حسن الإلقاء وجودته:
لا نبالغ إذا قلنا إن الإلقاء الحسن الجيد هو سر نجاح الخطبة، وأهم شيء في الموقف الخطابي، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن رداءة الإلقاء، وسوء العرض، وضعف الأداء، يهبط بقيمة الخطبة، ويضيع فائدتها، ويذهب برونقها، وبهائها حتى ولو كانت تحتوي على مادة علمية جيدة، وذات موضوع مهم، فكل هذا يضيع حينما يصطدم بالإلقاء الرديء المتدني.
ونقصد بالإلقاء هنا الكيفية التي يعرض بها الخطيب موضوعه، والهيئة التي يكون عليه حين يخاطب جمهوره، والطريقة التي يوصل بها للناس ما عنده.
ولا بد للخطيب عند إلقائه لخطبته أن يتنبه إلى حيوية الإلقاء؛ فالخطيب الجيد يتسم إلقاؤه بالحيوية، وينبض بالحماس، وبإثارة انتباه المستمعين وإيقاظ أذهانهم، وإغلاق المنافذ أمام أي فرصة يتسلل من خلالها الشرود والإعراض إليهم، فهو يجذب اهتمام الجمهور بحيويته وحرارته وحماسته.
ولقد كان إلقاء النبي صلى الله عليه وسلم يتسم بالحرارة والحيوية، ويفيض حماسة وجاذبية، حيث يرفع صوته، ويجزل كلامه، ويظهر انفعاله على ملامح وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم، وحركته وإشارته، فيبدو في هيئة نشطة، وصورة جذابة، تشد المستمعين إليه وتربطهم به.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالاً فلأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ" (رواه مسلم).
وليتجنب الخطيب كل ما من شأنه أن يجعل إلقاءه فاترًا، وطاقته خامدة وحيوته ضعيفة، ولهذا فعليه أن يريح جسمه قبل إلقاء خطبته أو محاضرته، وأن يتجنب ملء معدته بالطعام حالما يتأهب للإلقاء، وليحرص على راحة ذهنه، وليبتعد عما يوتر أعصابه ويستهلك طاقته، فإن الخطيب المتعب يفتر إلقاؤه ولا يكون جذابًا.
حضور البديهة:
ونقصد بالبديهة: سداد الرأي عند المفاجأة، كما جاء في كتب اللغة (1) ذلك أن الخطيب عرضة لأي أمر قد يطرأ أثناء الخطبة، أو مقاطعة تصدر من أحد المستمعين بقصد إحراجه، أو اعتراض يواجهه... وما شابه ذلك، فعليه في هذه الحال أن يحسن الجواب عما يعترضه، أو يحسن التخلص إن لم يستطع الإجابة.
ذكر أن زعيمًا اشتهر بالقدرة الخطابية فاجأه ذات مرة أحد المستمعين أثناء المحاضرة بقوله "هذا غير صحيح"، وكان الخطيب ذكيًّا، ففطن إلى ما يريده المعترض، فاكتفى بقوله: "هذا رأيك"، واستمر دون أن ينقطع.
ويحكى أن طالبًا كان يؤدي اختبارًا في دروس التربية العملية، تحت إشراف أحد الأساتذة، فوقف أحد التلاميذ ووجه إليه سؤالاً كان لا يعرف الإجابة عنه، إلا أن الطالب المدرس كان سريع البديهة، وقال للتلميذ: "ذكرني في آخر الدرس"، وبمجرد أن دق الناقوس خرج التلاميذ يهرعون إلى فناء المدرسة، ونسي التلميذ سؤاله، فكتب المشرف الملاحظة الآتية: "الطالب ذكي حسن التصرف".
وخطب أبو جعفر المنصور فحمد الله وأثنى عليه، فقال أحد السامعين: "أذكرك من ذكرت به" فأجاب أبو جعفر بلا تفكير ولا روية: "سمعًا سمعًا لمن حفظ عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين، وأنت أيها القائل فوالله ما أردتَ بها وجه الله ولكن ليقال: قام فعوقب فصبر، وأهْوِنْ بها لو كانت، وأنا أنذركم أيها الناس أختها، فإن الموعظة علينا نزلت، وفينا انبثت"، ثم عاد إلى الخطبة.
وكان لويد جورج الإنجليزي المعروف يخطب، ويعد بالحكم الذاتي، فيقول: سنعطي الحكم الذاتي لكندا، وسنعطيه لأيرلندا، وسنعطيه... ولم يتم الكلمة حتى قال أحد المستمعين: "لجهنم" فرد عليه لويد جورج بقوله: هو ذاك، يعجبني أن يتذكر كل إنسان وطنه.
