أكثر ما يدمي قلب الجريح أن يلام على جرحه فيصبح الجرح جرحين عندما يصير الجاني ضحية والمجني عليه جانيًا، ولكن ماذا نفعل والبعض منا يصمم بحسن أو بسوء نية على أن يضع لنا العربة أمام الحصان؟!
تابعت- ككل المصريين- ما يجري على ساحة وطني الحبيب من مجازر تقع تباعًا، مجزرة ثم فاصل زمني أو استراحة قصيرة ثم مجزرة أخرى، والعجيب بل والمريب أنه ما إن يقع من أحد الغاضبين فعل مؤثم سواء كان الفاعل ثائرًا أصليًّا أو عارضًا, إلا وتهوي مطرقة العدالة على رقبته ناجزةً باترةً حاسمةً في سرعةٍ تُحسد عليها، بينما في الجرائم الكبار عندما يرتكبها الكبار أو ذيولهم فإننا نرى العجب العجاب مجسدًا، ما بين تدليلٍ للبعض ونشر أخبارهم وكيف أن مزاج سيادة أحدهم متعكر أو أنه عازف عن تناول بعض الأطعمة بينما يتناول أطعمة أخرى بشراهة، ومرورًا بمذهلات مضحكات مبكيات، فبعض بلاغات عن فساد تزكم رائحته الأنوف لم يحقق فيها أو قطع التحقيق شوطًا ذرًّا للرماد في العيون ثم نامت قريرة العين جذلانة في أدراج تئنُّ لكثرة ما حوت من وقائع فساد محبوسة، حتى بتُّ أتخيل لبعض الأماكن دهاليز مظلمة وأنفاقًا عفنة تحت الأرض لدفن جرائم وفساد المحروسين بروح حسني مبارك التي ما زالت ترفرف على سماء الوطن حاميةً لجيشٍ عرمرم من الفاسدين الذين أحالوا حياة المواطن جحيمًا؛ من جرَّاء سرقاتهم المليارية وجعلوا حلم المصري الأعز هو الفرار من وطنه ولو إلى المجهول!.
قُتل نحو ألفٍ من ثوار يناير وأُصيب ألوف وبعض الإصابات رتبت فقد نور العيون، ولا يزال الفاعل الأصلي مجهولاً، وهذا المجهول لم يرتكب جناياته البشعة المروعة في حارة داخل حارة في منطقة مهجورة بل في قلب قلب عاصمة المعز وقلوب قلوب عواصم المحافظات، وقُدِّم الشركاءُ بالتحريض إلى المحاكمة بعد أخذٍ ورد وترك كبيرهم في شرم الشيخ ناعمًا بالنسيم العليل والبحر الممتد الجميل والفيلا الباذخة ومعه كل أحبائه، فضلاً عن جيرته لقرة عينه الصهاينة، ولم تطله يد العدالة إلا بعد إحن وخطوب، ويعلم الله ما يكون في قادم الأيام! ومن المُسلَّم به أن مَن قُدموا للمحاكمة هم في نظر القانون مجرد شركاء، بينما ذاب الفاعلون الأصليون كأنَّ الأرضَ ابتلعتهم أو ربما كانوا من العفاريت الزرق أو الحمر, سرعان ما قُتلوا، سرعان ما اختفوا ومعهم كل أثرٍ لجرائمهم، ولا يزال الفاعل الأصلي- إذن- مجهولاً في أكثر قضايا قتل الثوار.
لما وقعت مجزرة مجلس الوزراء رحتُ أتابع ما يجري من كل زوايا الرؤية، حتى مَن يقولون كلامًا يقع في باب شر البلاء ما يُضحك كقول أحدهم إن إحدى المسحولات المهانات ليست منتقبة أصلية بل منتقبة عارضة قصدت بالنقاب إثارة حماس المحتجين، وهو- بالقطع ومن سياق الحديث- لا يراها كاملةَ المواطنة ولا تستحق عطف (فضيلته) لنقص أهليتها للتعاطف الكامل الذي لا تستحقه إلا منتقبة أصيلة!!
