لا أُخفي حبي للإخوان، ويتبين لي- كما سيأتي- أنهم مع كل المصريين الشرفاء الأمل المرتقب للنهوض بمصر بإذن الله.

 

أنا مواطنٌ مصري، أحيا حياةً بعيدةً عن السياسة وضجيجها، أنظر إليها من بعيد، فأحمد الله الذي عافاني من تَبِعاتها، على أنني من المهتمين بشئون بلادي، ناهيك عن حبي لها، أشعر بنبض أبناء بلدي، يؤلمني بكاء الطفل المحروم، وتسعدني ابتسامة المُنَعَّم الموفور، أفرح لما أراه في تقدم مصر، وأتحسر لما أراه في تخلفها، أشعر في المساجد براحة، وأرى في الكنائس عراقة.

 

لا شك أن في المرجعية الإسلامية المشروع الحضاري الشامل؛ حيث سلامة المجتمع وتقدمه، وسلام البلد مع جيرانه ومع العالم أجمع، وهناك الأمر بإعمار الأرض ونشر الخير وإفشاء السلام.

 

والمرجعية الإسلامية قبل ذي بدء تتوافق مع ثقافة المصريين جميعًا، وتتوافق مع دستور البلاد.

 

ولقد جاءت الشريعة لإكرام الإنسان، فأرست حرية العقيدة فلا إكراه في الدين، وأمرت بالعدل وما فوقَه من إحسانٍ وإيتاءٍ لذي القربى، وساوت بين الناس؛ فهم كأسنان المشط، وأَوْجَبَت احترام الغير وإن خالف العقيدة؛ فلقد كرم الله بني آدم، وتهيمن على ذلك كله مكارم الأخلاق، وما جاءت هذه الشريعة إلا لتُتِمَها، وآراء وتصريحات الإخوان تدل على أن هذه الرؤيا الحضارية الشاملة في عيونهم.

 

لعل جميع المنصفين- سواء من رضي بالإسلام دينًا أو من لم يؤمن به- يتفق على أن تناول منهجية الإسلام بوسطيةٍ ووعيٍ للواقع بعيدًا عن التفريط والمغالاة؛ هو السبيل الأمثل لإصلاح واقعنا وتحقيق التقدم المادي الذي ننشده كمصريين؛ فالعدل- ولو كان ذا قربى- الذي أمرت به الشريعة يُقِيم الدُوَل، والعمل وإسداء النفع للناس دعامة التنمية والإخلاص والأمانة والصدق وغيرها من الصفات التي حث عليها هذا المنهج، واعتبرها قربات إلى الله هي أسس الإنتاج والتقدم، والأخذ بأسباب العلم وإتقان العمل والحث على الإبداع عناصر التطوير، وإسناد الأمر للقوي الأمين الذي هو الأكفأ هو الضمان لتحقيق النجاح، والشاهد أن الوعي والوسطية يُتلمسان عند الإخوان، علاوةً على تحري الموضوعية والبعد عن المزايدات.

 

لقد جمع الإخوان بين الفكر المستنير والتطبيق؛ فعلى سبيل المثال مرجعيتهم الفقهية لا تقف عند علماءٍ بعينهم، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها، وهم يُجِلون الأزهر وعلماءه؛ فالأزهر الشريف منارة العلم، وهو يعدُّ بحق مرجعية العالم الإسلامي أجمع، ويُقدر الإخوان إخوتهم من التيارات الإسلامية المعتدلة، وثبت أن الإخوان يحترمون الغير، ويقرُّون بحقوق شركاء الوطن المسيحيين، وما بينهما من البر والصداقات.

 

ودأب الإخوان على أن يستقطبوا من خارجهم من يجدون فيه الشرف والكفاءة- مسلمون أو مسيحيون- ليُدْرَج على قوائمهم الإنتخابية بجانب كوادرهم؛ فالهدف تقديم من هو أصلح، وتجنب آفات الرأي من هوى وتعصب، ويُعَدُّ سابق عملهم النقابي والبرلماني خير مثالٍ للأمانة والإبداع، ناهيك عن عملهم الخيري وتقديم الدعم للمحتاجين داخل وخارج مصر.

