدوان والمتحفزة للصدام والصراع.
فكان هذا الصراع مفروضًا على أمة الإسلام ولا ينتهي إلا باندحار القيم الباطلة والفاسدة، وظهور قيم الحق والعدل التي أمر الله بها: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)) (الإسراء).
إن أصل هذا الصراع بدأ مع الشيطان الذي يصرُّ على تحدي الإنسان والاستعانة ببعض أبناء البشر ضد دعوة الحق، لتحقيق دعواه بهزيمة البشرية وعدم جدارتها بعبادة الله.
ومن ثم كان هذا التدافع الذي يجب أن يكون عليه أهل الحق وأمة الإسلام لمواجهة هذا العدوان ولمواجهة منع وصول رسالة الهداية إلى جميع البشر: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج: من الآية 40)،
فهذه المعركة وذلك الصراع مفروضان على أمة الإسلام التي يجب أن تأخذ بسنة الله في التدافع وحماية الحق وإزالة الظلم والعدوان.
ثانيًا: وإذا كان هذا الصراع والتدافع حتميَّين فهل يمكن أن يحدث بين الطرفين صيغة توافقية مشتركة يتنازل كل طرف عن جزء منه في سبيل منع الصراع نقول: إذا كان المقصود بهذا الطرح توفيق القيم وإنتاج شيء مشترك أو التخلي عن جزء من أهدافه أو تغيير صيغتها ومحتواها فهذا مرفوض قطعًا، فقيم الإسلام تواجه قيم الباطل وأهدافه وعقيدته، وقيمه تمثل الحقيقة الربانية المطلقة، وهي تواجه قيم الباطل وتهزمها وتزهقها.
أما إذا كان المقصود هو التعامل بين الدول في أمن وسلام وعدم اعتداء فإن هذا من مطالب الإسلام؛ بشرط أن يقوم ذلك على الحق والعدل ورد الظلم ومنع العدوان، فالسلام هو من دعوة الإسلام وألا يمنع أحد وصول دعوة الله إلى كل البشر ليفهموها ويؤمنوا بها دون جبر أو إكراه.
وقفة التاريخ:
لكن القارئ للتاريخ والمشاهد للواقع المعاصر، يرى أن المناهج المخالفة للإسلام ما زالت تقوم على الظلم والعدوان، والإقصاء للآخر، بل حتى فيما بينها تتصارع وتتنافس رغم اشتراكها في البعد عن منهج الله.
لقد كان الظلم والعدوان هو سمت أصحاب المنهج المنحرف عن طريق الإسلام، وكانوا يصرون على الإقصاء لدعوة الحق حتى كموعظة ولأهل الحق مهما قلَّ عددهم وضعفت إمكاناتهم، لأنهم- كمنهج باطل- يرفضون مجرد وجود شعاع النور، وما زالت تطرق آذان التاريخ صيحة هذا الباطل: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)) (النمل).
الموازين التي تحكم الصراع:
نتكلم عن الموازين الإسلامية التي تحكم هذا الصراع، وذلك التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل، والحكمة التي قدرها الله في ذلك.
أولاً: إن تمسك الأمة بدينها ومنهجها الإسلامي وحرصها على أداء أمانة الدعوة هو الأساس في القوة ونجاحها في تحقيق أهدافها ورد أعدائها.
ثانيًا: إن عوامل النصر والهزيمة تقوم أساسًا على الوضع الداخلي في تمسكها بهذه القواعد، وليس على قوة الضغط الخارجي.
فإن تجرد الدعاة وترابطهم ولجوءهم إلى الله وعدم غرورهم أو إعجابهم بأنفسهم وتحقيقهم للإخلاص والصدق في جهادهم كلها عوامل للتمكين والنصر.
أما التنازع والاختلاف والجدل، والتفرق وإرادة الدنيا.. إلخ، فإنها تؤدي إلى الفشل والهزيمة مهما كانت القوة المادية التي معهم، ومن ثم فإن الضغط الخارجي يمثل معوقات وأذى؛ لكنه لا يحسم المعركة لصالحه مهما كانت إمكاناته المادية: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111)) (آل عمران)، (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)) (آل عمران).
ثالثًا: إن الله لم يكلفنا النتائج، وإنما سلامة القصد (الإخلاص) وصحة الخطوات (أي مطابقتها لمنهج وشرع الله).
رابعًا: لم يحدد الله عز وجل توقيتًا للنصر أو شكلاً واحدًا له، وإنما جعل الأمر بيده سبحانه وتعالى، فكان هناك صور متعددة لهذا النصر بمعناه العميق، من انتصار المبادئ والقيم، فيتحقق ذلك من ثبات الفئة المؤمنة رغم استشهادها، أو في نجاة الفئة المؤمنة وهلاك الكافرة، وكذلك في تحقق النصر مع التمكين والغلبة في الأرض.
