لا تخشوا على ثورتنا المباركة؛ لأنها إرادة الله الغالبة, وقضاؤه الذي لا يرد, وقدره الذي لا يقهر: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21)) (يوسف).

 

لقد تولى الله الثورة من بدايتها, وسيرعاها بفضله وعنايته إلى نهايتها (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)) (الأنفال).

 

* لقد قامت الثورة من غير تخطيط, وبعيدة عن جميع التنظيمات السياسية, والجماعات الإصلاحية, وبلا قيادة تقودها, أو فصيل تنتسب إليه.

 

لقد كرس النظام البائد كل قوته لمحاربة من يعارضه, ومطاردة كل من ظن أن في وجوده خطرًا عليه ويهدده!.. فصب جام غضبه على الفصيل الديني خاصة (الإخوان), وشاء ربك أن يأتيه الله من حيث لم يحتسب, فهيأ للثورة شبابًا ما كانوا في حسبان أحد, وما خطروا على البال في الحقيقة أو في الخيال!: (فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ) (الحشر: من الآية ٢)، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُو) (المدثر: من الآية ٣١).

 

* لقد خرجت جموع من الشباب تطالب بأقصي غاياتها (عيش, حرية، عدالة اجتماعية), بيد أن الله- عز وجل- أراد شيئًا آخر, أراد تطهير البلاد من الظلم والطغيان, بإزاحة هذا الهم الجاثم عليها وعلى صدور أبنائها.

 

من كان يظن أن نظامًا تجذر استبداده, وتشعَّب فساده, وامتدَّ طغيانه, طيلة ثلاثين عامًا, فأرهب الناس حتى زاغت الأبصار, وبلغت القلوب الحناجر, ينهار أمام مطالب الثوار التي بدأت محدودة (عيش, حرية, عدالة اجتماعية) في ثمانية عشر يومًا؟!!.

 

إن الذي أراد ذلك هو الذي أراد لأهل بدر غاية فوق غايتهم, وإرادة غير إرادتهم: (وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)) (الأنفال).

 

* لما أراد الله خلع الطاغوت من جذوره, خرج ثمانية عشر مليونًا من الشعب المصري العظيم-  في صورة لم تحدث في التاريخ, حتى أبهرت العالم كله- بإرادة غير الإرادة الأولى, وغاية تعلو الغاية الأولى, يهتفون في وقت واحد, بهتاف واحد: الشعب يريد إسقاط الرئيس..!!.

 

إن الذي أخرج هذه الملايين- التي أبهرت العالم- وأنطقها من بعد صمت طال وامتد, كصمت أهل القبور، هو الذي أخرج أهل بدر من بيوتهم بالحق: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)) (الأنفال).

 

* وخيب الله مسعى النظام البائد, وجعل تدميره في تدبيره, فكانت خططه بل خطبه وبالاً عليه- أشعلت الثورة وأجَّجت نيرانها- جرته إلى مصرعه, وعجلت بزواله: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2)) (الحشر)، (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) (فاطر: من الآية ٤٣).

 

* ومنذ أن اندلعت الثورة إلى وقتنا هذا, والمؤامرات تحاك ضدها, وتحاول إجهاضها, فباءت
 فاشلة, وارتدت خاسرة, وافتضح أمرها, وانكشف أهلها: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) (المائدة: من الآية ٦٤).

 

فكل من خبثت طويته, وأراد الثورة بسوء, انكشفت سوءته, لأن الثورة إرادة الله, وفي حفظه ورعايته!.

 

* وأكاد أسمع من يقول, أما تخشى هذه القلاقل التي تحدث من حين لآخر, فتسفر عن أحداث مؤسفة, وأوجاع مؤلمة, ومواجهات محزنة؟!, أقول: كما قال الله عز وجل: (لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (النور: من الآية ١١).

 

لأن الثورة تنقي نفسها, فتنفي عنها الخبث, وتبعد عنها الدنس, وتميز الخبيث من الطيب: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)) (الرعد).

 

* لقد جرَّد الله الثورة من القائد, كما جرَّدها من الانتماءات الحزبية, والولاءات الضيقة, حتى لا يزعم أحد أنه قائدها, ولا يدعي فصيل من الفصائل أنه صاحب الحق في قيامها ونجاحها, وليعلم الجميع- على اختلاف أطيافه وتعدد توجهاته- ويوقن أن الثورة صناعة ربانية, صنعها الله على عينه, وإرادة إلهية, أرادها الله, لتكتب للأمة تاريخًا جديدًا, ينتظره العالم كله, فمن ركب سفينتها وأدرك مقاصدها, وآمن بأهدافها, أفلح ونجا, ومن تخلف عنها, أو حاول اعتراض سيرها, غرق وهلك وجرفه تيارها.

 

فلا تخشوا على الثورة؛ لأنه لو أجهضت لأجهضت في مهدها, أو أجهضت وانتهت من اليوم المعروف (بيوم الجمل)، بيد أن الله شاء أن يكون يوم الجمل هو الجمل الذي حمل الثورة وسط صحراء الظلم والاستعباد, ومضى بها نحو ربيع العدل وحرية العباد, ليكونوا- من بعد الله- حراسًا للثورة, وأمنًا للبلاد.

 

ألم أقل لكم: لا تخشوا على الثورة.. إنها إرادة الله؟!!.

 

----------

* داعية وباحث في الفكر الإسلامي.