لقد نجح النظام البائد طوال ثلاثين عامًا في تبديد ثروة مصر، كما فشل في إحداث تنمية حقيقية وتحقيق تراكم لرأس المال الاقتصادي؛ مما أدى إلى حالة التخلف والفقر والبطالة التي يعانى منها الشعب المصري الآن، ولم تتوقف جرائم هذا النظام عند حدود رأس المال الاقتصادي؛ بل قام بأكبر عملية تجريف وتبديد لرأس المال الاجتماعي والثقافي والعلمي؛ مما أدى إلى كثير من المشكلات الاجتماعية والثقافية المزمنة التي تركت بصماتها البائسة على وجه الوطن والمواطن، وأدت إلى تراجع دور مصر الثقافي والعلمي والفني، وتقزيم مكانتها وانحسار ريادتها الإقليمية والعالمية.
إن أي مشروع حضاري للنهضة يستهدف استعادة مصر لمكانتها وريادتها لا بد أن يبدأ أولاً بتحقيق تنمية اقتصادية تنتشل المواطن المصري من دائرة الفقر والجهل والمرض وتحقق العدالة الاجتماعية، حتى يتمكن هذا المواطن من استنهاض موروثه الحضاري، وبعث دوره التنويري الرائد الذي قام به منذ فجر التاريخ.
ويظن الكثيرون أن تحقيق هذه الأهداف الكبرى لا يكون إلا عن طريق جذب الاستثمارات المالية، وتحقيق تراكم للثروة المادية، وننسى أن هناك نوعًا آخر من رأس المال لا يقل أهمية عن رأس المال الاقتصادي في تحقيق أهداف التنمية والعدالة الاجتماعية، وهو ما يعرف "برأس المال الاجتماعي".
ويعرِّف المفكرون رأس المال الاجتماعي بأنه "قدرة الأفراد على العمل معًا داخل شبكة من العلاقات المشتركة، بما يؤدى إلى تعظيم قيمة العمل الجماعي وتحقيق الترابط الاجتماعي، والقدرة على التواصل والاندماج والثقة في الآخرين". ويعد رأس المال الاجتماعي أحد الموارد المهمة في أي مجتمع من خلال تحويل الفرد إلى عنصر فاعل يساهم في تحقيق النهضة المجتمعية.
ويمكن قياس قيمة رأس المال الاجتماعي بمجموعة من المؤشرات منها "عدد منظمات المجتمع المدني- وعدد الأعضاء العاملين بها- وكفاءة العلاقات داخل هذه المنظمات نفسها وكذلك بين المنظمات بعضها البعض".
ومن ثم فإنه كلما زادت عدد منظمات المجتمع المدني من نقابات واتحادات وجمعيات وأندية، وازداد عدد المنضمين إليها والفاعلين بها ودورها الاجتماعي في تفعيل دور الفرد في الخدمة العامة، وتعبئة الأموال للأغراض الخيرية والتنموية، كلما تعاظمت قيمة رأس المال الاجتماعي ودوره في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
ولعل من أبرز الأدوار الكبرى عالميًّا التي حققها "رأس المال الاجتماعي" هو ثورة الشعب المصري على الظلم والاستبداد في 25 يناير، والتي اندلعت شرارتها الأولى من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على "فيس بوك" و"تويتر" وأجهزة المحمول، حيث تمكنت شبكات التواصل الاجتماعي هذه (التي تعد أبرز تجليات رأس المال الاجتماعي) من تجميع جهود جميع الرافضين لسياسات النظام البائد وتحويل قوة الغضب والرفض داخلهم إلى فعل إيجابي ثوري وقوة تغيرية أزالت النظام البوليسي الديكتاتوري، الذي ظل جاثمًا على صدور المصريين لأكثر من ثلاثة عقود، لقد كانت ثورة 25 يناير هي أبرز مظاهر استثمار "رأس المال الاجتماعي"، كما أنها مثلت في الوقت ذاته بداية لميلاد نهضة حقيقية بمصر.
وعند استعراض بعض مؤشرات "رأس المال الاجتماعي" قبل الثورة نجد أن مصر:
* تحتل المرتبة 95 من إجمالي 110 دولة بالنسبة لرأس المال الاجتماعي.
* وتحتل المرتبة 79 من 110 دول، بالنسبة للتبرعات والمساعدات.
* وتحتل المرتبة 100 من 110 دولة بالنسبة للعمل التطوعي.
ومن ثم نرى أن ترتيب مصر عالميًّا فيما يخص توافر رأس المال الاجتماعي والإقبال على العمل التطوعي، وبذل التبرعات والمساعدات متدنيًا جدًّا، مما يتطلب ضرورة الاهتمام بتفعيل دور رأس المال الاجتماعي؛ ليساهم بدرجة أكبر في تحقيق التنمية المنشودة وتوفير تمويل دائم مستمر من مصادر أهلية؛ بعيدًا عن تحميل مزيد من الأعباء على الموازنة العامة للدولة، بما يحقق العدالة الاجتماعية، حيث إن بذل رأس المال الاجتماعي يعد نوعًا من أنواع إعادة توزيع الثروة يبذلها المواطنون القادرون عن طيب نفس وبرغبة ذاتية، ومن ثم يؤدي إلى ردم الفجوة بين الطبقات، كما يمكنه أن يحول الفقراء إلى منتجين يستغنون في مرحلة معينة عن تلقي المساعدات، بل يمكن أن يتحولوا في مرحلة أخرى إلى مصدر من مصادر الدخل، وتوليد مزيد من رأس المال الاجتماعي إذا تم توجيه هذه المساعدات إلى تكوين مشروعات صغيرة للفقراء، أو إعادة تأهيلهم وإكسابهم مزيدًا من المهارات من خلال عمليات التعلم أو التدريب التحويلي.
لذا لا بد أن نوجه جميع الداعين إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بضرورة تفعيل وتعظيم دور رأس المال الاجتماعي؛ من خلال إعادة النظر في جميع التشريعات ذات الصلة، بما يسمح بمزيد من المشاركة المجتمعية والتطوعية، خاصة الجمعيات التي تعمل على توفير تمويل للمشروعات الصغيرة، وتأهيل العاطلين عن العمل من الأسر الفقيرة، ويمكن أن يكون لمؤسستي الوقف والزكاة دور ريادي بارز في هذا الإطار، وكذلك توفير الدعم المالي والفني والمعنوي من جميع مؤسسات الدولة وفق منظومة متكاملة، كما يمكن تفعيل فكرة "منصات التنمية" التي يشارك فيها المنتج والمورد والعامل والتاجر والمستهلك والممول والمسوق والناقل من خلال شبكة علاقات اجتماعية فعالة تعتمد معايير الإفصاح والشفافية والثقة والتعاون بين جميع مكوناتها حتى يتبوأ القطاع الثالث (المجتمع المدني) دوره جنبًا إلى جنب مع القطاع الحكومي والقطاع الخاص في تحقيق النهضة المأمولة والعدالة الاجتماعية.
وكما كان رأس المال الاجتماعي هو مفتاح الثورة وشرارتها الأولى، فعلينا أن نعمل معًا ليصبح أحد أهم أدوات تحقيق أهدافها في الحرية والعدالة والتنمية والريادة.
---------------
* خبير مصرفي ومحاضر جامعي.