لا ينكر أحدٌ من البشر أن مجموعةً من الشباب المصري تقترب من السبعين ألفًا من بين خمسة وثمانين مليون مواطن يعيشون على أرض مصر هم مَن تواعدوا على التجمع في الميادين والخروج للتظاهر في يوم 25 من يناير 2010، ثم انضمَّ إليهم ملايين المصريين على اختلاف أعمارهم وأجناسهم، وأصبحت ثورة المصريين أجمعين، إلا أن المتابع للأحداث من لحظة تنحي مبارك، وحتى الآن يجد أنه بمجرد أن انقشع غبار الميادين التي كانت تعج بالملايين من المصريين، واستشعر الناس فرحة الانتصار على الظلم والبغي، وأنهم أصبحوا أحرارًا بعد عقود طويلة من العبودية والقهر، دأبت أجهزة الإعلام بكل أشكالها وألوانها على وصف هذه الثورة بأنها ثورة الشباب، وهي تقصد بهذا الوصف أن الذي أطلق الشرارة الأولى هم مجموعة من الشباب، لا أن بقية الشعب لم تشارك في هذه الثورة، أو أنه لم يقدم التضحيات في هذه الثورة سوى الشباب!!.

 

وشيوع هذا المصطلح- ثورة الشباب- وتكراره في المجالس والمنتديات ولًّد شعورًا لدى قطاع من الشباب بأنهم صانعو الثورة وحدهم، كما ولَّد لديهم انطباعًا بأن دور الآخرين كان تابعًا لا فاعلاً في تحقيق هذا الإنجاز، وقد زكَّى هذا الشعور تصريحات إعلامية كثيرة على لسان علماء أجلاء وأساتذة في الطب والهندسة وكل العلوم بذلوا كثيرًا من أجل مصر، يقولون فيها: إن هذا الجيل قد فعل ما لم يفعله السابقون، ولذلك! يجب أن ننحني لهم، ونقبل رءوسهم، ونتراجع للخلف وراءهم، ونخلي لهم الساحة؛ لكي يتصدروا المشهد، وأن هذا حقهم، وكل صاحب خبرة بالتربية والتعليم يفهم أن هذا القول المليء بالتواضع من هؤلاء العلماء الذين أنكروا ذواتهم، يُقصد به تشجيع الشباب وتحميسهم للاستمرار في العمل والشعور بالإنجاز؛ لأن نشاطهم في نهاية المطاف وهمتهم العالية تصب في مصلحة البلد ومستقبلها؛ لأنهم مستقبل البلد، والقاعدة المقررة "إذا أردت أن تحكم على مستقبل بلد، فانظر في ماذا يفكر شبابه؟ وما القضايا التي يشغلون بها أنفسهم؟ وهل قضايا جوهرية؟ أم قضايا شكلية تافهة؟ فإن كانت جوهرية وبنَّاءة، فهذه بلد لا سبيل لإخضاعها لأعدائها، وإن كانت اهتمامات الشباب تافهة، تدور حول تسريحة الشعر وشكل القميص وآخر أغنية وآخر بنت حادثها, وآخر سهرة في السينما قضاها، فثق تمامًا أن دخول الأعداء إلى هذه البلد قاب قوسين أو أدنى!!".

 

والمزعج أن بعض الشباب لم يلتفت إلى هذا البعد التربوي التحفيزي في كلام الأساتذة والآباء، فانطلقوا، ينظِّرون ويتكلمون، ويناقشون، بل ويصدرون الأوامر على أنها تعليمات واجبة النفاذ، ولا سبيل لمناقشتها أو حتى لفت الانتباه إلى أنها قليلة الخبرة متعجلة، وأن مفاسدها أكثر من منافعها، ولم لا؟ أليست صادرة عن صناع الثورة؟ فقائلوها يستشعرون أنه لا يحق لمن لم ينل هذا اللقب المقدس "الثوار" أن يتعدى حدوده ويراجعهم.

