يضع الكثيرون أيديهم على قلوبهم عند كل حادث يقع، ويبدون قلقًا كبيرًا على مستقبل الثورة والوطن، ويتوهمون أن هذا الحادث أو ذاك سيقصم ظهر الثورة، وسيعيدنا إلى حكم مبارك، ولا أخفي أنني كنت واحدًا من الجزعين في بدايات الثورة، خصوصًا خلال حادث كنيسة أطفيح وبعد أن تجاوزنا ذلك الحادث البشع تيقنت أن الثورة اكتسبت مناعة تمكنها من دحر أي هجوم جديد عليها.

 

في حوادث شارع قصر العيني الأخيرة خفقت القلوب هلعًا على الثورة، خاصة بعد تلك الاشتباكات العنيفة بين الجيش والمتظاهرين، وسحل الشباب والفتيات في الشارع، وهو تصرف استفز الملايين وكان ينذر باندلاع ثورة جديدة، لكنني- ومع رفضي واستنكاري التام لذلك العدوان على المعتصمين والمتظاهرين- كنت واثقًا أن الأمر سينتهي كما انتهت أحداث شارع محمد محمود من قبل، وأن رسالة الاحتجاج ستصل قويةً للمجلس العسكري ولكل من يعنيه الأمر دون أن تتعرض الثورة والوطن لخطر حقيقي.

 

ونحن الآن على أعتاب المرحلة الثالثة والأخيرة للانتخابات علينا أن نتوقع أحداثًا جديدة، سيكون أبطالها بشكل خاص الخاسرين في الانتخابات، وسيحاولون التعبير عن سخطهم على نتائج الانتخابات بطريقتهم الخاصة، أملاً- ربما- في تدخل أجنبي لصالحهم يمكنهم من الحصول على بعض المكاسب التي لم يحصلوا عليها عبر صناديق الانتخابات، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتيقن أيضًا أن هذه المحاولات ستبوء بالفشل كما باءت المحاولات السابقة، وستخرج الثورة أكثر مناعة وقوة، وكما يقول المثل "إن الضربة التي لا تميتني تقويني".

 

لقد تعرضت الثورة منذ أيامها الأولى للعديد من التحديات الجسام والمؤامرات لوأدها والقضاء عليها، كانت معظم هذه المؤامرات من أعدائها بطبيعة الحال، ولكن بعض التحديات جاءت من داخل الصف الثوري للأسف الشديد بسبب خطأ في الحسابات والتوقعات، ورغبة في التكويش على مكاسب الثورة والحديث باسمها، لكن الثورة أثبتت أنها أكبر من كل تلك المؤامرات والتحديات، وها هي المسيرة تتحرك إلى الأمام غير عابئة بمن يريد تعطيل سيرها.

 

هل نسينا مثلاً موقعة الجمل التي كانت تستهدف القضاء على الثورة في مهدها؟!، ومع ذلك ردَّ الله الذين ركبوا الخيل والجمال وامتشقوا السيوف والنبال بغيظهم لم ينالوا شيئًَا، وكانت هزيمتهم في تلك المعركة إيذانًا ببداية فجر الثورة وبانتصارها الحقيقي، وكانت تلك المعركة هي معركة الفرقان بالنسبة للثورة؛ حيث انكسرت قوى الشر، وشعر جميع الثوار بانتصار ثورتهم رغم أن مبارك لم يكن قد غادر القصر بعد، وأصبحنا ونحن في الميدان نفرّق بين من كانوا في الميدان قبل موقعة الجمل ومن التحقوا بالثورة بعدها.

 

هل نسيتم الاحتجاجات والاعتصامات الفئوية التي انتشرت كالنار في الهشيم وعمت معظم أرجاء الجمهورية في وقت واحد، ونظر إليها البعض باعتبارها الثورة المضادة التي ستقضي على ثورة يناير، ولم يكن بوسع الحكومة ولا المجلس العسكري مواجهتها، ولكن الشعب هو الذي تصدى، والعقلاء داخل مواقع العمل وفي أماكن تلك الاحتجاحات هم الذين تصدوا لها وتمكنوا من إيقافها.

 

هل نسيتم جريمة هدم كنيسة صول، والتي كادت تفجر مصر شمالاً وجنوبًا، والتي تسببت في وقوع اشتباكات وقتلى بين المصريين مسلمين ومسيحيين وبين قوات الجيش والشرطة سواءً في المقطم أو أمام ماسبيرو أو على طريق المحور؟! هل نسيتم أحداث ماسبيرو الأولى والثانية التي راح ضحيتها عشرات القتلى والمصابين، والتي هددت بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر؟ لكن الله سلم مصر منها.

 

هل نسيتم ردود الفعل على تعيين محافظ مسيحي لقنا، والتي وصلت إلى قطع  الطريق البري والسكك الحديدية لعدة أسابيع، وهل نسيتم حادث فتاة إمبابة (عبير) والتي كادت تتسبب في حرب أهلية جديدة بين المسلمين والأقباط، لكن عقلاء مصر تصدوا لها وانتهت بسلام.

 

هل نسيتم واقعة انشقاق بعض ضباط القوات المسلحة والتحاقهم بالمعتصمين في ميدان التحرير في مارس الماضي، وتدخل الشرطة العسكرية لفضِّ الاعتصام بالقوة والقبض على الضباط، وكانت المخاوف كبيرة أن يكون ذلك انشقاق في صفوف الجيش تدفع الثورة ثمنه، وكانت هناك مخاوف أن يتسبب ذلك الحادث في وقف استفتاء 19 مارس.

 

وهل كنا نظن أن اقتحام أوكار أمن الدولة وإخراج ضباطها أذلة صاغرين سيمر بسلام؟!، وهل كنا نظن أن حل الحزب الوطني بملايينه الثلاثة حسبما زعموا سيمر بهدوء؟!، وهل كنا نظن أن تجميد المحليات بأعضائها الخمسين ألفًا أو يزيدون سيمر دون رد فعل منهم، وهم الذين ينتشرون في كل شارع وحارة؟!.

 

ليس من باب التخويف والترهيب، ولكن من باب التقرير والاستعداد، علينا أن نتوقع بعض الحوادث خلال الفترة المقبلة حتى انتهاء الفترة الانتقالية، وعلينا أن ننظر إلى الأمر باعتباره شيئًا طبيعيًّا جدًّا في ظلِّ ثورة كبرى هي واحدة من أهم الثورات في العالم، وأكثرها تأثيرًا، ومن الطبيعي في ظل حالة السيولة الثورية التي لا نزال نعيشها أن يسعى كل طرف مشارك في الثورة إلى تعظيم مكاسبه، كما أن من الطبيعي أن يتحرك الفلول الذين تضرروا من الثورة للانقلاب عليها وتشويهها، ولكن كل هذه التحركات والمؤامرات ستنتهي بمجرد أن تضع الحالة الانتقالية أوزارها، بعد أن ننتهي من انتخابات الرئاسة ووضع دستور جديد، وبمجرد أن تتحدد الخريطة السياسية لمصر الثورة، وتتحدد الأوزان النسبية لكل فصيل، ساعتها سيضطر المشاكسون للحصول على قسط من الراحة استعدادًا لاستحقاقات الديمقراطية، وللانتخابات التالية.