(1) مدخل: العادة قديمة، ولكن عند غيرنا
منذ زمن بعيد وتنامي تقدم الحضارة الإسلامية يأكل قلوب خصوم فكرتها، ويقض مضاجعهم، نعم!
أذكر ذلك ويذكره القارئ الكريم في غير ما علامة يحفظها التاريخ، ويرويها عن الاستشراق الذي كان طليعة الاحتلال الأجنبي للديار الإسلامية والعربية، وكان تمهيدًا لحركات التنصير كذلك.
أذكر ذلك في كذب هؤلاء المستشرقين يوم اتهموا الفتح الإسلامي بحرق مكتبة الإسكندرية القديمة، حتى قام الدليل التاريخي على أن يوليوس قيصر هو الذي نكب مصر في مكتبتها القديمة، وحرقها، وأحالها رمادًا، وَحَرَم العالم من كنوز وافرة.
وما زلت أذكر دفاع العالم الجليل الأستاذ الدكتور إسحق عبيد أستاذ تاريخ العصور الوسطى عن الفتح العربي، ونفى التهمة عنه، وإثباتها للرومان في العقود القليلة السابقة على ميلاد المسيح عليه السلام، أو على وجه التعيين سنة 48 ق.م.
وتاريخ غير الإسلاميين حافل بسجل مخزٍ من التعرض للمكتبات، والمجامع العلمية، بالتخريب والتحريق، والإغراق، والوعي العالمي ما زال ينعى الآثار المفجعة التي تعرضت لها مكتبات بغداد والأندلس بعد هجوم التتار والنصارى الغربيين، وهو التاريخ الذي ظلَّ موصولاً حتى رأيناه في هجوم الأمريكان على متاحف العراق ومكتبات الموصل وغيرها في العراق في العصر الحديث!.
لقد وصل الأمر بالكتاني في كتابه التراتيب الإدارية، وهو كتاب في التنظيم السياسي والإداري للدولة الإسلامية التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم (2/454) أن يقول: "إن الباقي من الكتب التي ألفها المسلمون ليس إلا نقطة من بحر مما أحرقه الصليبيون والتتار والأسبان".
(2) دواعي هذا المفتتح!
ربما استغرب القارئ الكريم هذا المفتتح الدائر حول فكرة مركزية تقرر أن حرائق المكتبات ثقافة غربية بامتياز، والقارئ الكريم محق في استغرابه وتساؤله، ولكنه يقدر ما كان مني عندما يعلم أن ثمة صوتًا مريبًا أشار إشارة لا تخفى إلى أن حريق المجمع العلمي المصري في أثناء فتنة أحداث مجلس الوزراء الجارية الآن كان بسبب صعود التيار الإسلامي في الانتخابات النيابية المصرية!.
في جريدة (المصري اليوم) في عددها الصادر يوم الأحد 23 من المحرم سنة 1433هـ/ 18 من ديسمبر 2011م كتب الدكتور خالد منتصر في عموده (خارج النص) مقالاً موجزًا عنوانه (ص4) (احتراق العقل): تناول بعضًا من ملامح تاريخ المجمع العلمي المصري، ثم يختم مقاله بما يشعرك بأنه الغرض الأساسي منه، وهو شعور تأسس من موقعه في المقال؛ حيث جاء خاتمة له، والخاتمة هي نقطة التركيز النهائية التي تمثل خلوصًا مكثفًا يستهدف البقاء في ذهن المتلقي، وقد تمثل هذا الختام، وتركز في اتهام التيار الإسلامي بأنه السبب في اندلاع حريق العقل، أو حريق المجمع العلمي المصري، يقول الكاتب: "ليس مصادفة أن يحترق عقل مصر على ناصية شارع الشيخ ريحان في نفس الوقت الذي يحترق فيه العقل داخل صناديق الانتخاب وعلى نواصي اللجان!".
"هل امتدت ألسنة النيران لتحرق عقل ورشاد هذا الوطن بعد أن جرفته رمال الصحراء، والتهمته أفواه الجراد الجائع القادمة أسرابه عبر البحر الأحمر؟".
(3) من الشعرية الخائنة إلى الرمزية المجرمة:
تاريخ من محاربة الثقافة الوطنية وأرجو في البدء أن نقف أمام الرمز المتمثل في جملته: "والتهمته أفواه الجراد الجائع القادمة أسرابه عبر البحر الأحمر؟"، وبعيدًا عن الخطأ الجغرافي في تعيين حركة هجرة الجراد إلى مصر، فإن ثمة مجموعة من الملاحظات تكمن وراء هذا الرمز قبل أن نحلل دلالته:
أولاً: الكاتب غير أصيل في استعماله لهذا الرمز، فهو قد صنع "تلاصًّا" بدليل أنه لم يذكر أنه مسبوق بما نظمه الشاعر المعاصر أحمد عبد المعطي حجازي صاحب التوجه الفكري المعروف بخلافه مع الفكرة الإسلامية- في قصيدته (شفق على سور المدينة)-:
همج
رمت بهم الصحاري جنة المأوى
تهر كلابهم
تجأر في المدى قطعانهم
يمشون في سحب الجراد
رمل منازلها
...
رمل شوارعها
...
رمل غريب يرتعيها
يا أيها الرمل ارتحل
يا أيها الرمل ارتحل
واذهب لشأنك يا جراد
لقد كانت الأمانة العلمية تقتضي الإشارة إلى صانع الرمز، ولا سيما والمقال يعالج قضية احتراق العقل، فإذا بالتيار العلماني الذي يمثله الكاتب يسهم في تأجيج احتراق العقل.