قرأتُ لكل التيارات، وكلٌّ يُبدي وجهة نظره ولا مشكلة إلى هنا، ولكن المشكلة بل والعجب العجاب هو أن هناك كثيرين يتبنون مرتكزًا غريبًا مضمونه أن من قُتلوا ومن سُحقوا ومن ضُربوا يستحقون ما جرى لهم بحجة السؤال الأكثر غرابةً ومؤداه ماذا أخرجهم من بيوتهم وبيوتهن إلى حيث قُتلوا أو ضُربوا وضُربن وسُحلوا وسُحلن وهتكوا وهتكن وعُريت أجسادهم وأجسادهن على يد جنودنا البواسل!.
وليس من حقِّ مصري كائنًا مَن كان- وفق هذا المنطق الأعوج- أن يٍسأل عمن أعطى أوامر السحل والضرب وهتك الأعراض لجنودنا الأبطال، وفي حدود علمي- وقد خدمت بالقوات المسلحة- أن الجنود المصريين منضبطون لرؤسائهم انضباطًا كاملاً فلا يتصور أنهم ضربوا وهتكوا دون أوامر، ووفق هذا المنطق فإنه ليس من حقنا أن نطلب محاكمة جنائية لمَن أصدر الأوامر التي مرغت سمعتنا جميعًا في الحضيض أمام ملأ الدنيا وشوهت لا صورة الفاعلين بل صورة المصريين ملحقة الضرر بالجميع وطنًا ومواطنين، فما دام مَن احتجوا هم المخطئون فإنهم يستحق ما جرى لهم جزاء خروجهم!
يقول البعض إن الاقتصاد مضطرب منهار، وحانت ساعة العمل، وهذا حق مع التحفظ على أن أسباب الخراب الحقيقيين ما زالوا ينعمون بـ(عدالة سبع نجوم!!!)، ويقول آخرون إن الأمن مضطرب وحانة ساعة التوحد لإعادة الأمن، وهذا حق، ويقال إن هناك مندسين بين الموجودين وربما كان ذلك حق أيضًا ولا خلاف على كل تلك المقدمات، ولكن وجه العجب أن ينتهي أحد بتلك المقدمات إلى نتيجة مضمونها أن مَن خرج إلى مجلس الوزراء يستحق القتل أو السحل أو الضرب وجذب النساء مهاناتٍ من شعورهن وسحلهن على الأرض بعد تعرية أجسادهن!! فذلك مهدر للقانون والعدل والمنطق معًا! وذلك مخرب للوطن والمواطن والأمن والاقتصاد معًا!.
ومع هذا فسأذهبُ- كارهًا- في الشوط إلى مداه، هب أن بين الواقفين مندسين أو حتى جاسوسًا صهيونيًّا هدفه إثارة الفتن فهل يُقبض عليه ويُحاكم محاكمة عادلة تليق ببلدٍ هو من علَّم الكون الحضارة والعدل والقانون أم يُقتل دون محاكمة؟ هل وجود مندسين بين الثوار- على فرض صحة ذلك- مبرر قانوني أو أخلاقي لسحق خلق الله هكذا في وحشيةٍ وهمجية؟ وهل يليق أن يخرج بعض الجنود ليبول على رءوس الناس كما نُشر ورأيت ورأى غيري ورأت الدنيا؟
إن وضع اللوم على رأس الغاضبين ظلم، ولكنه ليس مجرد ظلم كأي ظلم بل هو خطأ في تشخيص أزمة شعب في مرحلة فارقة من تاريخه، والخطأ في التشخيص أو نقطة البداية يجر حتمًا إلى سلسلةٍ لا تنتهي من الأخطاء التي قد تكون مع عظم الحالة كوارث!.
لنترك إذن شماعة خطأ الغاضبين ولنبحث عن السبب الحقيقي، وأستأذن في مقدمة عن معنى السبب، فهناك لبعض الأحداث أكثر من سبب وكلها تتعاصر معًا وتتضافر، ولبعض الأحداث سبب حقيقي كامن وسبب مباشر مفجر كأن تقع مشاجرة بين خصمين بسبب كلمة لا تستأهل شجارًا وتكون هي- على بساطتها- السبب المفجر بينما يقبع السبب الحقيقي- وهو الخصومة- كامنًا فاعلاً قويًّا وإن لم يره من يركزون على السبب المباشر وحده، فنرى من يضرب كفًّا بكف لتفاهة سبب الشجار، بينما السبب الحقيقي هو الحاضر الغائب عن ساحة الشجار.