وكان الإمام ابن الجوزي رحمه الله يخطب في مجلس الوعظ، وقام إليه رجل بغيض، فقال: يا سيدي أريد كلمة ننقلها عنك، أيهما أفضل أبو بكر أو علي فقال اجلس، ثم قام فأعاد مقالته، فأقعده ثم قام، فقال أقعد فأنت أفضل من كل أحد (2) وسأله آخر أيام الشيعة، فقال أفضلهما من كانت بنته تحته، وهذه عبارة محتملة ترضى الفريقين.
ثم إن الخطيب قد يتعرض لنسيان ما كان قد أعده للموقف من مادة علميــة، أو يعتريه الّرتَّج (3) أو الحَصَر (4) ونحو هذا من المآزق الحرجة؛ وهنا لا بد أن يكون حسن التصرف، سريع التخلص من موقفه، كي لا يكون في وضع محرج وموقف لا يحسد عليه، وليستعن بالله تعالى بضراعة وإخلاص أن يوفقه إلى مخرج حســـن.
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده
ومن الخطباء من تعرضوا لمواقف صعبة، فأسعفتهم بديهة حاضرة، ونجوا من الإحراج، ومنهم من ارتبكوا وأخفقوا في إيجاد عذر أو مخرج حسن مما حل بهم، والإكثار من قراءة تلك النماذج، يزود الخطيب بخبرة نافعة في هذا الأمر، ويمرنه على كيفية التصرف المناسب عند اللزوم، وخاصة إذا تشابهت المواقف، ونورد هنا طرفًا من أخبار هؤلاء وأولئك تعميمًا للنفع:
أ- من أُرْتَّج عليه فحسن تخلصه، بحضور بديهته:
ذكر صاحب العقد الفريد إن أول خطبة خطبها عثمان ابن عفان رضى الله عنه أُرْتِج عليه فيها فقال: "أيها الناس أن أول كل مركب صعب؛ وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله بعد عسر يسرًا إن شاء الله".
وقدم يزيد بن أبي سعفان الشام واليًا عليه لأبي بكر، وخطب الناس فأُرْتِج عليه فعاد إلى الحمد لله، فأْرِتُج عليه، فقال يا أهل الشام: "عسى الله أن يجعل بعد عسر يسرًا، وبعد عيّ بيانًا، وأنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل، ثم نزل، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه".
وصعِد ثابت بن قطنة منبر سجستان فقال: الحمد لله ثم أُرْتِج عليه، فنزل وهو يقول:
فإن لا أكن فيهم خطيبًا فإنني بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس.
وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولِي فحَصِر، فقال أيها الناس إني كنت أعددت مقالاً أقوم به فيكم، فحُجِبتُ عنه، فإن الله يحول بين المرء وقلبه كما قال في كتابه وأنتم إلى إمام عدل، أحوج منكم إلى إمام خطيب، وإني آمركم بما أمر الله به ورسوله، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه ورسوله، وأستغفر الله لي ولكم.
ب- من أُرْتِج عليه فأخفق في حسن التخلص:
ذكر الجاحظ أنه قد خطب مصعب ابن حيان أخو مقاتل بن حيان خطبة نكاح فحَصِر، فقال، لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله، فقالت أم الجارية: عجَّل الله موتك، ألهذا دعوناك؟!!
وقيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر وتكلم فلما صعد حَصِر، وقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء، وبقي ساكتًا، فأنزلوه.
وصعد آخر فلما استوى قائمًا، وقابل بوجهه وجوه الناس، وقعت عينه على
صلعة رجل، فقال اللهم العن هذه الصلعة!
وقيل لوازع اليشكري: قم فاصعد المنبر وتكلم، فلما رأى جمع الناس قال: لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة اليوم ما جَمّعتُ، وأنا أشهدكم أنها مني طالق ثلاثًا.
ولذلك قال الشاعر:
وما ضرني أن لا أقوم بخطبة وما رغبتي في ذا الذي قال وازع
إن حضور البديهة، أو سداد الرأي عند المفاجأة له أثره الطيب على الخطيب والخطبة، وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمر آخر من مقومات الخطيب وهو الثبات.
------------------
1- المعجم الوسيط 1/46
2- أفضل من الفضول.
3- الرّتج: هو استغلاق الكلام على الخطيب.
4- الحَصَر: هو احتباس الكلام على الخطيب.
-----------------
* أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية المساعد بكلية أصول الدين والدعوة- جامعة الأزهر