 

وقد وصلت حالة الزهو والغرور عند بعض الشباب إلى حد تشكيل مجالس يطلقون عليها "أمناء الثورة- وحماة الثورة- وشباب الثورة- ثورة الغضب"، وكثير من المجالس والائتلافات التي يرى كل فريق منها أنه صانع الثورة، وأن على الجميع أن يسمع له ويطيع، ولو كان يتكلم في عكس مقاصد الثورة، وأنا قلت هنا: إن هؤلاء "بعض الشباب، وليسوا كل الشباب" لأن هذه الائتلافات والمجالس لو قمنا بحصر عدد أفرادها لم نجدهم بحال يتجاوزون الألف من الشباب، وبقية السبعين ألفًا لا يوجد بينهم رابط، ولا نسمع لهم صوتًا في وسائل الإعلام إلا عن طريق التواصل في الفيس بوك أو الإيميلات.

 

ومثل هذه المعرفة لا ينبني عليها صلة تصلح للقول بأن بينهم توافقًا فكريًّا على مشروع إصلاحي يتقدمون به للبلد، وأنا مثلاً أتواصل عبر صفحتي مع أقوام لا أعرف عنهم أي شيء إلا ما يكتبونه عبر لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وليس بالضرورة أن يكون ما يقولونه صحيحًا أو أن يكون المراد منه صالح العبد لله أو بلده أو دينه، والمذهل أن هؤلاء الشباب "صناع الثورة " يريدون فرض آرائهم على الجميع، حتى وقفوا في ميدان التحرير وغيره يشترطون موافقتهم على مَن يعين رئيسًا للوزراء،  وأن مَن لا يوافقون عليه يتعين على الدولة كلها أن تقف وراءهم لرفضه ومنعه من دخول مجلس الوزراء !!!!!!.

 

وهنا يجدر التنبيه إلى أمر مهم أهمس به في أذن أبنائنا الشباب وهو: هل الغضب من حسني مبارك ونظامه نشأ يوم 25 يناير؛ حتى يصح لبعضكم أن يتخيل أن الشباب الذين تواعدوا على النزول للميادين هم صانعوا الثورة وحدهم؛ غاضين الطرف؛ حتى عن دور آبائهم الذين خرجوا من أصلابهم، وأمهاتهم اللواتي أرضعنهم الجرأة وعدم الخوف في إبداء الرأي؟ أم أن هناك تاريخًا طويلاً من الجهاد والبذل والتضحيات قدمه أقوام من قبل أن يولد الكثير من الشباب في سبيل مقاومة هذا النظام وتعريته وفضح فجوره ومظالمه؟.

 

هل يمكن لعاقل يفهم حقائق الأشياء أن ينكر دور العلماء والأساتذة الذين قدم بعضهم روحه، وبعضهم مكث خلف الأسوار أعوامًا، كان كثير من الشباب في بدايات حياتهم بسبب مقاومة هذا الباطل؟ وهل ينكر عاقل أثر عشرات الآلاف من الخطب والمحاضرات والندوات والمقالات والكتب التي قدمها الآلاف من آبائهم وأساتذتهم في تجهيز الأرضية المناسبة للإعلان عن الغضب والثورة على هذا النظام؟

 

أرجو أن يلتفت الشباب إلى أن مواعدتهم الأخيرة على النزول للشارع يوم 25 يناير تعتبر هي المشهد الأخير في فيلم طويل استمر البلطجي الظالم في مصر ينكل بطوائف من الشعب، ويعتقلهم بدون جريمة، إلا جريمة مقاومة الباطل، والوقوف ضد الظلم، ويحاكمهم عسكريًّا، ويصادر أموالهم، ويترك أطفالهم في يتم وعوز مع أنهم الأثرياء، وكثير من الناس كانت تتفرج على هذه المصارعة غير المتكافئة بين مواطنين عُزَّل وحاكم له مئات الآلاف من الأتباع والأعوان يسومون المعارضين له سوء العذاب، وفي المشهد الأخير من الفيلم صرخ مجموعة من المشاهدين، وقالوا: كفاية ظلم لهذا المواطن المستضعف المقهور، وانطلق المقهور مع هذا الذي صرخ! كفاية ومعهم بقية المشاهدين في ثورة غضب أيدها الله تعالى بأن قذف في قلب الطاغية الرعب، وأذن بزوال سلطانه، فهل يستقيم أن يقول المواطن الذي صرخ كفاية ظلم!:

أنا الذي أسقطت البلطجي ومن حقي أن أتقدم، وعليكم أن تتنحوا.

