"يسخر من الجروح كل مَن لا يعرف الألم".. حكمة نذكرها وجروح مصر يُوضع عليها ملح يأبى لها ألا تندمل مع رحيل عام 2011م.. ملح من تبرئة قتلة الثوار وتأجيل محاكمات البعض الآخر إلى ما بعد الانتخابات.. ملح من تهيئة الأوضاع لسيناريوهات الماضي؛ حيث تتعاقب الحكومات في عهد المجلس العسكري كما تعاقبت أيام الملك، وتتم الاغتيالات الممنهجة لرمزٍ ديني بحجم الشيخ عماد عفت رحمه الله وشباب في حيوية وإرادة طلاب الجامعات، كما كانت في الماضي تصل لرمزٍ بحجم الشيخ حسن البنا رحمه الله.. ملحٌ من عدم إظهار الطرف الثالث في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود وأحداث مجلس الوزراء حتى الآن، فضلاً عن ملحٍ من مغازلة المجلس العسكري بتصريحاتٍ غير رسمية من هنا وهناك للقوى السياسية واستحداث مجالس واقتراحات مخالفة للإرادة الشعبية.. بجانب ملح من عدم التوافق والاتهامات المتبادلة لمَن باع الثورة ولمَن اشتراها وكأنَّ الثورة كانت مزادًا لمَن يدفع أكثر أو لم تكن ملكًا للمصريين الشرفاء أجمع ومن بينهم الإسلاميون المعتدلون ولا شك.

 

وأعتقد أن مَن ذاقوا ألم الاستبداد والفساد في عهد الرئيس المخلوع الذي لم يُحاكم بالإعدام مع انتهاء عام 2011م يجب أن يسعوا إلى حالةِ توافق عام بين شركاء الثورة الحقيقيين وأصحاب النضال السياسي الحقيقي وباقي شرائح المجتمع المصري ليكونوا أبلغ ردٍّ على أولئك الذين لم يعرفوا الألم ولن يعرفوه، ويسخرون من جروح الثورة المستمرة مع التحول الديمقراطي المنتظر أن تنتقل مصر إليه، وكانوا من قبيل الانتخابات يريدون أن يحرقوها لو صدر قانون العزل السياسي!!.

 

لا شك أن مصر المجروحة تحتاجنا جميعًا أكثر نبلاً وأكثر تقديرًا للمواقف وأكثر التحامًا بالشارع المصري وأكثر وعيًا بمتطلبات المرحلة الانتقالية وتفهُّمًا للماضي وقراءةً للحاضر لوضع مستقبلٍ مدني ديمقراطي، بل مصر تحتاجنا جميعًا أكثر حرصًا على عودة لقاءات التوافق والتحالفات، خاصةً ما بعد الحساسيات الناتجة عن العملية الانتخابية وأكثر حرصًا على تواصل إنساني فريد يعيد عبق ميادين الثورة في التحرير والمحافظات على نحو يعيد لمصر ثورة البناء، كما كانت ثورة هدم النظام المخلوع جديرة بالتحية والفخر.

 

أكتب هذا ونحن نستقبل يناير 2012م وبينه وبين يوليو 1952م ما يصل تقريبًا إلى 60 عامًا، ولا أدري هل سيكون كما يسعى البعض لتكرار نموذج 25 يناير ليس احتفالاً وتجمعًا، ولكن كثورة جديدة أم سيكون يوليو جديدة يدفع العسكر فيه مصر مرةً أخرى لنفس سيناريو حدث منذ 60 عامًا؟ ولكن ما أدريه هو ما أقتبسه لكم من كلماتِ الشهيد حسن البنا رحمه الله حينما قال: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد"..."أجل قد تكون طريقًا طويلةً، ولكن ليس هناك غيرها.

 

إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلستُ معه في ذلك بحال، وخيرٌ له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات. ومَن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة".

 

نعم ليس هناك شيء تحتاجه مصر الآن غير طريق التوافق والتلاحم السياسي والتحالفات القوية، وقد يكون طريقًا طويلاً للغاية لكنه ليس أطول من 30 سنةً فقرًا وإذلالاً وفسادًا وإفسادًا واستبدادًا وقهرًا صنعها الدكتاتور المخلوع مبارك وحاشيته وجذورهم ستقتلع لا محالة بإذن الله وإرادة الشعب لكن بصعوبة.

 

إن مصر التي تحتاجنا جميعًا تريد إنكارًا شديدًا للذات، والتفافًا لا انخداعَ بغيره حول متطلبات الثورة النبيلة وعملية التحول الديمقراطي.. لا نريد أن نتوه مرةً أخرى في طريقٍ غير ذي نجاحٍ ولا نهضة مع أي اختلاف أو إثارة جهة ضد جهة أو فصيل ضد ثان.

 

قد نعلم أن هناك مَن الخطط الموضوعة لعرقلة مكتسبات الثورة من كل صاحب مصلحة في ألا تنجح الثورة ومشروعيتها الشعبية، ولكن نعلم علم اليقين أنه ما بنى الخلافُ وطنًا ولا ضمَّد جروحَ شعبٍ تنافسٌ غير شريف.

 

ويُحمِّلنا غاندي بقوله: "كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في هذا العالم" مسئوليةً حقيقيةً تجعلنا نتغير لأجل الله الذي علَّمنا المحبة والحق والعدالة ليعم كل هذا على وطننا الذي عايش ثورةً عظيمةً.

 

نعم يجب أن نتغيَّر أشخاصًا وأحزابًا وقوى من تلك الحرب الباردة التي لا تُعطي للثورة روحًا جديدًا إلى حياةٍ من العمل المشترك والتواصل والتوافق، واضعين أمامنا تلك الكلمات "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".

 

وأعتقد أن أبسط شيء قد يجمعنا الآن ونحن نستقبل 2012م ونُودِّع عام 2011م هو إحساسنا بألم أهالي الشهداء الذين فارقوا وطنًا أوصوه أن يقتص لهم، وإحساسنا بألم مصابي الثورة النبلاء الذين لم يشفوا بعد من إصابتهم، أما مَن يُصرُّ على الفِراق والخلاف وعدم الاتحاد أولئك يتحدون مع مَن يسخر من الجروح ولا يعرف معنى الألم.