وفي حالتنا فإن الأسباب المباشرة عديدة وقد تكون- كما نشر- متمثلة في وقوف بعض المتظاهرين أمام مجلس الوزراء، وهو ما رآه البعض نيلاً من هيبة الدولة لغلقهم بعض الأبواب أو وقوع احتكاك بين بعضهم وبين بعض الضباط أو الجنود أو اعتداء بعض المحتجين على بعض الجنود، وهذا أمر يتكفل به تحقيق نأمل أن يتم في ظروف مواتية، وألا يُحاكم مجرم دون مجرم، وإلا فنحن أمام (خميرة) نكبات جديدة؛ لأنه كما أن في القصاص حياة فإن في الظلم خرابًا ودمارًا مؤكدين وثارات لا تنتهي!.
إن السبب الحقيقي والكامن الفاعل في كل ما يجري هو- في يقيني- أداء حكام البلاد بعد الثورة سواء المجلس العسكري أو وزارة شرف، لقد أخذ المجلس زمام قيادة الثورة بحكم حقائق القوة على الأرض، ورجونا جميعًا أن يقود ثورة تليق بتضحيات الدم، وصبرنا جميعًا ملتمسين للمجلس العسكري ما يلتمس وما لا يلتمس من الأعذار، وقلنا هؤلاء الرجال هم في البدء والمنتهى جزء منا وهم طليعة مؤسسة وطنية لها مكانها ومكانتها العزيزة، ولكننا رأينا من المجلس أمورًا تثير الريب من أول يوم, من ذلك مثلاً ما بدا إلى اليوم لغزًا لا يمكن فهمه ولا يمكن تبريره وهو ترك زكريا عزمي يتردد يوميًّا ساعات طوال على مقر ديوان رئاسة الجمهورية, وأيامها تطوع أحد قادة المجلس- حسبما نشر- ليقول إن زكريا عزمي موظف وهو يذهب إلى أداء عمله!! ويتردد- بقوة اللزوم المنطقي- أن زكريا عزمي رتَّب أوراقًا وأعدم ملفات وأخد وقته وأدَّى مهمته على مهل وروية، ولا يتصور أنه أداها دون تنسيق مع مبارك الذي كان يستجم في منتجع شرم الشيخ قبل أن ينتقل إلى منتجع علاجي إلى اليوم، بينما يقبع بعض الثوار في ظلمات السجون الحقيقية!.
تلكأ المجلس في تقديم مبارك وأولاده إلى المحاكمة شهورًا، وتردد المجلس في إصدار قانون العزل السياسي في وقت ملائم وبصيغة جازمة بما يحول بين الفلول وبين العودة إلى الإفساد من جديد، ثم رأينا ما سمي بوثيقة السلمي وما حوت من وصاية للمجلس على المصريين ومحاولة تقنين أوضاع للجيش لا يقبل بها جموع المصريين، ولم يتح المجلس الصلاحيات الكافية لوزارة عصام شرف وخرج الرجل مكسورًا مهزومًا لأخطاء لم يكن وحده مَن وقع فيها، ورأينا وما زلنا نرى التعامل الخشن الغليظ من قوات الأمن والجيش مع المتظاهرين في أكثر من موقعة، وعدنا نرى مجزرةً تقع وقبل جفاف دم الشهداء تقع مجزرة أخرى، والشاهد أن المجلس لم يتخذ خطوةً واحدةً ذات قيمة في اتجاه الثورة إلا بضغوط شعبية عارمة، ولقد أوشكت الثورة على دخول عامها الثاني ولا يزال بعض أعضاء لجنة السياسات سيئة الصيت يشغلون بعض المواقع القيادية حتى اليوم!.
ولنا أن نتخيل حال مصر فيما لو أن المجلس العسكري قد أثبت من أول يوم أنه يقود الثورة فعلاً قيادةً تُكافئ تضحيات المصريين بالدم وتكافئ تطلعاتهم إلى غدٍ مشرق عزيز كريم؟ هل كانت لأحد من حجة ساعتها للخروج إلى الشارع؟ ولو خرج البعض أما كانت الغالبية الساحقة من المصريين تعلن وقوفها إلى جانب المجلس ونحن شعب معروف بالصبر الطويل والإخلاص منقطع النظير؟ وفي كل الأحوال أليس الطبيعي قبل أن نلوم مَن صرخ محتجًا أن نلوم مَن أيأسه وألجأه إلى الصراخ؟؟!!