 

عَمَدَ الإخوان إلى بسط أيديهم لتحالفات مع الغير، وإن كانت لم تستمر مع البعض لسببٍ أو لآخر، إلا أنها تدل على الرغبة في التكامل البناء، والتعاون فيما هو في صالح مصر.

 

لقد ورث الإخوان تاريخًا طويلاً من الكفاح المشرِّف والمعاناة الطويلة في سبيل إحقاق الحق ودَرْء الباطل؛ مما أكسبهم صلابةً وثباتًا، وهو الأمر الضروري لهذه المرحلة من التحديات، ولا يخلو الأمر من وجود أخطاءٍ بطريقةٍ أو بأخرى، فذلك طبيعة عمل البشر، وبتمحيص الأخطاء وبالتقييم الشفاف للأداء يَتم استخلاص الدروس لتنقَّح الخبرات، وتضفى عليها الواقعية، فمن المعلوم أنه لا يؤخذ رأي من كان علمه من كتاب وليس له محكٍ مع الواقع.

 

الأمور- التي تَقَدَّم عرضها- تجعل الإخوان- أيًّا كان موقعهم- أمام مسئوليةٍ تاريخيةٍ يُثْقل بحملها الأشداء من الرجال، إلا أنه لا للمفر منها من سبيل.. مسئولية يتوجب معها التحرك نحو آمال الأمة وتطلعات الشعب، ويُضاعف من هذه المسئولية الآمال المعلقة على الإخوان، ورغبة المصريين في الحياة الكريمة وازدرائهم الحياة المَهِينة، تلك المسئولية، التي إن استحضر صاحبها عِظَم الأجر إن أداها حقها وسوء المهانة إن فرط بها؛ هانت عليه نفسه، وقويت عزيمته، وآثر الكد على الراحة، وصار يرى في النوم سبيل الجبناء.

 

وأمام عِظَم المسئولية فلا بد من وضع النظام الصارم لمحسابة النفس؛ بُغْيَة التقويم والتطوير، ولعل الإخوان بفصلهم الميدانيين- بجعلهم في حزب سياسي- عن الدعويين وأصحاب الشورى؛ حيث صلب الجماعة، قد أحسنوا صنعًا، ويجب- مع الاستمرار في تطوير الأداء وصبغه بالعلوم الإدارية والتقنية الحديثة- تطوير آليات المحاسبة.

 

والمحاسبة تقع بين الاحتواء والإرشاد والحزم، فصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم لم يكن فظًّا غليظ القلب، وهو الذي لم يدخر جهدًا لتعليم أصحابه والعالم من بعدهم، وهو الذي أمر بقطع يد المخزومية الشريفة التي سرقت.

 

وتقضي المحاسبة بالعمل على تماسك الجماعة وقوة ترابطها مع مؤسسات المجتمع المصري كافةً؛ فالتاريخ علَّمنا أن الذين اختلفوا حتى بعد تحقيق نصرٍ هُزِموا، فما بالك بالاختلاف قبل أن تبدأ المعركة!!، إلا أن هناك أُناسًا شأنهم شأن من شرب من النهر وتخلف عن طالوت في سيره.

 

ويبقى على المصريين تقديم الدعم لكل صاحب مسئولية شريف، والدعم كما يكون في العمل يكون في المحاسبة، على أن تكون محاسبةً موضوعيةً؛ الهدف منها النصح والتوجيه، لا محاسبة هدفها تصيد الأخطاء وتتبُّع الزلات.

 

وفي النهاية أقول للإخوان ولكل شرفاء مصر: ثقلت الأمانة.. وعَرَفْت فالزم.. والهدف هو صالح مصر.. والعون من الله.