خامسًا: قد يطول الصراع أجيالاً وأعوامًا، وعلينا بذل الجهد البشري حتى يستفرغ البشر طاقاتهم (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)) (البقرة)، ) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)) (يوسف).
وكذلك حتى يتحقق الفرز والتمحيص بين الفئتين، فيتميز أهل الحق، ويتميز أهل الباطل وكذلك تتأكد وتترسخ في الفئة المؤمنة المظاهر الحقة للإيمان وللصبر والجهاد والتضحية، (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)) (آل عمران).
سادسًا: أن أصحاب الباطل يكونون في مزيد من القوة المادية والغلبة العسكرية ويبذلون الوسع والقدرة في التخطيط والتنفيذ، ثم يفشلون في النهاية أمام قدر الله.
وذلك حتى لا يكون سبب هزيمتهم هو نقص الإمكانات أو ضعف التخطيط، وإنما لأنهم باطل زاهق في ذاته (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)) (الأنفال).
وكذلك تكون الفئة المؤمنة قليلة العدد، ضعيفة الإمكانات، حتى لا تغتر بنفسها، وتدعي أن النصر مرده ذاتها وخطتها وإمكاناتها، وإنما ترد الأمر كله لله.
سابعًا: وجود اليقين عند الفئة المؤمنة وعدم اهتزازه، اليقين بصواب المنهج، اليقين في نصر الله لدينه والتمكين للفئة المؤمنة التي استكملت صفات التمكين والعبودية لله، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)) (الأحزاب).
ثامنًا: أن يكون الأصل في الحركة هو التوكل على الله والرجوع إليه، وطلب العون والتوفيق منه، وأن تقوى الله هي الحصن الذي نفرِّ إليه ونواجه به كل الأزمات والأخطار، (الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)) (الطلاق).
وكما قال ابن الجوزي: "أن تكون ببدنك مع الأسباب وبقلبك مع مسبب الأسباب" مع الله سبحانه وتعالى، أي متجردًا له، مخلصًا إليه، متبرئًا من كل حول وقوة، وإذا اختل هذا الأمر فقد حبط العمل، وفشل في النهاية ولم تنفع معه الأسباب.
تاسعًا: أن هناك عوامل أساسية تمر من خلالها هذه الموازين، وتحكم بقدر الله نتائج المواجهة والحركة:
1- الجهد البشري ومدى استفراغ طاقته ومدى أخذه لقيم الإيمان وموازين الثبات وأهداف الدعوة.
2- مدى مراعاة نواميس الكون ونواميس التغيير التي قدرها الله عز وجل.
3- العامل الرباني، وهو فوق كل ذلك من عوامل بعلم الله الشامل وقدرته التي هي فوق الأسباب والمسببات التي خلقها، وحكمه في التقدير والتصرف والمشيئة المطلقة له سبحانه وتعالى.
تاريخ المواجهة:
عندما جاءت رسالة الإسلام الخاتمة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأقام دولة الإسلام، ووضعها على المحجة البيضاء لتؤدي رسالتها، فقد واجهت في الأعوام التالية معوقات ومواجهات داخلية من المنافقين ومن النفوس الضعيفة، وخارجية من الأعداء المحاربين لها من الفرس والروم في ذلك العصر، إلا أن هذه المقاومة للإسلام لم تشكل مشروعًا، وكان أول مشروع لمواجهة المشروع الإسلامي ودولة الإسلام هو مشروع عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي ركز على التآمر الداخلي وإحداث الفتنة، ونشر الأفكار الضالة المنحرفة عن العقيدة، والعمل داخل المجتمع المسلم لتحطيمه، ثم بعد سنوات كثيرة ظهر المشروع الصليبي عام 1095م ليستمر في صور متعددة مع هذا المشروع اليهودي.
ورغم تصدي الأمة الإسلامية لهذين المشروعين واستيعابهما وإيقاف خطرهما إلى حد ما إلا أنها بعد مرحلة التمسك القوي بدينها وحمل راية الدعوة بدأ الانحراف تدريجيًّا، بدأ في منظومة الحكم، ثم استمر ليحدث خللاً في وحدة الأمة الإسلامية، وانتهى إلى درجة كبيرة من التخلف العلمي والاجتماعي والعسكري والبعد عن قيم الإسلام ومبادئه، وإلى حالة من التشرذم والتنازع والصراعات الداخلية حتى صدق وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لسيدنا حذيفة عن مراحل حال الأمة.. "دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها".
--------
* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.