 

والمؤلم للنفس أن كثيرًا ممن يقف الآن؛ ليتكلم باسم الثورة والثوار لم يستح من تاريخه الطويل في ممالأة هذا البلطجي الظالم والسكوت على بغيه وظلمه، بل ومساعدته في عدوانه على الشرفاء، فترى أحدهم الآن يقف ليقول: الثورة ودماء الشهداء، وهو لم يفقد جنيهًا من أمواله بسبب وقفة حق ضد الظلم في عصر مبارك، بل ولم يعتقل يومًا، بل لم يمنع من أي رحلة ترفيهية بسبب احتجاجه على الظلم الواقع على الشعب المقهور، وكان ينبغي أن يسأله الناس الذين يرونه يتكلم كأنه الثائر الذي لم يكلّ ولم يملّ من الجهاد طوال عمره، وكأن من حقه أن يكرم وينال قسطًا من الراحة على تعبه وجهاده، كان ينبغي أن يسألونه: أين كنت طوال عمرك؟ بل أين كنت يوم 25 يناير أصلاً ؟ لعلك كنت في رحلة ترفيهية أو نزهة ساحلية داخلية أو خارجية؟!!.

 

أخيرًا! أرجو من أبنائي وإخواني أن يعرفوا لأهل الفضل فضلهم، ولأهل الجهاد جهادهم، وأن يميزوا بين من ساهم بدمه وعرقه في تجهيز الأرض المصرية لقبول غرس الثورة والتفاعل معه، وبين من كان يجرف هذا الأرض من كل قيمة، ومن كان يقضي على كل صورة من صور المقاومة، ومن كان يشيع في مصر أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن يدركوا أن حماستهم لا تغني عنهم شيئًا إذا أغفلوا نصائح الكبار، وخبرات أهل الخبرة، فعليهم أن يضعوا أيديهم في أيدي آبائهم وأساتذتهم لإعادة بناء الدولة على أساس من الكرامة والاستقلال؛ حتى ينعم الكل ببركات هذه البلد العامرة بالخير، وفي ذات الوقت لا يصح للآباء والأساتذة أن يتخيلوا ولو للحظة أنهم يمكنهم الاستغناء عن طاقات الشباب وحماستهم، فكلاهما لا يستغني عن الآخر، واليد الواحدة لا تصفق كما هو معلوم.

 

ولا أتصور من وطني مخلص أن يخاصم أو يعادي آباءه وأساتذته الذين لا يشك في بذلهم وتجهيزهم الدولة المصرية لإعلان الثورة على الظلم والطغيان في 25 يناير، ويضع يده وطاقته تحت إمرة أقوام لم نسمع طوال تاريخ حياتهم ما يشير إلى بذل أو تضحية أو مقاومة، اللهم إلا إذا ألغينا عقولنا، واعتبرنا أن كل من لبس ثوب الثورة ثائر، أو اعتبرنا الثائر هو كل من تلاعب بعواطف الشباب، وقال لهم: أنتم صناع الثورة، وأصحاب الحق فيها؛ فاختاروا الوزير الذي تشاءون، واخلعوا الوزير الذي لا ترغبون، ولا تنسوا أن تعتصموا في كل ميدان؛ كي تجبروا الدولة على عزل أي صاحب منصب لا ترتضونه، ولا تنسوني من الوليمة! فأنا الذي أسبغ عليكم هذه الأوصاف الكبيرة، ليس من المعقول أن نعتبر إنسانًا ثائرًا، وقد قضى عمره في التزلف للنظام البائد والتودد إليه.

 

والله أسأل أن يسعدنا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يستعملنا في طاعته ونصرة دينه، وأن نكون دعاة بناء لا هدم، وتعمير لا تخريب، وعوامل تجمع واتحاد، لا فرقة واختلاف، وأن لا يشمت بنا أعداء مصر، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وأطمع ممن انتفع بشيء من هذه الكلمة أن لا يحرم هذا الخويدم للإسلام من بركات دعائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.