ثانيًا: واضح أن الرمز قناع يكشف عن دلالة مقصودة تشير إلى أن الجراد معادل موضوعي للتيار الإسلامي، والكشف عن القناع جاء باستعمال مفتاحين في النص المنقول نفسه، وهذان المفتاحان قرينتان لغويتان هما:
1- البحر الأحمر (والصحراء المواجهة لمصر من جهة الشرق على ساحل هذا البحر هي صحراء الجزيرة العربية التي نبت فيها الإسلام).
2- احتراق العقل في داخل الصناديق، في إشارة إلى صعود التيار الإسلامي في الانتخابات الجارية اليوم على أرض مصر.
إن هاتين القرينتين كاشفتان عن دلالة الرمز أو القناع المستعمل في هذا النقل عن الكاتب، بحيث يظهر لنا من خلال تحليل هذه القرائن أن الكاتب يتهم الإسلاميين بإشعال المجمع العلمي المصري.
وهذا الوجه كاشف عما تتحرك في نطاقه إسهامات قطاع العلمانيين المصريين الذين يخرجون عن الثقافة الوطنية، ويخونون منجز هذه الثقافة الوطنية، فضلاً عما يسكن خطابهم من التناقضات الرهيبة، وليسمح لي القارئ الكريم ببعض أبنية هذه التناقضات:
أولاً: اللغة العربية واحدة من أكبر مكاسب مصر بعد قبولها بالفتح الإسلامي، والعجيب أن هذه العربية التي هي واحدة من أكبر مكاسب مصر من الصحراء الممتدة شرق البحر الأحمر، هي اللغة التي يستعملها أحمد عبد المعطي حجازي في النيل من الشخصية الإسلامية، وهي اللغة التي يتذرع بها خالد منتصر وصولاً إلى اتهامه المعلنٍ المستتر!.
وقد كان الحق قاضيًا أن يلجأ الرجل وسلفه إلى لسان آخر غير قادم عبر البحر الأحمر، وصدق القائل: يعيش على زادي وبه يشتمني، مع الاعتذار لهذا التحريف المقصود لبعض عبارات الهجاء التي وجهت يومًا إلى الأستاذ العقاد رحمه الله تعالى.
ثانيًا: إن قدرًا من تأمل التاريخ يجعل من رمز الجراد المذموم في كتابات قطاع من العلمانيين غير الوطنيين عائدًا بالذم على عموم المصريين؛ ذلك أن التاريخ يقرر أن العرب المستعربة هم أبناء إسماعيل عليه السلام، وإسماعيل عليه السلام ابن إبراهيم عليه السلام من هاجر رضي الله عنها، وهاجر مصرية، وهو ما يعني أن الجراد القادم من خلف البحر الأحمر هم المصريون الذين انحدروا من صلب إسماعيل عليه السلام، وإبراهيم لم يكن رسولاً قادمًا عبر البحر الأحمر.
إنني مضطر إلى أن أقرر أن هذا الذي يقوله أمثال هذا الكاتب في نعيه على الإسلاميين، ومحاولة التلميح بأنهم سبب الحرائق على امتداد رقعة الوطن؛ أقول إن الكاتب ومن قبله الشاعر يخونان الشعر، ويجرمان في الرمز!.
(4) الرمز المجرم ضد حركة التاريخ!
من المعلوم لدى المختصين في علوم المكتبات والحضارة، أن الفكرة الإسلامية التي ورثها التيار الإسلامي على امتداد تاريخ الأمة هي والكتاب قرينان، وفي النص التالي يعبر آدم جاسك عن هذه الحقيقة الواضحة في مقدمة معجمه عن (تقاليد المخطوطات العربية) فيقول (1/16) "الحضارة العربية الإسلامية حضارة كتاب، والكتاب فيها ذو قداسة خاصة، اكتسبها من الدين الإسلامي ذاته، وتحديدًا من كتاب هذا الدين (القرآن الكريم) الذي لا ينافسه أي كتاب آخر لدى العرب المسلمين".
"هذه المكانة العالية التي يشغلها الكتاب حفزت الجهود على إنتاجه مبكرًا حتى ليمكن القول إنه وهذه الحضارة قرينان بدآ معًا... وقد تسارع هذا التراكم المعرفي من خلال الكتب، فأنتجت الحضارة الإسلامية حتى نهاية القرن الثالث عشر هجري (التاسع عشر الميلادي) عشرات الآلاف من الكتب باللغة العربية في مختلف العلوم والمعارف".
هذا أمر لا ينكره أحد، أي أن الدين واللغة القادمين من خلف البحر الأحمر هما المسئولان عن نهضة مصر بعد غيابها، وسقوط حضارتها فيما سبق الفتح الإسلامي.
إن الفكرة الإسلامية القادمة من خلف البحر الأحمر أنارت مصر بعد زمان طويل ومرعب من الظلمة.
ولم يعهد عن الصحابة والتابعين والأئمة المتتابعين القادمين عبر البحر الأحمر أي تحريض ضد الكتاب، أو أي ازدراء ضد المكتبات، ولكن العكس كان هو الصحيح تمامًا.
هذا في الوقت الذي سجل التاريخ سنة 54م أن القديس بولس أحرق المكتبات والكتب في مدينة أفسوس!.
إن الذي جاء من خلف البحر الأحمر لم يكن جرادًا بل كان دود قزّ كسا مصر حرير الثقافة والمعرفة!.
وقد جاء الوقت الذي يجب أن يظهر فيه خيانات قطاع من المثقفين المصريين للثقافة الوطنية، وللغة الوطنية، وللوعي الوطني، ولن يكون إلا بفضح شعريتهم الخائنة، ورمزيتهم المجرمة.
--------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.